ما حددناه بالدم… لن تقوى عليه أبواب الجحيم

 

يأتي أيلول كل عام وطرفه غارق بالشهادة، شهادة إمتدت على مدى مئات السنين لتفيض علينا بنعمة البقاء أحياء، على الرغم من كل الجهود التي بُذلت لوأدنا في مهدنا كي لا تكون حريتنا التي لا نقدر على العيش بدونها، مرضًا معديًا لمن حولنا. كثير من الصور تمر في البال، كثير من الصور على مواقع التواصل، تكاد تكون بالآلاف.

نكاد نتحسر على الشباب الذين خُطفوا في ربيع العمر، نكاد نذرف دمعة على من كانوا رفاق السلاح، لكن في عمق وجداننا وضميرنا، نعلم جيدًا أنه لولا تضحياتهم لما كنا اليوم هنا، على الأقل، كما نحن، بكامل حريتنا وكرامتنا، الحرية والكرامة التي خُلقت فينا على صورة الله، ولن نعيش من دونها أبدًا.

إذًا التحسر والبكاء على الأطلال ليس في قاموسنا، فقط نشتاق لمن غابوا، لأن ما قدموه جعلهم خارج المكان والزمان في حضرة سيد الكون، حيث كل إيماننا ورجائنا هناك، الى من يعرف جيدًا معنى الفداء والتضحية بالذات من أجل الآخرين.

الكثير من الرفاق والأحباء يسألون ويتساءلون وعن حُسن نية، “ماذا فعلنا كرمال شهدائنا وهل إستشهادهم ذهب هباءً”؟

والجواب باختصار: أكبر دليل على أن استشهادهم لم يذهب هباءً، هو أننا موجودون على أرضنا مع أهلنا ولسنا تائهين في أصقاع الأرض نفتش عن وطن بديل أو نبكي على وطن مسلوب. ماذا فعلنا كرمال شهدائنا؟! سأقول لكم ماذا فعلنا.

إحفظوا هذه العبارة جيدًا: نحن قوم لا نفرط بتراث المقاومين في زمن المتاجرين، ولا نحيد عن خطٍ حددناه بالدم طريقًا الى الحق والحرية والسلام الحصين.

قالها قائد “القوات اللبنانية” يومًا وإلتزم بها كما باقي القواتيين الى أبعد الحدود.

ففي الحرب، لم نتخاذل يومًا ولم نساوم لا على الغالي ولا على الرخيص، والكل يشهد لنا في ساحات المعارك، الأعداء قبل الحلفاء. في السلم، لم ينفع لا الترهيب ولا الترغيب بتليننا لنكون أداةً بين أيادي المحتل. فكما تضحياتنا في زمن الحرب، هكذا في زمن السلم، لا بل كانت أقسى بكثير.

الدخول الى دهاليز التعذيب أقسى بألف مرة من الدخول الى ساحة المعركة بسلاحك ومع رفاقك.

كل عناصر “القوات اللبنانية” تقريبًا مرّت بذاك الجحيم، وعلى رأسهم: “الرفيق سمير جعجع”. رفيق الجبهات والمعارك والسجون، رفيق الحلوة والمرة. في إحدى الزيارات المكوكية الى وزارة الدفاع، وكانت يومها الزحمة خانقة، وبعد حفلة الترحيب، رُميت أمام إحدى الزنزانات في آخر الرواق مُطمّش العينين مكبل اليدين كما العادة.

بعد فترة وجيزة وعندما عادت حواسي الى حالها الطبيعية، سمعت صوت تراتيل تصدح من وراء باب الزنزانة، لكنه لم يكن بإستطاعتي تمييز ذاك الصوت. في اليوم التالي عرفت أنها زنزانة الحكيم وقد كان يرتل في المساء قبل النوم… والقصة كاملة رواها الحكيم في إحدى مقابلاته الصحفية.

أدركت يومها أن القضية التي إستشهد رفاقنا من أجلها، وكنا نحن نمشي على طريق جلجلتها بكل إيمان، هي قضية لا تموت، والقيامة آتية مهما طالت ليالي العذاب في ذاك الجحيم.

أما اليوم، فعندما تقول شرف وكرامة ونظافة ومحاربة فساد وتفاني في الخدمة ومثال في تحمل المسؤولية وإلتزام بالوطن والإنسان، تقول: “قوات لبنانية”، بشهادة الخصوم قبل الحلفاء.

لم ولن نفرط يومًا بتراث أجدادنا وشهدائنا، لم ولن نحيد عن خطٍ حددناه بالدم طريقًا الى الحق والحرية والسلام، هذا كان هدفنا وهدف رفاقنا الشهداء والشهداء الأحياء، وسيبقى الهدف الدائم حتى قيامة لبنان الذي نريد، وأبواب الجحيم لن تقوى علينا.

#كرمالكن

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل