“المسيرة” – محضر اللقاء مع فيليب حبيب: فرصة تاريخية لإنقاذ لبنان بقلم البطريرك صفير (23 حزيران 1982)

 

 

محضر مقابلة غبطة البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش للسيد فيليب حبيب مبعوث الرئيس رونالد ريغان في القصر الجمهوري في بعبدا يوم الأربعاء في 23 حزيران 1982 من الساعة الثانية إلا ربعًا حتى الثالة والربع، بحضور الرئيس الياس سركيس والسفير الأميركي روبرت ديلون والمطران نصرالله صفير والسفير خليل حداد والأستاذ كارلوس خوري.

يوم الثلاثاء 22 حزيران 1982، تلقى غبطته دعوة هاتفية من القصر الجمهوري لتناول طعام الغداء مع مبعوث الرئيس ريغان في القصر بحضور فخامة الرئيس سركيس والدعوة مناسبة للاجتماع بين غبطته والمبعوث.

في اليوم التالي الأربعاء 23 حزيران 1982، وفي الساعة الواحدة إلا ربعًا، توجه غبطته يرافقه نائبه المطران صفير وشماسه جان أبو جودة في سيارته الخاصة الى بعبدا، وكان يسوقها فرنسيس فهد ويرفرف عن جانبيها العلمان اللبناني والبابوي ويتقدمها درّاج وتتبعها سيارة طوارئ للحراسة، فوصلها في الساعة الواحدة وعشرين دقيقة، فيما كانت القنابل تتساقط على منطقة عاليه وسوق الغرب.

وفيما كان غبطته في المصعد، إذ بالسفير خليل حداد يقول: هذه نعمة من الله، سنخلص هذه المرة. واتجه بغبطته ومرافقه الى قاعة الاستقبال في الطابق الأول. وبعد قليل جاء فخامة الرئيس سركيس وقدمت بعض المقبلات.

ثلاثة أمور راهنة

بعد المجاملة، قال فخامة الرئيس: لقد توصلنا الى ثلاثة أمور هي: إخراج القوات السورية والإسرائيلية، ونزع سلاح الفلسطينيين وإبقاؤهم في لبنان من دون سلاح ثم بسط سيادة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية، وأخيرا إيجاد منطقة معزولة تبعد عن الحدود الإسرائيلية اللبنانية أربعين كلم تنتشر فيها قوات دولية متعددة الجنسيات، وهذا يشكل حزامًا أمنيًا لإسرائيل.

فقال غبطته على الفور: إبقاء الفلسطينيين في لبنان ولو غير مسلحين لا يكون قد حل المشكلة تمامًا لأنهم سيعودون الى التسلح كما فعلوا عام 1967. فقال فخامته: هذا ما قلناه للمبعوث فيليب حبيب، وأني أرغب في أن تقوله له غبطتكم ليعرف أن هذا رأي اللبنانيين المسيحيين على الأقل.

من هو فيليب حبيب؟

وما لبث أن جاء فيليب حبيب وبرفقته السفير الأميركي روبرت ديلون ومعهما الأستاذ كارلوس خوري. وأما مرافقه الآخر موريس درايبر، فقد قال عنه السيد حبيب إنه لا يزال يعمل وقد اعتذر عن الحضور. ودار الحديث بالعربية والفرنسية وأحياناً قليلة بالإنكلزية، وفيليب حبيب يعبّر عن فكرته باللغتين الأوليين ببعض الصعوبة، ولكنه يبدي الفكرة بوضوح، وعرّف عن نفسه بقوله إنه لبناني الأصل وهو مولود في الولايات المتحدة، والده ماروني من صيدا من آل الجاموس ووالدته كاثوليكية من ذوق مكايل، وله إبنتان إحداهما تركها في إسرائيل، وكان قد أتى بها في رحلته وفي نيتها أن تزور لبنان، ولكن عندما اندلعت الحرب أبقاها في إسرائيل لئلا يُقال إنه أتى للسياحة. وكان والده أحد وكلاء وقف كنيسة الموارنة في بروكلين. وحبيب يعرف المونسنيور اسطفان الذي كان خادم الرعية، وقال إنه بالأمس اتصل به هاتفيًا الى غوسطا. وفيليب حبيب كان يعمل في وزارة الخارجية، لكنه اعتزل العمل فيها وهو الآن يقوم بمهمة خاصة كلفه إياها الرئيس ريغان. وهو خلافاً لما يبدو عليه من خلال شاشة التلفزيون، رجل نشط، واعٍ، ذو نكتة، متنبّه لأدق الأمور لا يفوته شيء مما يُقال ولا يحجم عن السخرية عندما تدعو الحاجة إليها، وهو يعرف ما يريد ويصر عليه.

حبيب يراعي التوازن الطائفي في لبنان

بعد تبادل بعض عبارات، إلتفت حبيب الى الرئيس وقال: يجب أن أقابل سماحة مفتي الجمهورية. فقال الرئيس: هذا ما فكرت به وسأتدبر الأمر بعد أيام. وقال غبطته: لو عرفت أن في مقابلتي إياكم إزعاجًا لما أردت أن أحرجكم. فقال حبيب: لا أريد أن أفقد مصداقيتي لدى الفريق الآخر من اللبنانيين، لذلك قلت ما قلت. فقال غبطته: يبدو أنكم نفذتم الى بواطن الأمور في لبنان، ثم توجه الى غبطته قائلاً: أنا أصغي إليكم الآن ثم بعدئذ أدلي إليكم بوجهة نظري.

لبنان بريء لا يمكنه أن يتحمّل أكثر مما تحمّل

وقال غبطته: عندما قابلت الرئيس ريغان ـ ولم يتأت لي أن أراكم في واشنطن لكني رأيت شقيقة لك ـ قلت له: إن لبنان مظلوم، حمّلوه أكثر مما يستطيع أن يتحمّل. ألقوا فيه بكل ثقل الفلسطنيين والعرب تنصلوا منهم، فأصبح لبنان مركز إرهاب دولي بسبب الفلسطينيين. وقلت له إني أخاطبكم لا باسم أبناء طائفتي أو باسم فئة من اللبنانيين، بل باسم الإنسان المعذب في لبنان وأنتم تدافعون عن حقوق الإنسان، وأن ما نطلبه هو إخراج الفلسطينيين والسوريين من بلادنا لنتمكن من التفاهم في ما بيننا ونعود نبني دولة قوية تبسط سيطرتها على كل أراضيها. وإذا بقيت الحالة في لبنان على ما هي عليه، فقد تمتد الى سواه، وهذا ليس في مصلحة السلام في العالم. وتسألون لماذا صار كل هذا؟ لأن الإسرائيليين طردوا الفلسطينيين من فلسطين، ولأن هؤلاء يستخدمون الإرهاب للعودة الى فلسطين، ولبنان هو الضحية البريئة في هذا الصراع.

ولا أقول إنه ليس على اللبنانيين مسؤولية في ذلك، إن مسؤوليتهم كبيرة لأنهم عام 1943 لم يبنوا وطناً، والوطن لا يُبنى على السلبيات. وفي بدء الاستقلال بُني لبنان على لاءين إحداهما للغرب والثانية للشرق، وما لبث ذلك كله أن انهار. ومطلبنا الآن إخراج كل المحتلين من لبنان: السوريين والإسرائيليين والفلسطينيين. وأما نزع السلاح وإبقاؤهم في لبنان فلا يكفي، والبلدان العربية واسعة فيمكنها أن تأخذ منهم بنسبة مساحة أراضيها أو عدد سكانها ولا تلقي بثقلهم كله على لبنان الذي لا يمكنه أن يتحمّل أكثر مما فعل. والفرصة الآن مؤاتية، وقد لا يأتي مثلها في ما بعد. وقد تلقيت كتابًا من وزير خارجية الولايات المتحدة السيد ألكسندر هيغ يؤكد لي بأن أميركا ستعمل ما بوسعها لإنقاذ لبنان وإخراج المحتلين منه.

لماذا لا يجلس ممثلو اللبنانيين حول طاولة للتفاوض؟

وأجاب حبيب قائلاً: إن هذا ما نسعى إليه. سينسحب الإسرائيليون والسوريون وينزع سلاح الفلسطينيين. أما توزيعهم على البلدان العربية أو إخراجهم من لبنان، فهذا أمر لا يمكن تحقيقه الآن، لأن العرب لا يقبلونهم، ولكن على المدى الأبعد قد يتحقق. ثم قال بانفعال: أود أن أطرح عليكم سؤالاً وهو تُرى لماذا لا يجلس ممثلو اللبنانيين الى طاولة ليتناقشوا في إيجاد حلول لمشاكل بلادهم؟؟ لماذا انتظروا حتى اليوم حتى جمعناهم وبصعوبة؟ فقال فخامة الرئيس: لأن الاستقلال بُني على سلبيتين هما على ما أشار إليه غبطته لا للشرق ولا للغرب، وليس هناك شيء إيجابي.

وكان يُسمع دوي القصف على عاليه وسوق الغرب، وتوقف حبيب عن الكلام قليلاً وقال: كيف العمل لوقف القصف؟ وتابع قائلاً: همنا الآن إنقاذ بيروت الغربية من القصف. الأميركان لا يرغبون في أن تُقصف، ولا الإسرائيليون، ولكن إذا تمنّع الفلسطينيون عن إلقاء سلاحهم، فلا مخرج إلا بقصف بيروت. فقال غبطته: لماذا لا ينتظر الإسرائيليون قليلاً ما دام الفلسطينيون محاصرين، والمسألة مسألة أيام؟ فأجاب حبيب: ليس من مصلحة إسرائيل أن تنتظر، وهي تريد أن تُنهي الأمر بسرعة. وأضاف الرئيس قائلاً: إنهم لن يسلموا أسلحتهم، وإذا قصفت بيروت فلن يخسروا هم بل اللبنانيون، وهناك في بيروت الغربية ما لا يقل عن مائتي ألف مسيحي. وقال حبيب: الحسم أوشك أن يكون قريبًا، وهي مسألة ساعات، وسنرى غدًا مع بيغن كيف يمكن معالجة الأمر، وإني أنتظر جواب الفلسطينيين.

حول مائدة الرئيس

وانتقل الجميع الى المائدة، فجلس الرئيس وقبالته غبطته الى مائدة مستديرة والى يمين الرئيس فيليب حبيب والى يساره المطران صفير والى يمين غبطته السفير الأميركي روبرت ديلون والى يساره الأستاذ كارلوس خوري، وبين السفير الأميركي والمطران صفير السفير خليل حداد.

وتواصل الحديث تارة في جد وتارة في مزاح، وأعلن حبيب أنه في الولايات المتحدة يأكل ألوان الطعام اللبناني الذي تصلحه له شقيقته، وقد أخذت عنها بعض ذلك إحدى بناته وعدّ أنواعًا منه، وقال ممازحًا السفير الأميركي: زوجتي ذهبت ولدي ثلاثون شخصًا يجب أن أؤمن لهم الطعام.

ودعا  غبطته حبيب الى حفلة غداء يقيمها له في بكركي وللرئيس، فأجاب بالفرنسية: ليس الآن، لكن بعد عودة السلام الى لبنان. وتابع قائلاً: كنت أود أن أذهب إليكم، لكن هذا مستحيل في الوقت الحاضر. وعادت أصوات الانفجارات تُسمع بقوة، فقال حبيب: إن الولايات المتحدة يهمها ألا تُقصف بيروت وهي لها مصالحها مع العرب، ولكن ما العمل، وبدا أنه أمر يقلقه، لكنه قال: الفلسطينيون الآن يكادون يختنقون، أصبحت القبضة على عنقهم، يجب أن يقرروا.

وتشعب الحديث وتناول أمورًا عادية عن لبنان واللبنانيين، وإذا بحبيب يقول بلهجة المزاح: في هذه البلاد، وقد عنى لبنان، الناس لا يكذبون ولا يشوّهون الحقائق ولا يقولون إلا الصدق، ولا يسعون إلا الى المصلحة العامة بكل تجرّد. قالها بالفرنسية وضحك.

ونهض الجميع عن المائدة. وبعد أن تلا غبطته صلاة الشكر، انتقل الجميع الى قاعة الاستقبال لتناول القهوة، وعاد الحديث مجددًا الى قصف بيروت ووجوب توزيع الفلسطينيين ولو منزوعي السلاح، فقال حبيب: أنا من رأي غبطتكم. وعقّب الرئيس بقوله لحبيب: غبطته ضمير اللبنانيين، إنه يعبّر عن رأيهم. فقال غبطته: ما أقوله الآن أقوله أمام الجميع أيًا كانوا مسلمين ومسيحيين، وقلنا مثله للرئيس ريغان، والفرصة مؤاتية وقد لا تأتي بعد.

مكالمة هيغ

وبدا حبيب مستعجلًا لكونه يريد، على ما قال، أن يتصل هاتفيًا بوزير الخارجية الأميركية هيغ في الساعة الثالثة. وبعد قليل قال الرئيس: السيد حبيب يعتذر لأنه يريد أن يذهب، فنهضنا مودعين.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل