“رحم الله من جعل الشهادة معيارًا للرسالة”… الأب فخري في قداس الشهداء: صلابة الحكيم مثال ناصع عن صلابة الموارنة

وجه المدبر العام في الرهبانية المارونية الأب طوني فخري تحية وفاء الى من جعلوا الشهادة معيارًا للرسالة، والاستشهاد مسيرةً شخصية، في تمييز القرار، في الوقوف دومًا في صف المقاومين الأول، حتى غدت مسيرتهم مسيرة استشهادٍ وشهادة.

وشدد فخري، في عظته خلال قداس شهداء المقاومة اللبنانية الذي أقيم في معراب، على ان رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يأتي في طليعة الشهداء، حيث استشهد يوميًا على مدى 11 سنة ونيف من السجن، “وقد أورد الكثير منها المثلث الرحمة المطران فرنسيس البيسري في كتابه “بين المطران والحكيم”.

وجاء في العظة: “يشرفني أن أنقل إليكم بركة صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي الكلي الطوبى، الذي كلفني الاحتفال بهذه الذبيحة الإلهية، في هذه المناسبة النبيلة التي تحيي فيها “القوات اللبنانية” ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية الأبرار، الذين واصلوا في سفك دمائهم الزكية مسيرةً محورها ذبيحة الرب يسوع، يوم ارتضى بذل ذاته عنا ليفتدينا من لعنة الموت، مائتًا على الصليب.

ممثل فخامة الرئيس العماد ميشال عون الجزيل الاحترام، ممثل دولة الرئيس أصحاب السيادة السامي احترامهم، حضرة الآباء والإخوة الأجلاء، أصحاب المعالي والسعادة، حضرة الدكتور سمير جعجع رئيس حزب “القوات اللبنانية” والسيدة عقيلته النائب ستريدا جعجع المحترمين، رؤساء وممثلي الفعاليات الروحية، والمدنية والسياسية والحزبية والقضائية والأمنية والإعلامية المحترمين، أهالي الشهداء الأبرار، أيها الإخوة والأخوات بالرب،

قبيل عيد ارتفاع الصليب المقدس، نجتمع اليوم لنحيي ذكرى من حملوا صليب الرب في حياتهم، علامةً للشهادة، حتى الاستشهاد.

اجتماعنا حول مذبح الرب، للصلاة من أجل شهدائنا، بدعوة من حزب “القوات اللبنانية”، يندرج في سياق قيمة الوفاء لذكراهم وقيمة الأمانة لقضيتهم. إنما الوفاء والأمانة هما دلالة على الإيمان بالله. نريد، في هذا القداس، أن نحني رأسنا أمام ربنا ونصلي من أجل شهدائنا، “كرمالن”. نسأله تعالى أن يغدق فيض المحبة عليهم، من خلال سر المحبة، سر الافخارستيا، تلك المحبة التي تؤهلهم أن يحيوا معه، في ملء الحياة، في المجد الأبدي.

لقد غابوا عنا وعن أرضنا، كل الغياب. ولكن القراءة الأولى، من سفر الرؤيا، تخبرنا عنهم، وتؤكد لنا أنهم حاضرون، كل الحضور، عند الله، وأمامنا، أمام عيون إيماننا.

هم يشربون من نهر ماء الحياة، ويتناولون من ثمر شجرة الحياة، وحيث هم، لنْ يكون ليْلٌ منْ بعْد، فلا يحْتاجون إلى نور السراج، ونور الشمْس، لأن الرب الإلـه ينير عليْهم، فيمْلكون إلى أبد الآبدين.

في قداسنا، نحن نتوجه الى شهدائنا ونقول لهم: “كرمالكن”، نحن نصلي. نقول لهم ذلك بكل خفرٍ، وبدون أي تمنين، لأننا نعرف جيدًا أن فعلنا هو نقطة في بحر ما عملوه “كرمالنا”، بدون أي تمنين. هم بذلوا نفسهم من أجلنا، وهو ربنا وإلهنا يعلمنا: “ما من حب أعظم من أن يبذل الإنسان ذاته فداءً عن أحبائه”.

نعرف جيدًا أن فعلنا هذا واجب، وفعلنا يرفعنا الى مصاف الأمانة لله ولدعوتنا في الوجود.

عندما عذب المخربون لبنان، وطرحوه جريحًا على قارعة الطريق، وعندما جرحنا جميعنا بالفعل ذاته، صرخ كل شهيد: “كرمالكن”، وقام ببطولات كبيرة، وصلت إلى الاستشهاد، بطولات ضمدت جراحنا ونقلتنا، ونقلت وطننا الحبيب لبنان، الى حياة أفضل. هذا هو مشهد انجيل اليوم، مشهد السامري الصالح المفعم بالمحبة. نعم، يا اخوتي، إن كل شهيد من شهدائنا هو السامري الصالح الذي بذل الذات عن أحبائه، ونقلهم إلى حالة أفضل، إلى حالة نعيم. إنما نحن أحباء شهدائنا.

فإن نقل لكم، يا شهداءنا الأبطال، “كرمالكن” لن نذرف الدموع، فاعذرونا، لأننا عاجزون عن ذلك، عاجزون عن التشبه بجبروت بطولتكم. أنتم تعرفون جيدا أن استشهادكم كوى قلوب الكثيرين منا، خصوصًا أهلكم واقاربكم، يوم صعقوا بخبره، أو رفاقكم، يوم شاهدوكم تسقطون أو حملوا نعشكم محبة واجلالا وتقديرا. ولم تستطع الأيام، مع كل تقلباتها، أن تدع ذكراكم جانبًا. إنكم لنا مثال عن المحبة وتجليها الجميل في الإنسان، من أجل أخيه الإنسان.

أنتم تشددوننا في مسيرتنا الحياتية، لأنكم تذكروننا بإيماننا، وبتضحية رب المحبة على الصليب. توجهون الينا كلام سفر الرؤيا لنثبت في الأمانة، وتحثوننا على أن نكون مثل السامري الصالح، مشاركين فعليا في تضميد جراح لبنان الذي ما زال ينزف بنوع آخر.

إننا ننحني إجلالاً أمام وقفتكم الثابتة في التاريخ والباقية في قلوبنا نبضًا يحيي فينا قيم مقاومة الشر والأشرار. نذكركم جميعًا أيها الشهداء، ونذكر، بشكل خاص، من كان القائد وأضحى شهيدًا قبيل تسلمه رئاسة الجمهورية، الرئيس الشهيد المرحوم الشيخ بشير الجميل.

في السياق عينه، نريد أن نحيي في وقفة وفاء من جعلوا الشهادة معيارًا للرسالة، والاستشهاد مسيرةً شخصية، في تمييز القرار، في الوقوف دومًا في صف المقاومين الأول، حتى غدت مسيرتهم مسيرة استشهادٍ وشهادة، عانقوها متهمين أبرياء، حملوا في أجسادهم علامات العذاب والظلم حتى غدوا شهداء أحياء، وفي طليعتهم القائد الحكيم سمير جعجع الذي استشهد يوميا على مدى أحد عشرة سنة ونيف من السجن، والتي يضيق بنا الوقت إن توقفنا عند كثافة اختباراتها، وقد أورد الكثير منها المثلث الرحمة المطران فرنسيس البيسري، في كتابه “بين المطران والحكيم”. في هذا الكتاب بالذات، يخبر المطران البيسري عن مدى التأثّر الذي طبع الموارنة، كنيسةً وشعبًا، من مأساة سجن الحكيم، ومدى التقدير لشهادته البطوليّة. إنّ صلابة الحكيم هي مثال ناصع عن صلابة الموارنة في جبالهم ووديانهم ومدنهم، وأينما حلّوا. هي صلابة تلك السنديانة المارونية، العتيقة، التي تقهقرت أمامها وانقهرت رياح الظالمين والطغاة، ولم تستطع أن تلويَها قيدَ أُنملة، في أحلك الأيام من تاريخِ لبنانَ القديمِ والحديث.

روحانية الصليب هي روحانية كنيستنا، ترتكز على بعدين: البعد العمودي، وهو خط العلاقة بالله، خط يربط الأرض بالسماء. والبعد الأفقي، وهو خط الكرازة بالإنجيل يربط أهل الأرض بعضهم بالبعض الآخر” كما ورد في رسالة صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي بعنوان سنة الشهادة والشهداء”. صاحب الغبطة والنيافة، بطريركنا الكلي الطوبى،  إن صوتكم هو صوت الكثيرين الذين يريدون لبنان بلدا أفضل، مزدهرًا، آمنًا، متقيًا لله، منفتحًا على الشعوب، ومحققًا دعوته “الرسالة”، رسالة العيش المشترك، المفعم بالمحبة. أنتم الصوت الصارخ، المطالب بإحقاق الحق والعدل. أطال الله بعمركم، وأنتم تقودون سفينة كنيستنا إلى بر الأمان.

إن الشهادة والاستشهاد يستمران في حياة الكنيسة وأبنائها، من مار مارون إلى مار شربل والقديسة رفقا ومار نعمةالله والطوباوي الاخ اسطفان والطوباوي ابونا يعقوب، إلى الآباء البطاركة والاساقفة والكهنة والرهبان، إلى شعبٍ طوع الصخر واعتصم في وعره، لتبقى الأرض مساحة حرية لعيش العبادة لله والمحبة للإنسان ضمن عيش مشترك حميد.

رحم الله شهداء المقاومة اللبنانية الأبرار وجميع الشهداء، وقوى الشهداء الأحياء على حمل صلبانهم باعتزاز، وزرع الرجاء في قلوب الأهل الذين قدموا للوطن قرابين نضرة ذكية عظيمة. وأعطانا جميعًا أن نكون شهود رحمته وحنوه في وطننا ومجتمعنا كالسامري الصالح، بنعمة الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس. آمين”.

#كرمالكن

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل