“المسيرة”: شيخ بشير… نُفِّذ الأمر (نجم الهاشم)

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1678:

بدأ عهد بشير الجميل في رئاسة الجمهورية قبل أن يتم انتخابه رئيسًا. منذ أعلن ترشحه للرئاسة بدأ التعاطي معه على أساس أنه صار رئيسًا، وعندما انتُخب في 23 آب 1982 تحقق الحلم وبلغت المغامرة ذروتها في الطريق إلى استعادة الجمهورية. كان بشير واثقاً من أنه سيحقق ما وعد به ومن كانوا لا يزالون مترددين ومعارضين وغير مؤمنين رأوا وآمنوا وأيدوا واعتبروا أن غير الممكن يمكن أن يصير ممكناً معه، وأن حلم الجمهورية القوية الذي نادى به هو حلم كل اللبنانيين وأنه بات في متناول اليد.

 

لم ينتظر بشير أن يستلم السلطة ويجلس في قصر بعبدا وأن يشكل حكومته الأولى وأن يجري أول انتخابات نيابية ليعلن بداية المسيرة نحو تحقيق الحلم، ذلك أنه اعتبر دائمًا أن الحلم يكون في الطليعة ومعه تبدأ الإنجازات لأن السلطة هيبة أولاً ولأن الحكم مسؤولية ثانيًا ولأن الدولة هي للجميع والسيادة لا تكون منتقصة والحرية ملك الشعب، وأن البشارة بالخلاص تبدأ قبل الولادة وأن الرئيس المخلص يصنع المعجزات ولا ينتظر حصولها، وقبل كل ذلك كان مؤمناً أن واجبه أن يجعل الناس يؤمنون بما يريده لهم حتى تكون القيامة حقيقية. وقد تحقق له ما أراد ليس عن عبث وعن خوف بل عن اقتناع بأنه الرئيس المنقذ للبنان من الحرب والعبثية والضياع والفساد، وبأنه رجل الجمهورية القوية التي تحمي الجميع وتصون كرامات الجميع.

لأن بشير الجميل كان كذلك كان هدفاً للإغتيال. من أرادوا اغتياله كانوا يريدون اغتيال الحلم والجمهورية التي يريدها أن تكون على قياس لبنان الهوية والكيان. ولذلك لم تبدأ فكرة اغتيال بشير بعد ترشحه لرئاسة الجمهورية ولا بعد انتخابه، إنما كانت موجودة في رأس المخططين منذ بدأ نجمه العسكري والسياسي يصعد على رأس «القوات اللبنانية» ومشروع التحرير الذي تحمله، لأنه كان المطلوب ألا يتحقق هذا الحلم. ولذلك جرت أكثر من محاولة لاغتيال بشير وبعد كل واحدة كان يجدد العهد على إكمال المسيرة لتبقى هذه المسيرة مستمرة وكان يدرك أهمية ما يفعله مع رفاقه من أجل أن تبقى وتستمر حتى إذا نجحت محاولات اغتياله. ألم يقل بنفسه «إذا مت وما إجا بعد مني ستين ألف بشير ستين سنة عليكم وعلى القضية».

لم تكن روح بشير وروحيته ملكه وحده. كانت ملك القضية و»القوات اللبنانية» من بعده. ولذلك لم تتوقف محاولات القضاء على هذه الروح.

في 14 أيلول 1982 بعد اغتياله قالوا انتهى…  وفي 28 كانون الأول 1985 عندما وقعوا الإتفاق الثلاثي قالوا انتهى. وفي 1990 اعتقدوا أنه انتهى. وفي 21 آذار 1994 عندما حلّوا حزب «القوات اللبنانية» قالوا انتهى. وفي 21 نيسان 1994 عندما اعتقلوا قائد «القوات» قالوا إنه انتهى، وعندما اعتقلوا شباب «القوات» ونكَّلوا بهم اعتقدوا أنه انتهى، ولكن في كل هذه المحطات شُبِّه لهم ذلك. لأن «القوات» كانت تنهض بعد كل كبوة من جديد وتتابع مسيرة بشير الجميل من جديد وتعرف أن الدرب طويل وأنه مهما طال الزمن لا بد لليل أن ينجلي وينبلج الفجر الجديد ويعود بشير الجميل مع حلمه الذي صنعه لنا حقيقة وواقعاً لتنتقل الشعلة من جيل إلى جيل ولتعلن «القوات اللبنانية» في كل استحقاق للشيخ بشير «نُفِّذ الأمر»، وأن المهمة لا تنتهي وأن الحراس لن ينعسوا وأن مشروع الجمهورية القوية سيتحقق.

قبل انتخابه رئيسًا للجمهورية كانت هناك نظريتان معروضتان عليه: أن يتسلم السلطة بانقلاب عسكري وكانت إمكانيات هذا الأمر متوافرة، أو أن يكون رئيسًا بالطريقة الشرعية والدستورية وقد اختار الثانية. وقد استطاع بفعل هذا الإختيار أن يجمع النظريتين وأن ينفذ من خلال انتخابه انقلابًا لا تزال مفاعيله ماثلة حتى اليوم.

كانت لديه جاهزية كاملة للحكم ومشاريع جاهزة لإدارة الدولة وقد سبقه مشروعه إلى قصر بعبدا. ولكن مع استشهاده لم يستشهد معه هذا المشروع. لو لم يكن حلم البشير حاضرًا في ذاكرة «القوات» لما استمرت ولما بقيت ولما كتبت الشهادة من بعده للكثير من القواتيين الذين اعتبروا أن في قلب كل واحد منهم شيء من بشير، ولذلك كان الرهان الدائم على أن هذا الحلم يجب أن يعيش وأن يتحقق وأن تتم المحافظة عليه. لو لم تكن تلك البزرة كامنة في النفوس لكانت تعبت في نيلها الأجساد. قبل استشهاد بشير كانت الشهادة قدر «القوات» وبعد استشهاده بقيت قدر «القوات». وإلا كيف يمكن أن نفسر سر استمرار «القوات» 36 عامًا منذ اغتياله على رغم كل ما تعرضت له؟

بعد 36 عاما ومن دون سلاح عادت «القوات اللبنانية» لتنتشر على مساحة لبنان. وعادت إلى قلب الدولة تحمل مشروع التغيير الحقيقي، مشروع الجمهورية القوية. عندما كان كثيرون يعتبرون أن «القوات» انتهت كانت «القوات» تبحث عن بداية جديدة وعن أسباب جديدة للنضال وعن مقاومة دائمة لمحاولات الإغتيال والإلغاء والإقصاء والتحجيم وتشويه الصورة وإنكار قدسية رسالتها وشهدائها. من ليس لديه شهداء لا يستطيع أن يفهم معنى قداسة الشهادة ولا يستطيع أن يصنع تاريخاً لنفسه. وحده من امتلك ذاك التاريخ يستطيع أن يقف في مواجهة التاريخ وأن يعلن أن القضية التي سقط من أجلها هؤلاء الشهداء ستبقى حية وستنتصر. وبقوة هؤلاء ستستمر. وعند كل استحقاق ومع كل إنجاز ستكون هناك وقفة أمام بشير الجميل وتحية وكلمتان: «نُفِّذ الأمر».

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل