“المسيرة” – البطريرك صفير في الذكرى الأولى لاستشهاد بشير: “كان سراجًا منيرًا وأنتم أردتم أن تفتخروا بنوره ساعة”

الأحزان في حجم الآمال، والاستنكار في مستوى بشاعة الجريمة.

وما كان أكبر الآمال المعلّقة على فخامة الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل، عندما سطع نجمًا كبيرًا في سماء لبنان، وهي آمال زاهية مجنّحة كانت تملأ العيون التي تترقّب إطلالته والقلوب التي تشتاق رؤيته، ومن لم يرَ كيف كانت الأعناق تشرئب إليه والأيدي تمتد لمصافحته، والهتافات تنطلق من الأفواه لتعرب عن الأماني التي كانت تواكبه؟

وما أشدّ الأحزان على غيابه بعد أن هوى من عليائه شهيد طموحاته الكبيرة الى بناء وطن منيع الجانب، خفّاق الراية بين الرايات في سماء السيادة والكرامة والاستقلال.

وما أبشع الجريمة التي أودت بحياته وحياة رفاقه، وهو في مطلع العقد الرابع من عمره، فأودت بآمال شعب عملت يد التفرقة في صفوف أبنائه، فراح الشيخ بشير يعمل هو ومن معه ويناضل ويكافح طوال سنوات المحنة الثماني ليعيد الى الأرض وحدتها والى الوطن سيادته والى الشعب حريته وكرامته والى الدولة هيبتها والى المؤسسات ما يجب أن يكون لها من فاعلية.

كان صاحب أحلام، على ما قال هو عن نفسه، وصاحب أحلام كبيرة ببناء وطن يملك حق تقرير المصير باشتراك جميع أبنائه ويسمع صوته عاليًا في المحافل الدولية وينشر على الدنيا ما تراكم على أرضه من غنى حضارة عمرها ستة آلاف سنة. فانفتح على الناس أقربين وأبعدين في الوطن وخارجه، فئات وأحزابًا ودولاً، ولقي لديهم ما نشده من دعم وتقدير.

كان صاحب أحلام فلقي ما يلقاه، في كل زمان ومكان، أصحاب الأحلام أمثاله الذين يستثيرون الحسد والحفائظ. سقط في ذكرى ارتفاع الصليب المقدس، وكان شديد الإيمان بمن علّق عليه ليفتدي جميع الناس. سقط فدى لبنان، لكن أحلامه الجميلة باقية ولن تتبخر لأنها أحلام شعب يريد الحياة الكريمة، وينشد الوحدة والسيادة والسلام، وسيقيّض الله لأحلامه من يجسّدها وقائع ملموسة وحقائق راهنة تبقى على الدهر، ولن تقوى يد الإجرام مهما اشتدت قبضتها على تحطيمها وإبادتها.

وإنّا نتقدم باسم صاحب الغبطة مار أنطونيوس بطرس خريش الكلي الطوبى الذي شرّفنا بتكليفه إيانا إلقاء هذه الكلمة باسمه والذي يبكي الفقيد الكبير ويبكي معه مصير لبنان إن لم يقتنع جميع أبنائه برغم ما أصابهم من ويلات بأن العنف لن يحلّ أية مشكلة فيه، لا بل ما كان إلا ليزيد المشاكل تعقيدًا. ونتقدم باسم أصحاب الغبطة والسيادة والآباء الأجلاء وهذه الحشود الكريمة من فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ الياس سركيس وأركان الدولة وقرينة الفقيد الكبير وطفليه ووالده معالي الشيخ بيار الجميل وقرينته وابنه الشيخ أمين وبناته وآل الجميل الكرام وحزب الكتائب اللبنانية، وجميع اللبنانيين بالتعزية الخالصة سائلين الله أن يسكن الفقيد في جوار الخالدين من الشهداء الذين يرقدون في تربة لبنان، وأن يتولى هذا الوطن والمسؤولين عن مقدّراته وجميع أبنائه بحفظه وبركاته.

بكفيا، في 15 ـ 9 ـ 1982

في ذكرى ارتفاع الصليب المقدس، وفي الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد المرحوم الرئيس الشيخ بشير الجميل، وفي هذه الكنيسة الجديدة المشيّدة على اسم سيدة لبنان والتي تقام بها أولى الاحتفالات الدينية، وفي حضرة صاحب النيافة والغبطة أبينا السيد البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الكلي الطوبى وسيادة ممثل قداسة الحبر الأعظم، وأصحاب السيادة السامي احترامهم والآباء المحترمين وأصحاب المعالي والسعادة وهذه الحشود من المؤمنين، يجدر بنا أن نقف وقفة الإيمان والتأمل والصلاة لنسأل الله، بشفاعة أمه البتول، أن يضع حدًا لجلجلة لبنان وأن ينزله عن صليب الآلام المعلّق عليه منذ تسع سنوات، وأن يمطر غيث الرحمة روح رئيس له شهيد شاب نجتمع اليوم على ذكراه. وقد كان من كانه يوحنا المعمدان الذي قال فيه السيد المسيح: «كان ذاك سراجًا منيرًا، وأنتم أردتم أن تفتخروا بنوره ساعة».

أجل كان المرحوم الرئيس الشيخ بشير الجميل سراجًا منيرًا بإيمانه بوطنه ودفاعه عنه واستشهاده في سبيله. وأراد لبنان أن يفتخر بنوره واحدًا وعشرين يومًا، وما لبث أن انطفأ وبقيت الذكرى مشتعلة في الخواطر والضمائر وفي جوانب التاريخ.

1- آمن بوطنه

وآمن به وطن الأديان والقيم والحريات على أنواعها. ولكنها حريات تنتهي جميعًا حيث تبتدئ حريات الآخرين. أما قال في آخر خطاب له ألقاه في مثل هذا اليوم في دير الصليب، فكان بمثابة وصيته الأخيرة، «لا نريد لبنان وطناً قوميًا مسيحيًا، بل وطناً للمسيحيين، ولسوانا إذا أرادوا، ولكننا نريده، على وجه التأكيد، وطناً لنا». وأيّد هذا الخيار بقوله: «علينا أن ندافع عنه لنعيد بناء كنائسنا متى وكفيما شئنا. نريد أن نكون حاضرين في هذا الشرق لندقّ أجراسنا ساعة نشاء في الأفراح والأتراح»، وأراد بناء الكنائس ودقّ الأجراس تعبيرًا خارجيًا عن معتقد باطني راسخ تجب الشهادة له، أيًا يكن الثمن. ولذلك أضاف: «نريد أن نشهد لمسيحيتنا. لقد دفعنا دمنا ثمن إيماننا، لا بل إنّا ندفع الثمن عن مسيحيي العالم». وأراد لبنان وطناً لجميع أبنائه على السواء لكل منهم ما لأخيه من حقوق وعليه ما عليه من واجبات. وهذا ما عبّر عنه بقوله في هذا الخطاب عينه: «لبنان يجب أن يكون لجميع أبنائه وطوائفه ومعتقداته. لكن يجب أن يكون للجماعة المسيحية في الشرق واحة أمان وطمأنينة». وتابع يقول: «لسنا بمستعدين لنرحل الى الولايات المتحدة أو أوروبا، ولا لنركع ولا لنخسر. نريد أن نعيش مرفوعي الرأس. وهذه هي مسؤولية الدولة التي يجب أن تكون هي ومؤسساتها لا مسيحية ولا إسلامية». وختم بالقول: «إننا أبناء الكنيسة مخلصون».

2- ودافع عنه

لقد أوتي من عراقة المحتد وبسطة الجاه وأسباب الرخاء والمنزلة الاجتماعية ما كان يغنيه عن تحميل نفسه ما حمّلها في سبيل وطنه من مشقات. لقد حمل قضية لبنان بين جوانحه ويديه، وأخذ على عاتقه الدفاع عنها بشتى الوسائل وفي مختلف المحافل. فارتضى القيام بمسؤولية تنظيم المقاومة العسكرية فألّب الشبان حوله ودرّبهم على القتال ونفخ في صدورهم روح الحماس لما دان به من مبادئ وطنية وقيم روحية فاندفعوا وراءه على طريق شائك محفوف بالمخاطر شقه لهم وما تراجعوا حتى التضحية بالنفس على مذبح الوطن. وسقط منهم، على ما أكد هو غير مرة، خمسة آلاف شهيد. وما تعوّد أن يكلّف أحدًا منهم فوق ما يكلّف نفسه من مشقات. فكان على رأسهم في كل مكان: في الأودية والجبال يفترش الأرض ويلتحف السماء، في الحرّ والقرّ، في الليل والنهار بحيث كان بإمكانه أن يردد مع بولس الرسول: «كنت في خطر في الأسفار وفي خطر في المدن وفي خطر في القفر وفي خطر في البحر وفي خطر من الأخوة الكذبة». وكان على الأخص في خطر على خط النار يتلقى الحمم والشظايا حتى غدا رمز المقاومة اللبنانية المسلحة، فأطلقوا عليه لقب «القائد». وكانه بما أبداه من جرأة جنان وقوة شكيمة ونفاذ بصيرة وقوة استيعاب وطاقة تحمّل وسرعة في اتخاذ القرار وتنفيذه. وغايته من جهاده، على ما قال: «أن نكون أسياد الأرض والقرار وأن نعيش في نظام ديمقراطي حرّ».

3- واستشهد في سبيله

قيل، والقول يبدو صحيحًا: «إن كلاً منا يحمل في جسده نوع ميتته». وكان المرحوم الرئيس الشيخ بشير الجميل يحمل في جسده نوع ميتته. فكّر وخطّط، ناضل وكافح، خطب وحاضر، ناقش وحاور، وكان للكلمة على لسانه سحرها ولها في نبرة صوته عصف الريح. واتخاذ مواقف أملاها عليه حلمه الكبير بإنشاء وطن مثالي بين الأوطان. أما أعلن في خطابه ـ الوصية: «إنه مطلوب من كل لبناني أن يقاوم كل أجنبي وكل محتل وكل معتد لأن لبنان الذي نريد هو وطن الحرية والحضارة؟». أما قال أيضًا في المناسبة عينها: «لا نريد أن نعيش في رعاية أحد. لقد دافع عنا شهداؤنا وعن حريتنا وعن وجودنا في هذا الشرق؟». أما انتقد انتقادًا لاذعًا من «بنوا مزرعة، منذ أربعين سنة، على حد قوله، ولم يبنوا لنا وطناً؟». وجلد فساد الإدارة وجزم بتطبيق قاعدة العقاب والثواب وحلم ببناء جيش يضاهي جيش فخر الدين يقتحم دونما استئذان ويُرهب ولا يَرهب. وأعلن عن نهجه في الحكم ونهجه: «أن يبحث الآخرون عما نريد لا أن نظلّ نبحث نحن عما يريده الآخرون… وأن نقول الحقيقة لأي كان، لأن الحقيقة وحدها تتيح لنا أن نتابع المسيرة ونعيش مرفوعي الرأس». ومن لا يرى في هذا القول صدى إنجيليًا لما قال السيد المسيح: «تعرفون الحق والحق يحرّركم؟».

وقال الحقيقة لنفسه قبل أن يقولها للناس، واعترف بما كان في أثناء المسيرة من أخطاء رجع عنها ـ والرجوع عن الخطأ فضيلة ـ وأسف لها شديد الأسف وحاول إصلاحها والتكفير عنها بمدّه يده الى الجميع دونما استثناء يقيناً منه أن لبنان لن يقوم ويبقى إلا بتعاون جميع فئاته تعاوناً مخلصًا بروح من الاحترام والمحبة المتبادلة. وهذه الصراحة المقرونة بالعفوية وبما يميّز الرجال الرجال من مزايا وصفات هي ما أكسبه هذه الهالة من الإعجاب والإكبار ولكنها هي، في الوقت عينه، ما أثار عليه حفائظ الأشرار وما نكب البلاد برئيسها الشاب، ذي الأربع والثلاثين من السنين. وانطفأ السراج المنير الذي افتخرت بنوره مدى واحد وعشرين يومًا…

وإنّا، إذ نتقدم باسم صاحب النيافة والغبطة وأصحاب السيادة وهذه الحشود الكريمة، مجددًا بالتعازي القلبية من شقيق الراحل الكبير، فخامة الرئيس الشيخ أمين الجميل وأرملته وطفليه ووالده معالي الشيخ بيار ووالدته الفاضلة وشقيقاته ومشايخ آل الجميل الكرام والشعب اللبناني بأسره، نسأل الله، بشفاعة أمه البتول، أن يطيّب ثرى الرئيس القائد الشيخ بشير بندى الرحمة ويزيل الغمة عن صدر لبنان ويعيد إليه المحبة والأمان والسلام.

 

كنيسة سيدة لبنان، حريصا 14 ـ 9 ـ 1983)

(أرجئ الاحتفال فلم تلقَ)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل