“المسيرة”: منطقة دير الأحمر والبقاع الشمالي تموت عطشاً

 

كتبت غرازييلا فخري في مجلة “المسيرة” – العدد 1677:

وكأن قدر منطقة دير الأحمر والبقاع الشمالي ان تعاني الى جانب الحرمان والتهميش من إنقطاع مياه الرّي والشفة عنها من عيون أرغش واليمونة منذ حزيران الماضي ولغاية اليوم، في ظل تغييرٍ مناخي وتدني نسبة المتساقطات، وسوء إدارة، وتعديات من بعض الأشخاص المحميين من قوى الأمر الواقع على مصادر المياه، وغياب تام للدولة عما يجري، الأمر الذي شكل سيلاً من أزمات العطش تطال سنوياً عدداً من قرى المنطقة كشليفا وبتدعي ودير الأحمر والمشيتية والزرازير وبشوات وصفرا وبرقا وغيرها، في غياب أية حلول جذرية لما يجري. ولم يعد أمام أهالي هذه القرى سوى اللجوء الى مياه الآبار الأرتوازية التي لا تكفي لتأمين الحد الادنى من حاجاتهم من مياه الرّي والشفة خلال موسم الصيف

تتغذى بلدات منطقة دير الأحمر والبقاع الشمالي بالمياه من مصدرين أساسيين هما ينابيع عيون أرغش وشلال اليمونة، أُضيف إليهما منذ فترة قصيرة مياه نبع عين ضاهر في عيناتا. ومع قدوم الصيف تعلو صرخة الأهالي والمزارعين في المنطقة بسبب انقطاع المياه عنهم، على الرغم من المراجعات المتكررة لمصلحة مياه البقاع والمراجع المعنية منذ العام 1979 لتطبيق المرسوم رقم 169 الصادر بتاريخ 27/1/1942 الذي ينص على وضع نظام موقت لتوزيع المياه لري سهل بعلبك من مياه اليمونة التي قسِّمت عبر مقسّم أوتوماتيكي لتوزيع المياه بني على شلال اليمونة بنسبة 40 في المئة لريّ سهل دير الأحمر وقراها و60 في المئة لمنطقة بوداي والسعيدة والقرى المجاورة لها، ولكن لا حياة لمن تنادي.

وضع المياه في منطقة بعلبك الهرمل «كارثي بكل ما للكلمة من معنى» بحسب ما يقول نائب المنطقة الدكتور أنطوان حبشي، «ذلك بسبب غياب قوننة توزيع المياه بشكل عادل يطال الجميع، في الوقت الذي يجب ان يكون فيه مياه كافية لأن المنطقة غنية بمصادر المياه. بالنسبة لمياه اليمونة هناك نوع من القوننة عبر اتفاقية خطية وقعت في العام 1973 توزّع مياه نبع اليمونة على الشكل التالي، 33 في المئة منها لقرى بيت مطر وبتدعي ودير الأحمر، و7 في المئة لقرية شليفا، و60 في المئة لقرى بوداي وفلاوى والسعيدة ومزرعة الحفير، ولكن، يا للأسف، فإن هذه الاتفاقية لا تطبق اليوم، والسبب يعود الى ان جزءًا كبيرًا من المياه يضيع في المنطقة الواقعة بين رأس الشلال ومخرج النفق. كيف ولماذا؟ هنا السؤال الذي يجب ان تجيب عنه مؤسسة مياه البقاع، فموظفوها لا يذهبون الى هذه المنطقة لأسباب أمنية، كما ان القوى الأمنية لا تستطيع وضع يدها على منبع المياه إذا لم يأتها أمر وغطاء من القوى السياسية الفاعلة، هذا هو الواقع بالنسبة لمياه اليمونة. ونحن اليوم بصدد تكوين ملف حول واقع المياه في المنطقة لعرضه على المسؤولين السياسيين والأمنيين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وقيادة الجيش، وحثهم للقيام بواجبهم تجاه هذا الموضوع الحيوي للمنطقة، وهذا الأمر يشمل أيضاً مياه عيون أرغش التي لا تحترم التوزيع القانوني أيضاً ونبع اللبوة وجفاف نبع العين في منطقة البقاع الشرقي التي كانت تستفيد منها أيضاً الحركة السياحية، بالإضافة الى فتح الآبار الأرتوازية بشكل عشوائي وغير مدروس، مما يحرم المنطقة أيضاً من مواردها المائية، لذلك يجب ان يكون هناك تحرك على مستوى عالٍ لمعالجة هذا الأمر».

ولفت النائب حبشي إلى ان الخطة الأمنية الموضوعة اليوم لمنطقة البقاع يجب ان تشمل مصادر المياه وان تكون جزءًا لا يتجزأ منها عبر تأمين غطاء سياسي لها يرعى مصلحة المواطن، ويحلّ مشكلة المياه بشكل جذري عبر منع التعديات وتوقيف المعتدين وإقفال مسارب المياه غير الشرعية، وهذا هو واجب الدولة تجاه مواطنيها.

ويصف رئيس بلدية دير الأحمر لطيف القزح واقع المياه بأنه سيئ جداً خصوصًا هذه السنة التي لم تشهد نسبة متساقطات مرتفعة تسمح للينابيع بتخزين المياه، فشحت مصادر مياه الرّي الآتية من اليمونة، ومياه الشفة من عيون أرغش على حد سواء، يتبع ذلك وضع إدارة المياه السيئ جداً من قبل الإدارات المعنية، خصوصاً مصلحة مياه البقاع «الغائب» الأكبر والتاركة الأمور على غاربها، فأصبح كل شخص من موقعه يدير المياه كما يحلو له، أو كما نقول هنا بلغة الضيعة «الفوقاني يأكل حق التحتاني»، أضف الى ذلك غياب الدولة الكلي عن المنطقة والذي يؤثر على جميع المرافق الحياتية والأمنية. ونحن كرؤساء بلديات المنطقة، يكمل القزح، راجعنا كثيراً وطالبنا بوضع نقطة أمنية عند الشلال لتنظيم توزيع المياه فأتى الجواب بعدم إمكانية وضع هذه النقطة بسبب المحاذير الأمنية الموجودة في المنطقة، كما لم نلقَ سوى الوعود من قبل المسؤولين، هذا من ناحية مياه الريّ من شلال اليمونة. أما بالنسبة الى مياه الشفة، فإن دير الأحمر والمنطقة الشمالية منها تتزوّد بها من عيون أرغش وهي مقطوعة اليوم كلياً عنها، ونبع ضاهر في عيناتا المقسوم مناصفة بين دير الأحمر وعيناتا وذلك عبر اتفاقية موقعة بين البلديتين مصادق عليها من قبل وزارة الطاقة لحفظ حقوق البلدتين، وهذا النبع قد طاله الشح كالينابيع الأخرى، زد على ذلك مرور خطه في بلدات المشيتية، البليقة، الزرازير وبشوات، بالإضافة الى دير الأحمر كبرى البلدات، وبالتالي لم يعد يكفي الحاجة المحلية مما دفعنا الى اللجوء الى الآبار الأرتوازية لتعويض النقص خصوصاً خلال شهري آب وأيلول حيث يرتفع الطلب على المياه مع ارتفاع عدد سكان البلدة في هذين الشهرين، إضافة الى الوجود الكبير والدائم للاجئين السوريين الذين يشكلون عبئاً إضافياً على استهلاك المياه».

وتوجد البئر الأولة بحسب ما يقول القزح في أعلى الدير عند منطقة البصيلة، والبئر الأخرى قرب كنيسة مار يوسف في وسط البلدة، وتتحمل البلدية كافة مصاريف تشغيل هاتين البئرين اللتين أثبتت التحاليل المخبرية بأنهما صالحتان للشرب، خصوصاً بئر البصيلة التي أتت نتيجة تحاليلها صفر في المئة تلوث. وقد طالب القزح من موقعه كرئيس بلدية دير الأحمر بوضع أسس لتوزيع المياه وتقسيمها بين شفة وري عند رأس الشلال وتثبيت حقوق المستفيدين من مياه اليمونة فيما خصّ الري، وتحمّل مؤسسة مياه البقاع مسؤوليتها بصفتها الجهة  المخولة إدارة هذا القطاع والطلب من الأجهزة الأمنية المؤازرة لإزالة التعديات والمخالفات. وتساءل لماذا لدينا في منطقة دير الأحمر 23 شاوي للمياه وخمسة موظفين في عيون أرغش من قبل مصلحة مياه البقاع ليس لديهم عمل بسبب انقطاع المياه؟ وطالب الدولة ببسط سلطتها ووجودها في المنطقة بشكل دائم وفعّال، وليس فقط عبر خطة امنية لفترة محددة لا تتجاوز الشهرين ثم تعود الأمور الى ما كانت عليه من فلتان على كافة الصعد، ووضع يدها على مصادر المياه التي هي ملكها بحكم القانون وإزالة التعديات عنها وتوقيف المعتدين.

أما مختار بلدة بتدعي التي تتغذى من مياه الري والشفة من شلال اليمونة ريمون فخري، فيقول بأن مشروع شلال اليمونة بدأ مع الفرنسيين الذين وضعوا دراسة حول تقسيم المياه بين الغربي والشرقي وكان محروث الفخري آنذاك رئيسًا لبلدية دير الأحمر، وتم الاتفاق وقتها على إعطاء منطقة دير الأحمر 40 في المئة من نسبة مياه الريّ والشفة و60 في المئة لمنطقة بوداي والسعيدة وحوش بردى، تقسّم بشكل طبيعي بين المنطقتين عبر مقسّم أوتوماتيكي،  وقد صنفت أراضي السهل التي تطالها مياه اليمونة أرض «سقي» لأنها أصبحت ترتوي من هذه المياه، وظلت الأمور على حالها حتى بداية الحرب اللبنانية حيث بدأنا نشهد على قطع للمياه من الشلال فوق المقسّم، وفتح مهارب في بلدة دار الواسعة على رأس الشلال، ووضع يد من قبل بعض المعتدين وقد بدأت هذه الممارسات تكبر مما حرمنا من حقنا الطبيعي في هذه المياه، وبعد الأحداث تم استحداث خط جديد من الجهة الأخرى بسعة 16 إنشًا الى جانب الخط القديم سعة 12 إنشًا كي تصل مياه الشفة من اليمونة الى أبلح بدون أي وجه حق في حين بقي الخط التابع لمنطقتنا بسعة 8 إنشات، وبالتالي أصبحت حصتهم من المياه من خلال هذين الخطين حوالى 80 في المئة مقابل 20 في المئة لنا لا تكفي حاجتنا المحلية. خلال فصل الربيع ومع تفجر الينابيع التي ترفد شلال اليمونة خاصة نبع الأربعين أكبر روافد الشلال، تفيض المياه، ولكن مع تقدم فصل الصيف وشح الينابيع، تخف مياه الشلال وتبدأ بالانقطاع، واليوم ومع فتح خط ال16 إنشًا لم نرَ نقطة مياه ريّ أو شفة منذ شهر حزيران الماضي، ونتكل على بئر التعاونية الزراعية الأرتوازية الموجودة في البلدة لكنها لا تكفي لسد حاجات البلدة، الأمر الذي يرتب كلفة مادية عالية بسبب شراء الصهاريج، حيث يترواح سعر الصهريج بين الـ20 والـ50 ألفاً، مما يشكل عبئاً إضافياً على العائلة هي بغنى عنه عندما تقوم الدولة بواجباتها في تأمين مصادر المياه وكف التعديات عليها. وهذا الأمر يسبب بنزوح حاد من البلدة صوب المدينة خصوصاً ان الزراعة هي المورد الرئيسي للسكان.

وتساءل فخري كيف ان الدولة استطاعت دحر الإرهابيين ولم تستطع الى الآن توقيف المعتدين على شبكة مياه اليمونة الرئيسية وهم معروفون بالإسم ومعروف مكان تواجدهم؟ كما تمنى «ان تستطيع بحيرة اليمونة المستحدثة لتجميع المياه بسعة حوالى 3 ملايين متر مكعب والتي تم تدشينها منذ حوالى الشهرين بحضور وزير الطاقة، ان تساهم في حل مشكلة مياه اليمونة المقطوعة قسراً منذ أكثر من أربعة أشهر».

فإلى متى ستبقى مشكلة انقطاع المياه في منطقة دير الأحمر والبقاع الشمالي القديمة تتجدد كل سنة في ظل غياب أية معالجة جذرية لهذا الموضوع؟ وإلى متى سيبقى أكثر من 40 ألف نسمة تحت رحمة المعتدين على مصادر المياه والذين لا يتجاوز عددهم الخمسة عشر وهم معروفون في المنطقة من قبل الجميع ولكنهم يتمتعون بغطاء سياسي وحزبي يمنع ملاحقتهم؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل