لو قضيتُ شهيدًا…

لو قضيتُ شهيدًا...

(رسالة الى الشهداء في ذكراهم)

 

يا رفاقي، أبناءَ الجرأة التي حوَّلت التّرابَ قدّيسين،

لست هنا في موضع رِثاء، فزمن البَكّائّين ولّى، ولستم بحاجة بعد الى دموع.

ولكن، ماذا كان بإمكاني أن أقول، لو قضى هذا “الأَنا” شهيدًا…

هذا “الأَنا”، مثلُه مثل الوجوه النقيّة المتمرّدة التي أرداها الظّلم والغَدر، عاش بريئًا وقَضى بريئًا، وهو إبن الحضارة والفَرح، الخارج من رَحِم الثقافة المُمنهجة، المُتماهي مع نظام العقلانيّة، المؤمن بسلطة الحريّة، المُبتعد في مدى الإعتدال. هذا “الأَنا” النقيّ في وطنيّته، فكرًا ومُمارسة، هو اليوم الأكثر بُؤسًا في العالم، فقَفزَة التَّنوير التي حَرَّرت مفاهيم العقل من مُعَوِّقاتها، لم تستطعْ أن تغزو عصر الظّلمات في مجتمع نَشلِ الدولة عندنا.

 

قتلوا هذا “الأَنا”، أولئك المُستهترون بالقيم والعابثون بمصائر العباد، لا ليقتلوا “الأَنا” بل ليُزهِقوا مشروعهم في الوطن. وكلّما تعرّفنا الى هذا المشروع الطَّرح، كلّما اقتربنا من تحديد هويّة القتَلة، وبالتالي لن يكون الإتّهام في هذا المَجال سياسيًا.

أمام تهالُك مفهوم السّلطة في لبنان، وأمام تَوَزُّع الولاء ولاءات، ما يُنذر بعودة الوطن الى زمن العبوديّة والتَّخَلُّف، كان لهذا “الأَنا” ، وهو المخطوف الحياة والفرح، آليّة نُهوض، من مداميكها، السيادة والحياد ونَأيُ الدولة عن النِّزاعات، ولا سيّما الإقليميّة منها، لتجنيب الوطن إحتمالات سلبيّة ناجمة عن الصراع المُسَلَّح. وهذا يعني التَّوافق على نظام قانونيّ يُبعد شبح الحرب، ويجعل الوطن واحة سلام تسعى الى التَّقدُّم. هذا الطَّرح يعني تمامًا التَّعاون لإيجاد حلول للأزمات من خلال القوانين الدّوليّة، لا بل السعي الجديّ للبحث عن مبادرات لِتَعزيز السّلام وتَخفيف التوتُّر. إنّ هذا الحياد يُحصِّن لبنان خارجيًا، وينعكس في الداخل استقرارًا يدعم التوازن ويحفظ العيش المشترك، ويمنع التدخلات والإعتداءات، ويضع حدًا لمَيل بعض الأفرقاء الى مَدّ اليد الى ما وراء حدود الوطن. كلّ ذلك في سبيل جعل المواطن يستردّ الثقة بوطنه مجالا آمنًا لتحقيق آماله، وغدًا أَفضل لأولاده.

 

ومن مداميك مشروع هذا “الأنا” أيضًا الإلتزام بالثّوابت الوطنيّة، ولا سيّما مفهوم المواطنة الذي يستند دائمًا الى مَبدَأَي الإنتماء والولاء، ما يستتبع حُكمًا التَّشَبُّث بالسيادة الوطنيّة وحريّة تقرير المَصير.  وليس بدعم هذين الإنتماء والولاء سوى سيادة الحريّة وتأمين العدالة من خلال المشاركة السياسية وتَداوُل السلطة بِوَعي، فإيصال فريق واحد الى الحكم ليس خيارًا أبديًا، بل ينبغي الإحتكام فيه الى رغبة الغالبيّة، لأنّ احترام هذه الرّغبة تجسيدٌ لمبدأ الديمقراطيّة التي هي أساسٌ لمشروع الدولة.

 

إنّ النظام الديمقراطي الذي يدافع عنه هذا “الأَنا”، هو المساحة الوحيدة التي يُمكن لمؤسسات المجتمع، أن تمارس الحقّ في تأسيس مواطن واعٍ، لا يتنازل عن مُثُلِه. وهذا ما يستدعي نقلة نوعية لجهة المستوى الذي يجب أن يتمتّع به المشتغلون بالسياسة، فلا نعود نواجه طُغاة أو عُشّاق سُلطة مُتَخَلِّفين، أو مُستأثرين شرِهين للسلطة، بل طبقة راقية تُنشئ دولة تتكلم وتعقل باسم الشعب.

 

الذين قتلوا هذا “الأَنا”، كما أولئك الأبرياء الذين ما ضَنّوا بأرواحهم ليبقى الوطن ويستمر، هم الذين أظهروا بالمُمارسة الشّنيعة عدائيَّتَهم للحياد وللديمقراطيّة السّليمة ولمشروع قيام الدولة، ولمفهوم الوطنية والسيادة. هم الذين عملوا بآمالهم المَخمورة، وبحقدهم الأَرعن، وبتعطّشهم للحكم على نَشل الدولة، لا بل قتلها، وهم الذين سَبَوا الكيان والهويّة وهزّوا صورة المؤسّسات، وزعزعوا الإستقرار، وسرقوا ونهبوا، وفرضوا نوعًا من الاستعمار الجديد بِفَرطٍ من الظّلم والنرجسيّة المشؤومة.

وبعد، لم يُقتَل هذا “الأَنا”، ولا الشهداء الأبرار، على يَد عساكر السّماء.

 

#كرمالكن

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل