“المسيرة”- بشير والولايات المتحدة… رسالة ريغان ورد “القوات”: سحب الجيش السوري من لبنان (2)

بشير والولايات المتحدة… رسالة ريغان ورد “القوات”: سحب الجيش السوري من لبنان (2)

كان من الطبيعي أن يهتم بشير والفريق المحيط به بإقامة علاقة مباشرة ومتينة مع الدولة الأميركية، زعيمة العالم الحر كما كانت تُسمّى في تلك الفترة. وكنا مقتنعين في حينه أنه لا بد من مثل هذه العلاقة لشرح وجهة نظرنا وهواجسنا وتأمين أفضل فهم لها في زمن الحرب الباردة الدائرة بين الجبّارين السوفياتي والأميركي، وفي ظل الدعم الهائل الذي كان يوفره الاتحاد السوفياتي للفلسطينيين وسوريا والتنظيمات اليسارية في لبنان، وحاجتنا بالتالي الى تأمين دعم دولي موازٍ لقضيتنا.

على رغم كتابة الرسالة بلغة غامضة نموذجية لدواوينية واشنطن، استطعت قراءة فيها بعضًا من هذه الأفكار الخاطئة لواقع الصراع في لبنان. كنت مدركاً مسبقاً أنه بين المقاومة اللبنانية لتسلّل الفلسطينيين والنضال المسلّح الفلسطيني ضد إسرائيل، هناك تفاوت ملائم للقضية الفلسطينية يطغى ليس فقط على معظم الصحافيين الأجانب المتمركزين في بيروت، بل أيضًا على بعض الدبلوماسيين والمسؤولين الرسميين الأميركيين في واشنطن. في الكتاب الذي طلب مني بشير صياغته للرد على الرسالة السرية، حاولت تبديد بعض الأفكار الخاطئة وتقديم صورة حقيقية عما كان يسعى الجميل في الشمال و(سعد) حداد في الجنوب الى تحقيقه، كلٌ في مجموعته الخاصة التي تختلف ظروفها عن الأخرى.

في الواقع، كنت الى حدٍّ ما متفاجئاً وخائب الظن بما ظهر من بشير من تحفظات حول بعض القيادات الفاعلة والوضع في الجنوب. لم أعلم في حينه أنه أرسل بعض الأعضاء من «القوات اللبنانية» الى هناك، في مهمة لمساعدة جيش سعد حداد، وأنهم لم يتصرفوا جيدًا، ولذلك أعادهم حداد. لقد رمى أيضًا الشك على انتماءات بعض الفئات من السكان اللبنانيين، واصفاً إياهم بالأقرب الى فلسطين منهم الى لبنان. هذا كان حقيقيًا جغرافيًا، إذ كان لبنان تاريخيًا محصورًا بجبل لبنان والمنطقة الداخلية المارونية، ولكن كان حكمه غير منصف على حداد والجنود والمدنيين الذين كانوا يدعمونه. لقد بذلت جهودي لتصحيح رؤيته وإعطائه نسخة عن كتاب حداد الى ريغان الذي كان يربط بموجبه أفعاله في الجنوب بما كان يقوم به بشير في الشمال.

وبعد التعبير عن العرفان بالجميل لتكرار الرسالة السرية التعبير عن الدعم الأميركي لاستقلال لبنان وسيادته وسلامة أراضيه ووحدته الوطنية، كتبتُ صياغتي:

تكرّر «القوات اللبنانية» للإدارة الأميركية إحدى الفرضيات المركزية لفلسفتها وبرنامجها، وهي أن لبنان ينتمي الى جميع طوائفه التي تعطي ولاءها الأساسي والوحيد للدولة اللبنانية. وهي دائمًا حاضرة من أجل عقد حوار مع السنّة والشيعة والدروز وأي طائفة لبنانية أخرى تتقاسم رغبة القيادة المسيحية في إنشاء إجماع لبناني واسع، في إطار سيادة لبنان واستقلاله.

علاوة على ذلك، إنها تدعم القوات الوطنية التي تحافظ على السلطة الشرعية للبلد، وهي دائمًا جاهزة للتعاون ولا تتحدى الحكومة المركزية والجيش الوطني في متابعة السياسات والمصالح الوطنية بصورة حقيقية وبإخلاص.

تعتقد «القوات اللبنانية» أن تقوية الجيش والحكومة المركزية وتسوية وضع الفلسطينيين ومنع استخدام أي جزء من الأراضي اللبنانية لنشاطات إرهابية دولية ومحلية، وحل مشكلة جنوب لبنان ممكن فقط في سياق انسحاب سوري مبكر وكامل.

يقتضي أن يكون انسحاب القوات السورية، برأي «القوات اللبنانية»، غير مشروط بتحقيق مسبق لأي من هذه الأهداف، وأن خشية إدارة الولايات المتحدة أن يؤدي هذا الانسحاب الى تجدد النزاعات في لبنان غير مبررة، إذ إن وجود القوات السورية هو السبب الأساسي لغياب القانون وعدم الاستقرار السائدين في لبنان، وهو العائق الأساسي لتحقيق الإجماع السياسي الواسع بين اللبنانيين.

تعتقد «القوات اللبنانية» أن الانسحاب المبكر والكامل للسوريين قد يؤدي بسرعة الى المصالحة والاتفاق بين اللبنانيين، وأن الحكومة التي يمكن أن تعكس هذا الإجماع الجديد ستكون قادرة على التعاطي بفعالية مع مشكلة الوجود الفلسطيني المسلّح، وعلى إعادة توطيد السيادة اللبنانية فوق جميع المناطق التي هي حاليًا تحت السيطرة الفلسطينية. وقد يصبح وجود «اليونيفيل» في جنوب لبنان بالتالي غير ضروري.

في غضون ذلك تشعر «القوات اللبنانية» بقلق عميق حيال الجهود التي تبذلها أمانة الامم المتحدة، بدعم واضح وتشجيع من إدارة الولايات المتحدة، لإشراك «اليونيفيل» والجيش اللبناني غير الجاهز، بعمليات في الجنوب. وقد يكون لذلك أثر على مستوى زعزعة استقرار الجنوب وسائر البلد.

تعتقد «القوات اللبنانية» ان استعادة السيادة اللبنانية على كامل البلد لا يمكن ان تبدأ على الحدود مع إسرائيل، بل في العاصمة بيروت، ويتم بسطها من هناك على كامل المناطق التي ليست حاليا تحت سيطرة الحكومة المركزية.

تتعاون «القوات اللبنانية» مع الجيش اللبناني في المناطق التي حافظت على الوجود اللبناني فيها، وهي مستعدة لمؤازرة الجيش في عملية توسيع انتشاره في المناطق الاخرى، حالما تزول العوائق الكبرى أمام هذا الانتشار.

أخيرا تعتقد القوات اللبنانية ان استعادة لبنان استقلاله وسيادته بصورة حقيقية، الناتجة عن انسحاب القوات السورية وتسوية وضع الفلسطينيين، لا تصبّ فقط في مصلحة اللبنانيين، بل ايضا في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية التي ستجد مجددا في لبنان شعبا يتمسّك بالحرية، كما تتمسّك بها أميركا».

واستطرد البروفسور حوراني:

كان بشير سعيدا بكتابي وطلب مني المجيء مجددا والعمل معه والبحث في جهوده من أجل تحرير لبنان من القبضة السورية. قبلت عرضه وذهبت الى واشنطن ونيويورك وأسديت اليه النصائح المتعلقة بما عليه توقعه من هناك، واكتشاف كيفية مساعدة القضية التي يحملها. وصلتُ الى واشنطن في أوج الاصطدام الخطير بين «القوات اللبنانية» والجيش السوري في مدينة زحلة في وادي البقاع. كان الوضع مقلقا جدا في واشنطن بسبب دخول الصواريخ الروسية الى المنطقة الخاضعة لسيطرة السوريين وإمكانية حدوث ما من شأنه توسيع دائرة الصراع واستدراج إسرائيل إليه.

تحركت الإدارة الأميركية لتطويق أزمة الصواريخ المتفاقمة. وأرسل الرئيس الأميركي رونالد ريغان فيليب حبيب، الدبلوماسي الأميركي من أصل لبناني، كمبعوث رئاسي مكلّف بالتواصل مع الأطراف المعنية من أجل إيجاد حل لأزمة الصواريخ. وبغض النظر عما آلت اليه المبادرة الأميركية، شكّلت سلسلة لقاءات فيليب حبيب مع بشير محطة رئيسية في توطيد العلاقة بين قائد «القوات اللبنانية» والولايات المتحدة، إذ كوّن المبعوث الرئاسي الأميركي انطباعا جيدا جدا عن بشير، حتى أنه وصفه بأنه «الرجل السياسي الأقوى». وقد لعب فيليب حبيب دورا مهما في واشنطن على مستوى إقناع الكسندر هايغ وزير الخارجية الأميركية بجدوى المراهنة على بشير، وبخاصة إشارته الى ان بشير يصلح لقيادة لبنان كرئيس جمهورية.

بناء على هذه التطورات، جاءت الزيارة الرابعة لبشير الجميل الى الولايات المتحدة في تموز 1981 مختلفة تماما عن الزيارات التي سبقتها والتي أقصى ما تخللها بعض الاجتماعات غير المهمة والنصائح بدعم الرئيس الياس سركيس. وبعدما جرى ترتيب اجتماعات له مع عدد من المسؤولين في وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من بينهم نيكولا فيليوتس. وبعدما أصر بشير على الاجتماع مع شخصيات أرفع، تحرّك من جديد ألفرد ماضي، رئيس مكتب «القوات اللبنانية» في واشنطن، وبوب بايزل رئيس الرابطة اللبنانية – الأميركية وأمّنا اجتماعا مهما مع موريس درايبر، نائب وزير خارجية الولايات المتحدة لشؤون الشرق الاوسط الذي جزم بأن لا مجال لترتيب اجتماع لقائد «القوات اللبنانية» مع الوزير الكسندر هايغ.

في هذه الأثناء، التقى بشير المدير المساعد لوكالة الاستخبارات المركزية بوبي راي ايتمان الذي فتح له بابا للقاء المسؤولين عن مكتب لبنان في الـ CIA تشاك كورغن وجاي روجيرز، حيث جرى الاتفاق على تبادل المعلومات بشكل متواصل مع «القوات اللبنانية». وقد طلب أيضا منهما بشير السعي لاستصدار بيانات من البيت الابيض مطالبة بإخراج الجيش السوري من لبنان. وتوالت الاجتماعات مع أركان الاستخبارات الأميركية، وكان أهمها مع وليم كلارك المسؤول عن قسم العلاقات، ومن بعدها مع رئيسها وليم كايسي. واعتبر بشير في حينه ان هذا  الاجتماع كان مفيدا جدا لأن كايسي بدا حريصا على حسن العلاقات بين الطرفين مستقبلا، باعتباره كاثوليكيا متديّنا ويحب الموارنة.

بعد عودة بشير الى لبنان، أخذت العلاقات بين الإدارة الأميركية و»القوات اللبنانية» منعطفا جديدا. إذ على مستوى التعاون الأمني، أرسل إيلي حبيقة وزاهي بستاني للتنسيق في العمل المشترك الاستخباراتي لمساعدة لبنان. أما على المستوى السياسي، فقد انفتحت الطرق والآفاق أمام الفريق اللبناني المكلّف من بشير الدفاع عن المصالح اللبنانية وشرح وجهة نظرنا من مجرى الأحداث. وأخذ هذا الفريق يشعر بالتفهّم والتجاوب مع طروحاتنا، الأمر الذي انعكس إيجابا على مشروع ترشيح بشير الجميل لرئاسة الجمهورية اللبنانية. وقد أشار البروفسور حوراني في كتابه المشار اليه أعلاه «An Unfinished Odyssey» بوضوح الى ما تحقق على هذا الصعيد لا سيما لجهة مبادرة الإدارة الأميركية الى لعب دور مباشر في فتح طريق المملكة العربية السعودية أمام بشير المرشح لرئاسة الجمهورية في تموز 1982:

في واشنطن، التقيتُ بدافيد تانتر في مجلس الأمن القومي، وبوب بايزل ممثل بشير في الولايات المتحدة الأميركية، وأصدقاء قدامى لهم ارتباطات شرق أوسطية تعرّفت إليهم خلال زيارات سابقة. وفي ضوء ما اكتشفت، قمت بصياغة مذكرة وعدد من المقالات الصحافية وضعت فيها الأزمة اللبنانية في إطار البُعد الإقليمي الواسع الذي كان لا يزال في ذلك الوقت تحت تأثير الحرب الباردة. تمّ إرسال المذكرة الى وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل الذي كان قلقا من تدهور الأمن في لبنان. فما كان منه إلا ان سعى لعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب في الطائف مع بشير للتعرّف اليه وسماع كلامه المنطقي عن التدخّل السوري في لبنان. حصل الاجتماع في 2 تموز 1982، وكان ناجحا من حيث تأثير بشير على الوزراء العرب. وقد حضر ذلك الاجتماع الوزيران السعودي سعود الفيصل، والكويتي عبد العزيز حسين، والأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي قليبي، وسفير السعودية في لبنان علي الشاعر.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل