“المسيرة” – ترشيح بشير الجميل… القمة أصبحت في متناول اليد.. من كتاب “مذكرات الأباتي بولس نعمان”

 

“المسيرة” – ترشيح بشير الجميل… القمة أصبحت في متناول اليد.. من كتاب “مذكرات الأباتي بولس نعمان”

في هذا الوقت، كنا ندرس الوسائل ونحضّر الخطوات، بكلّ سرّية، لجعل ترشيح قائد القوات اللبنانية لرئاسة الجمهورية أمرا سهلا وطبيعيا، من خلال إقناع أركان الجبهة اللبنانية، الواحد تلو الآخر، بترشيحه قبل عرض الموضوع في أحد اجتماعاتها واتخاذ قرار جماعي بإعلانه مرشّح الجبهة. غير ان الأمور قد تسارعت في شكل غير منتظر، إذ خلال اجتماع مخصّص للبحث في زيارة السفير «فيليب حبيب» للبنان وفي الاستحقاق الرئاسي وقضيّة قيادة الدرك وأمور عادية أخرى، فاجأنا الشيخ «بيار» بالقول، بعد مقدمات طويلة: «أيها الإخوان، يشرّفني أن أرشح فخامة الرئيس «كميل شمعون» للانتخابات الرئاسية المقبلة»، وسط ذهول أعضاء الجبهة وانتظارهم أن يردّ الرئيس الأسبق للجمهورية التحيّة بمثلها ويرشّح بدوره الشيخ «بيار»، الطامح أيضا، منذ أكثر من عشرين سنة، الى الرئاسة الأولى. غير أن رئيس الجبهة اكتفى بقبول الترشيح شاكرا.

ازدادت حراجة الموقف ونظر إليّ الحاضرون، وبنوع خاص الدكتور شارل مالك والنائب إدوار حنين والدكتور فؤاد افرام البستاني، فهم كانوا يعلمون أني مثلهم أفضّل ترشيح بشير لرئاسة الجمهورية، فوجدت أن من واجبي أن أتدخل وأوضح بعض الحقائق، لا سيما أن بشير الذي كان يجلس قبالتي، أطرق عابسا. وقطعت الصمت الثقيل بالقول بلهجة حاسمة ونغمة محبّة تعكس الاحترام الكبير الذي كنت أكنّه لشخص الرئيس شمعون: «من دون شكّ، إن الرئيس شمعون هو الأكفأ والأفضل، ولديه من الخبرة والحنكة والشجاعة ما يجعله يقوى على كل الصعوبات. ولكن من الخطأ أن ندخل الى معركة الانتخابات الرئاسية منقسمين، ونحن لم نشف بعد من النزاع في ما بيننا. لدينا الآن الشيخ بشير، ابن المعاناة المارونية، وهو الوحيد القادر على حلّ الأزمة من خلال إرساء حكم مسيحي قوي، وكما أن الآخرين يواجهوننا اليوم بقوة موحّدة، يجب أن نواجههم بقوّة موحّدة، فإما أن يتنازل الشيخ بشير عن قيادة القوات اللبنانية للرئيس شمعون وإما أن نختار الشيخ بشير لرئاسة الجمهورية».

ثم نظرت إلى الرئيس شمعون و الشيخ بيار، وأضفت: «صدقوني، لا أحد يستطيع الوصول الى الرئاسة من دون المواجهة مع الشيخ بشير. في المقابل، عليه إذا شعر بأن حظوظه ضئيلة وأن الرئيس شمعون بالتالي أوفر حظا، أن يحيد من الدرب، ولكن القرار يعود اليه وحده. لذلك أقترح على الجبهة اللبنانية أن تختار الشيخ بشير الجميل مرشحا لها للانتخابات الرئاسية».

كان لكلامي وقع الصاعقة على الجميع، وبخاصة الرئيس شمعون الذي كان يتفرّس في وجهي من فوق نظّاراته ذات الزجاجتين السميكتين، قبل أن يمسك بقبّعته ويضعها على رأسه، ويحركها يمينا وشمالا، بما يعكس أنزعاجه، وهو يقول: «ما بال الأبّاتي اليوم، ما باله لا يفهم علينا». ثم أردف مضيفا: «لنتكلم بالموضوع في الاجتماع المقبل». ورفع الجلسة، وانفرط عقد المجتميعن وهم يتساءلون عن المنحى الذي سوف تأخذه الأحداث.

غير ان بشيرا الذي كان جالسا قبالتي وبقرب الرئيس شمعون، من غير أن ينبس ببنت شفة، أدرك أن عليه التحرّك سريعا. وفي اليوم نفسه، اتصل بالمسؤول في حزب الوطنيين الأحرار، المحامي شارل غسطين، طالبا منه ترتيب موعد عاجل له مع رئيس الحزب. وبالفعل تمّ اللقاء في اليوم التالي. وخرج القائد الشابّ منه، مزودا ببركة بطريركنا السياسي الذي عرف مرّة جديدة كيف يتفادى الأسوأ، ويقدّم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وارتحنا مذّاك، الى مسألة توحيد رأي القيادات المسيحية، حول ترشيح بشير الجميل باسم الجبهة اللبنانية، باعتبار ان والده وحزب الكتائب سوف يكونان أكثر من مسرورين بخروج النمر الكبير من حلبة السباق الى القصر الجمهوري».

لم يرق ما قلته في اجتماع الجبهة اللبنانية للنائب أمين الجميل الذي قام، بعد أيام، بزيارة الى الأبّاتي بطرس قزّي والأب يوحنا تابت، في جامعة «الكسليك»، وأعرب عن استيائه من الدور الذي قمت به على مستوى ترشيح شقيقه بشير، معتبرا أنّي تجاوزته عمدا، على رغم كونه الابن البكر، وبالتالي الأحق في الحصول على دعم الجبهة اللبنانية للترشّح للانتخابات الرئاسية. وفي معرض شكواه، لفت إلى أنّي بسلوكي هذا أسيء إلى مصلحة الرهبانية وأضرّ بالمصلحة المسيحية العامّة. وعندما تبلّغت من الإخوة في «الكسليك»، عزمت على أن أوضح له بأن تصرّفي لم يكن موجّها ضدّه، بل منطلقا من المصلحة المسيحية العامة بالذات. اجتمعت، بعد أيام، بـ أمين الجميل، برفقة الأبّاتي قزي والأب تابت، في مركز الدراسات المسمّى «بيت المستقبل»، في محلّة «النقاش»، وقلت له إن لا ذنب لي إذا كان والده بيار قد عيّن شقيقه بشير قائدا عامّا لكلّ القوات اللبنانية، فيما ارتضى هو أن يكون مسؤولاً في منطقة محدودة هي قضاء المتن، وشرحت له أن شقيقه تبنّى دائما المواقف التي تعبّر عن تطلّعات المسيحيين، وتمكّن في السنوات القليلة السابقة من اجتذاب الرأي العام، وفرض نفسه كرقم صعب لا يمكن تجاوزه على الإطلاق، وأن كلّ محاولة في هذا الاتجاه سوف تؤدي إلى صدام، جميعنا في غنى عنه. ودعوته إلى أن يتعاطى مع المسألة بإيجابية ويعمل ما في وسعه لمساعدة بشير الذي سوف يكون في المستقبل، «ربما بعد ستّ سنوات»، ملزما بدعمه للوصول بدوره الى رئاسة الجمهورية. وفي الواقع، أشعرني نائب «المتن»، يومذاك، أنه تفهّم موقفي واقتنع بالحجج التي قدّمتها له. وانتهى اللقاء بجوّ ودّي وبتأكيد على العمل في اتجاه واحد.

تابعت، في مطلع حزيران، الاتصال بالقوى السياسة التي كانت تربطني بها علاقات متينة، وفي مقدّمها الوزير ميشال إدّه ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. في اللقاء مع الأول، كان الحديث في كيفيّة دعم وصول بشير الجميل إلى الرئاسة الأولى، إذا ما بدا أنّ حظوظه أكبر من حظوظ الوزير إدّه الذي كان أيضا مرشّحا رئاسيا جدّيا، أمّا الحديث مع جنبلاط، فكان لطمأنته إلى أن انتخاب قائد القوات اللبنانية لن يضرّ به، ولإقناعه بإبداء مرونة أو عدم معارضة شديدة لانتخابه.

الثالث من حزيران، أقمت في جامعة الروح القدس غداء على شرف السفير الفرنسي بول مارك هنري ومعاونيه. وكنت أرغب، من خلال هذا اللقاء، في إحياء العلاقة الخاصة جدا التي كانت قائمة بيننا وبين السفارة الفرنسية، أيام سلفه الصديق الشهيد لوي دولامار. وبعد جولة على أقسام الجامعة، التقينا إلى المائدة، حيث رفعت نخبه وتبادلنا الكلمات…

مساء اليوم نفسه، وقعت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف. واستفقنا، في صبيحة الرابع من حزيران، على أخبار الحشود العسكرية على حدود لبنان الجنوبية والقصف العنيف. وبلغنا من قيادة القوات اللبنانية أن من المرجّح أن تكون عمليّة الاجتياح الإسرائيلية التي سمعنا بها، قبل أشهر، قد بدأت، وأن مداها قد يصل الى بيروت وربّما إلى أبعد من العاصمة، لأن المطلوب اقتلاع منظّمة التحرير الفلسطينية من التربة اللبنانية وإنهاء دورها في شكل تام. وهذا ما كان يعني، بالنسبة إلينا، طيّ صفحة أليمة من تاريخ لبنان وبدء صفحة مفعمة بالأمل.

أما الأمل فكان بالتأكيد، نابعا من شعورنا بأنّ ما كان يبدو للكثيرين بأنه حلم وبالنسبة إلينا مشروع، أي إيصال بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية، أصبح أمرا واقعا، ينتظر تدابير ملموسة، معروفة، جرى تحضيرها بدقّة متناهية من فريق عمل بشير الجميل، وفي طليعته الصديق زاهي البستاني. وبقى أن نتضافر ونتابع عملنا، بكل جدّية، من أجل إنجاز الخطة المرسومة لتأمين نصاب جلسة الانتخاب الرئاسي في مجلس النواب. القمّة أصبحت في متناول اليد، على قاب قوسين أو أدنى.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل