“المسيرة” – بشير والولايات المتحدة رسالة ريغان ورد “القوات”: سحب الجيش السوري من لبنان (1)

“المسيرة” – بشير والولايات المتحدة رسالة ريغان ورد “القوات”: سحب الجيش السوري من لبنان (1)

 

كان من الطبيعي أن يهتم بشير والفريق المحيط به بإقامة علاقة مباشرة ومتينة مع الدولة الأميركية، زعيمة العالم الحر كما كانت تُسمّى في تلك الفترة. وكنا مقتنعين في حينه أنه لا بد من مثل هذه العلاقة لشرح وجهة نظرنا وهواجسنا وتأمين أفضل فهم لها في زمن الحرب الباردة الدائرة بين الجبّارين السوفياتي والأميركي، وفي ظل الدعم الهائل الذي كان يوفره الاتحاد السوفياتي للفلسطينيين وسوريا والتنظيمات اليسارية في لبنان، وحاجتنا بالتالي الى تأمين دعم دولي موازٍ لقضيتنا.

لهذا اهتم بشير كثيرًا بإنشاء مكتب تمثيلي لـ«القوات اللبنانية» في واشنطن، بإدارة ألفرد ماضي، وتأمين كل ما يلزم له من مقوّمات لكي ينجح في مهمته، وفي الوقت نفسه، حاول، ولكن من دون نجاح كبير، إرساء علاقة مع السفارة الأميركية في لبنان.

تمكن قائد «القوات اللبنانية» في نهاية المطاف من إرساء العلاقات التي يصبو إليها مع الإدارة الأميركية، ولكن بعد جهد جهيد. ونجح في الانتقال بنظر الأميركيين ـ كما في نظر الكثير من اللبنانيين ـ من مجرد قائد عسكري لتنظيم مسلح لبناني متقاتل مع سائر التنظيمات اللبنانية، الى زعيم سياسي شديد التأثير على مجريات الأحداث السياسية والعسكرية في لبنان. غير أن ذلك لم يتحقق في ليلة وضحاها بل مرّ بحقبات متعددة تخللها العديد من المناورات والمساعي.

بعد التحاق بشير بمكتب الأستاذ ألبير لحام للمحاماة في بيروت لمدة سنتين (1971 ـ 1972)، بعد تخرّجه من كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية، سافر سنة 1972 الى الولايات المتحدة والتحق بجامعة South Western Methodist في دالاس للتخصص في القانون الدولي. غير أنه لم يستسغ الجو الأكاديمي الصرف في هذه الجامعة، وهو الذي انغمس في السياسة منذ نشأته في كنف والده، ونشط على الصعيد الطلابي الصاخب، فقفل راجعًا الى لبنان.

مع بدء الحرب اللبنانية، قرر كما أشرنا أعلاه تحقيق التواصل مع الإدارة الأميركية. وقد ساهمت اجتماعاته المتواصلة مع شارل مالك، وبعدها مع بوب بايزل رئيس الرابطة الاميركية ـ اللبنانية (ALL) في تعزيز فهمه لطريقة تفكير الأميركيين وسير الأمور في دوائر القرار في واشنطن. وقد قام بشير بأربع زيارات للولايات المتحدة: الأولى من 18 تشرين الثاني لغاية 10 كانون الأول 1977. والثانية من 24 أيلول لغاية 7 تشرين الأول 1978، والثالثة في ربيع العام 1979، والرابعة من 3 تموز لغاية 15 آب 1981، وهي الزيارة التي فتحت أمامه جميع الطرق التي كانت مقفلة في وجهه في السابق.

جرى الإعداد جيدا لهذه الزيارة وعلى مراحل في لبنان وفي العاصمة الأميركية، وقد ساهم في إنجاحها تضافر جهود العديدين وتلاقيها عند الفكرة القائلة بأن بشير الجميل هو الشخصية المحورية في الحياة السياسية اللبنانية القادرة على الإيفاء بالتزاماتها وتعهداتها، وعلى صوغ مشروع وطني جامع من شأنه أن يضع حدًا للأزمة اللبنانية الممتدة فصولاً وحروبًا منذ العام 1975.

بدأت المساعي مع قيام جوني عبده بجمع بشير بالسفير الأميركي في لبنان جون غونتردين وباجتماع آخر مع السفير الأميركي الذي تلا الأخير في بيروت روبرت ديلون، طالبًا منهما تحضير اجتماعات مع كبار المسؤولين الأميركيين ومع نائب الرئيس الأميركي جورج بوش أو مع وزير الخارجية ألكسندر هيغ إذا أمكن. وعد السفير ديلون من جهته بمحاولة تأمين اجتماع مع هيغ ومع وليم كايسي عن CIA

بشير والرئيس ريغان

فجأة، تبدّل كل المشهد، وأخذت ثمرة الجهود تظهر في شكل مطرد. ففي 9 آذار 1981، إستلم بشير رسالة من الرئيس رونالد ريغان موجهة إليه بالإسم على الشكل الآتي:

To Mr. Bachir Gemayel Commandor in Chief of the Lebanese Forces.

السيد بشير الجميل ـ قائد القوات اللبنانية.

جُنّ جنون بشير لاستلامه هذه الرسالة التي بموجبها تعترف الولايات المتحدة للمرة الأولى رسميًا برئاسة بشير الجميل لمؤسسة «القوات اللبنانية» التي كانت في نظرها سابقاً مجموعة مسلحة من الميليشيات الكتائبية. طلب مني بشير على الفور جمع الدائرة الأميركية (American Desk) برئاسة الدكتور شارل مالك والأعضاء: إيلي سالم، عبدالله أبو حبيب، ألفرد ماضي، فؤاد حداد، للرد على الرسالة المهمة. إجتمع الأعضاء في منزلي  وعملوا لمدة ساعتين لتحضير ردّ يتضمن جميع الأفكار التي تعبّر عن وجهة نظرنا وتشرح قضيتنا ولا تتعدى الصفحة ونصف الصفحة التي جاءت فيها رسالة الرئيس الأميركي. وبعد ساعتين من المداولات لم يقتنع الدكتور مالك ولا الحاضرون بالمسودة التي أعددناها، فقد كنا نريد أن تكون رسالتنا الجوابية على مستوى عالٍ من البلاغة لكي تترك الانطباع الذي نريده لدى الإدارة الأميركية.

فما كان مني إلا أن اقترحت على بشير استدعاء صديق لي هو الدكتور سيسيل حوراني العلاّمة في اللغة الإنكليزية والذي خدم الرئيس الحبيب بورقيبة كمستشار لمدة 25 سنة في تونس. وكان البروفسور حوراني مقرّبًا من الدكتور مالك يساعده في بعض الأحيان على صياغة خطاباته عندما ترأس الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وكانت تربطني بالبروفسور حوراني صداقة حميمة أسسها لنا إبن أخته الدكتور رجا خوري عميد كلية الطب في الجامعة الأميركية آنذاك، ووالد فضلو خوري رئيس الجامعة الأميركية المنتخب حديثاً.

كان البرفسور حوراني يقطن في المنطقة الغربية قرب منطقة البطريركية، لكن ذلك لم يمنع بشير من تأمين انتقال آمن له، فوصل الى منزلي في الساعة الحادية عشرة ليلا. وعند دخوله صرخ شارل مالك قائلاً: «أهلاً بمعلمنا». أخذ حوراني ورقة وصاغ الرد بنفس المعنى الذي تمادت في وصفه الجماعة، لكن باقتضاب، أي بصفحة ونصف، مما أعجب الجميع وحمل بشير على التقرّب منه وتعيينه مستشارًا له. وقد خدمه سيسيل في علاقاته مع مصر والعراق وإسرائيل ودول أخرى. وقد نشر نص رسالة ريغان بين الصفحتين 76 و79 من الجزء الثاني من كتاب سيسيل حوراني وعنوانه: «An Unfinished Odyssey» (رحلة غير مكتملة).

وأهم ما جاء في رسالة ريغان:

الولايات المتحدة تدعم الاستقلال والسيادة وسلامة الأراضي والوحدة الوطنية للبنان، وهي ظلت ولا تزال معارضة للتقسيم.

تدعم الولايات المتحدة الحكومة الشرعية والدستورية المركزية ومؤسسات لبنان الوطنية. من المهم الحفاظ على الشرعية.

تقرّ الولايات المتحدة بأن هناك مؤيدين لهيكلية حكومية ودستورية معترف بها.

ليس لدى الولايات المتحدة أي رؤى حول تغييرات خاصة، ويعود للبنانيين التقرير، لكن مثل هذه التغييرات في نظرها يجب أن تتم عبر وسائل سياسية سلمية.

قد ترحّب الولايات المتحدة بحرارة بتطوير إجماعي سياسي حول شكل لبنان الجديد، يعكس رؤى جميع المجموعات العديدة اللبنانية.

تقلق الولايات المتحدة بشدة بالنسبة الى سلامة وأمن وخير الطوائف اللبنانية المسيحية.

تعتبر الولايات المتحدة أن المجموعة الفلسطينية الكبيرة في لبنان تشكل مشكلة للبنانيين، وهي تؤمن بالتصدي للمشكلة الفلسطينية بما في ذلك البعد اللبناني، على رغم سلام عربي ـ إسرائيلي شامل.

تعلن الولايات المتحدة بأنه يجب أن لا يضر أي قرار شامل للمشكلة الفلسطينية بمصالح لبنان الوطنية.

تستهجن الولايات المتحدة العنف في لبنان حيثما يجري.

تعارض الولايات المتحدة اللجوء الى الإرهاب، كما تعارض بقوة الجهود الهادفة الى الاعتداء على إسرائيل من الأراضي اللبنانية. هذا ينشئ دورة من العنف اللامتناهي تقريبا يُضاف الى معاناة الشعب البريء في إسرائيل ولبنان على السواء.

تدعم الولايات المتحدة انسحابًا، على مراحل، للقوات السورية مما يؤدي الى إنهاء تام لأي وجود عسكري سوري في لبنان. هذا يقتضي أن يُستكمل عبر مراقبة موسّعة ثابتة ومستمرة لجيش وشرطة الحكومة اللبنانية في مناطق التوتر التي يراقبها الآن السوريون.

يجب أن تجري انسحابات السوريين بطرق لا تؤدي الى صراع مدني متجدد أو حرب كبرى بين مختلف الميليشيات ومجموعات الفدائيين الفلسطينيين.

نأمل من «القوات اللبنانية» أن تمارس التحفظ والصبر، حتى في مواجهة التحريضات والتحديات التي قد تأتي من السوريين والمجموعات الفلسطينية.

إننا نشجع أي جهود للحوار بين القيادة المسيحية والطوائف الإسلامية والدرزية في لبنان.

نعتقد أن «القوات اللبناية» والمنظمات المسيحية الأخرى هي في وضع يؤثر على مجرى مستقبل التاريخ اللبناني، ونأمل أن تتابع أهدافها عبر طرق سياسية سلمية، وأن تتعاون عوضًا عن التحدي مع الحكومة المركزية والجيش الوطني.

بعد نشره رسالة ريغان، استطرد الدكتور حوراني في كتابه قائلاً:

لقد أثارتني ظاهرة بشير في بعض الوقت. شاب يتجرأ على تحدي الوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان. كيف كانت أهدافه واستراتيجياته؟ أتابعة لسعد حداد في الجنوب؟ وماذا كانت أو يمكن أن تكون العلاقة بين الرجلين؟ كانت أسئلة أملت الحصول على إجابات عنها. لم يخب ظني بالاجتماع. فقد وجدت بشير صريحًا، قويًا، وطبعًا ساحرًا للجماهير (كاريزماتيك). لقد تفهمت باهتمام اعتقاده بأن الوقت مناسبة لمحاولة استخدام الدعم الأميركي لحملته من أجل تحرير لبنان من قبضة السوريين.

لقد طلب صياغة رسالة للإجابة على الرسالة الأميركية بهذا الخصوص. كان حزب «القوات اللبنانية» يمثّل لسنوات عديدة، وبصورة غير منصفة، في نظر وسائل الإعلام الدولية منظمة مسيحية فاشية. وكان مصطلح «الجناح اليميني» يُستخدم عادة من قبل بعض الصحافيين وخبراء الشرق الأوسط لتمييزه عن مزيج الاشتراكيين والراديكاليين ومجموعات المقاومة الفلسطينية ومؤيديهم الأجانب، الذين رغبوا في أن يسمّوا أنفسهم «قوميين». كانت تسمية «الجناح اليميني» لاصقة أيضًا بالسياسيين والمثقفين المسيحيين الذين ألّفوا «الجبهة اللبنانية» والذين دعموا الجهود التي بدأت عام 1975 لمقاومة ما لحظوه من محاولة فلسطينية للسيطرة على لبنان كقاعدة لانطلاق عمليات يقومون بها ضد إسرائيل بعد أن فقدوا قاعدتهم في الأردن عام 1970. فيما اتهمت «الحركة الوطنية» تكرارًا أعضاء المقاومة اللبنانية بسعيهم الى تقسيم لبنان الى مربعات طائفية واعتمادهم على إسرائيل لتحقيق هدفهم.

يتبع

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل