
يستمرّ التّعقيد في الملفّ الحكومي اللّبناني على وقع لقاء بوتين واردوغان اليوم في ظلّ اقتراب حلف الاطلسي من سواحل سوريا. وفي هذا الاقتراب ما ينبئ بأنّ ما ينتظر إدلب في سوريا لن يكون بسيطًا، أو حتّى من دون أيّ ردّ في المقابل. وفي هذا السياق لم يعد خافيًا على أحد مدى خطورة الوضع المالي في لبنان. فهل من يبادر ليتلقّف الارادة الشّعبيّة التي نتجت عن الانتخابات النيابيّة الأخيرة؟ أم أنّ تجاهل نتائج الانتخابات سيبقى سيّد المواقف في هذه المرحلة؟
ما بات واضحًا اليوم أنّ الحالة الدّرزيّة التي استجدّت بعد انتخابات 2018 لن تتكرّر في الانتخابات المقبلة، بغضّ النّظر عن مصلحة البيت الدّرزي الدّاخلي، إلا أنّ التّموضع الاستراتيجي لهذه الطّائفة محسومٌ في الخطّ السيادي. لذلك لا يبدو بأنّ الحزب “التقدّمي الاشتراكي” متوجّه إلى المعارضة، فهو لن يتنازل عن الحقّ الذي أعطاه إيّاه محازبيه ومناصريه.
أمّا مسيحيًّا، فمعركة الاستئثار بالقرار المسيحي من قبل الوزير باسيل هي حتمًا معركة خاسرة. فـ”القوّات اللّبنانيّة” لن تكون بدورها في المعارضة ولن تسمح بمزيد من الإحراج للإخراج من الواقع السياسي إلى خطّ المعارضة من خارج الحكم. فما بات مؤكّدًا أنّ “القوّات” لن تتنازل عن حقوق النّاس الذين أوكلوها حقّ تمثيلهم. والقرار المسيحي في لبنان لن يكون بيد الوزير باسيل وحده، فهو لديه قدرة تمثيليّة لا تتخطّى قدرة “القوّات” التّمثيليّة. من هنا “القوّات” لن تتنازل أكثر. فعلى الطّرف الآخر ملاقاتها إلى المكان الذي وصلت إليه، وهو يتخطّى نصف الطّريق لأنّها قطعت هذه المسافة منذ لحظة قبولها بأربعة وزراء كرمى لعيون العهد الذي كانت “القوّات” المبادر الأوّل في إيصاله إلى ما وصل إليه، ومن المعيب جدًّا التنكّر لدور “القوّات” وتسخيف قدرتها التّمثيليّة لمصلحة العهد ووزير بلاطه.
من أبرز المتغيّرات السياسيّة التي فرضها النّظام النّسبي في الانتخابات الأخيرة هي عدم وجود قدرة إلغائيّة لأحد على حساب أي طرف مهما بلغت قوّته. من هنا، حكومة الوحدة الوطنيّة لا تكون بخروج أيّ مكوّن منها لأنّ عمليّة الخروج هذه ستحدث خللًا ميثاقيًّا. ماذا وإلا لو استطاع العهد تشكيل حكومة أكثريّة لكان فعلها مباشرة بعد الانتخابات. من هنا، نفهم هذا الاشتباك الذي يقوده الوزير باسيل مع الفرقاء السياسيّين كلّهم على اختلاف وجهاتهم السياسيّة، مع تحفّظ “حزب الله” على علاقته به، وذلك لهدف الاستئثار بالسلطة. وقد يكون هدفه إعلان قطيعة من يحاربهم للعهد. وهذا ما لن يحصل. فالعلاقة مع العهد وسيّده علاقة تفاوض وحوار، بينما العلاقة مع وزير البلاط هي علاقة فرض واستئثار. وهذه العلاقة مع “التيّار” ليست مقبولة من أحد.
من هنا، لن يستطيع العهد انتزاع الصلاحيّات المزعومة في حكومة أكثريّة لن تكون قابلة للحياة لأنّ التنازل أكثر يعتبر انسحاقًا وإلغاء للذّات، وهذا ما لن يقدم عليه أي طرف.
أولم يحن الأوان بعد لأن يدرك باسيل بأنّ التّعطيل الذي يمارسه كرمى لعيونه صار مضرًّا بالمصلحة العامّة للبلاد والعباد، بمن فيهم مناصريه؟ وذلك لأنّ المعطيات حول الموضوع المالي الاقتصادي تنسحب على الأطراف جميعهم. ما مشكلة لبنان إذا كان هؤلاء مصابون بالعمى السياسي – الاستراتيجي؟ أحداث المنطقة عنصر فاعل في الحياة السياسيّة لكنّها ليست العنصر المعطّل للعهد. إنّ من يدّعي حرصه على إرث العهد هو نفسه من يدمّر هذا العهد.
المبادرة بحاجة للرّجال الرّجال وليس أنصافهم. وحدهم من تعالوا عن جراح الحرب الدّامية والنّازفة حتّى هذا اليوم، قادرون على اجتراح الحلول، والمبادرة لإنقاذ ما تبقّى من الدّولة. أمّا اللاهثين وراء مراكمة ثرواتهم العقاريّة وأرصدتهم المصرفيّة فيفتّشون عن المزيد من ثلاثينيّات الفضّة ليبيعوا فيها ما تبقّى من الوطن. والله لنقلبنّ طاولات صيارفتهم على رؤوسهم إن استمرّوا بذلك.