
في يوم الثلثاء، 10 آذار عام 2017، اتَّصل جنسن بمديره في العمل وأعطاه اشعاراً بأنه سيغادر عمله عمَّا قريب، بعد 15 عاماً أمضاها في الشركة. لم يكن يقدِّم استقالته بالضبط، كان قد تقاعد، كان سنُّه 43 عاماً. قبلها بخمس سنوات تعرَّض كارل جنسن لما يسمِّيه بـ”الصحوة”، فهو مهندس برمجيات في إحدى ضواحي مدينة دنفر بولاية كولورادو، يكتب تعليمات برمجية (أكواداً) تشغِّل جهازاً طبياً. كان يخضع بموجب وظيفته تلك إلى ضغطٍ عالٍ: كان عليه توثيق كل خطوةٍ يخطوها لتُعرَض على إدارة الغذاء والدواء (FDA)، وأيُّ خطأ برمجي قد يؤدي لإيذاء أو موت المرضى.
كان جنسن يجني نحو 110 آلاف دولار سنوياً، وكان يتمتَّع بامتيازات أخرى، لكنَّ الأمر لم يبدُ وكأنه يستحق كل هذا الضغط. لم يتمكَّن من الاسترخاء مع عائلته بعد العمل، كان يقضي أياماً مقرفصاً على كرسيّ المرحاض. خسر من وزنه 4.5 كيلوغرام. وبعد يوم عملٍ شاق على نحو استثنائي، بحث جنسن في محرِّك البحث جوجل عن الجملة الآتية: “كيف أتقاعد مبكراً” وتفتَّحت عيناه.
تحدَّث بالأمر مع زوجته وتوصَّلا معاً لخطة: ادَّخرا قدراً كبيراً من دخليهما على مدار الخمسة أعوام المقبلة، وقلَّلا من نفقاتهما بشكلٍ جذري، حتى بلغ صافي مدَّخراتهما نحو 1.2 مليون دولار.
كيف تَشق طريقك نحو التقاعد
مع أنَّ قصة جنسن قد تبدو استثنائية، أقرب لنسخةٍ أكثر تواضعاً من حكاية سمسار البورصة الذي يحقِّق ضربة فوزٍ ببورصة وول ستريت، ثم يُبحر إلى جزر الكاريبي، إلَّا أنَّها جزءٌ من حركةٍ متنامية بين شباب الموظَّفين الذين يركِّزون اهتمامهم على ترك وظائفهم للأبد. اعتنق المنتمون لجيل الألفية بشكلٍ خاص هذه الحركة الملقَّبة باسم “FIRE” (وهو اختصارٌ لجملة الاستقلال المالي، والتقاعد المبكر) إذ يرون فيها مهرباً من العمل مُستهلِك الروح وسارق الوقت، ومن الاقتصاد الذي تحرِّكه النزعة الاستهلاكية.
يميل متَّبعو حركة FIRE إلى أن يكونوا ذكوراً عاملين في مجال التكنولوجيا، مِن نوعية المهندسين العقلانيين وأصحاب النظرة التحليلية ممَّن يُعمِلون طبيعتهم تلك في حساب الفائدة المركَّبة على مدار 40 عاماً، أو العائد على الاستثمار (R.O.I.) في صناديق مرتبطة بمؤشر أسهم منخفضة النفقات، في مقابل تكلفة إيجار العقارات.
وبالفعل، يتمحور أكثر الحديث الدائر حول FIRE، سواء كان على قوائم المراسلة بموقع Reddit أو في مدوناتٍ مثل Mr. Money Mustache، حول كيفية التحايل على ماليات المرء: استراتيجيات تهدف لزيادة معدَّل ادخارك حتى يبلغ نسبة 70% المقدسة، ونصائح للسفر بتكلفةٍ رخيصة من خلال بطاقات المكافأة المقدمة من خطوط الطيران، وطرقٍ لتوفير 5 و10 سنتات في متجر البقالة.
يمارس البعض توجُّه “lean FIRE”، أي النهج المتشدد (يقصد به التوفير لأقصى درجةٍ)، وغيرهم “fat FIRE” وهو نهج وسطي (أي الحفاظ على مستوى معيشةٍ طبيعي مع الإبقاء على عامل الادخار والاستثمار)، وغيرهم كذلك يتبنى “barista FIRE” وهو نهج محضِّر القهوة (الذي به يقصد العمل بدوامٍ جزئي في أحد مقاهي Starbucks بعد التقاعد، للتمتُّع بالتأمين الصحي الذي تقدِّمه الشركة).
ويقصد بالصيغة المضارعة من فعل “firing” المأخوذ من اسم الحركة اقتطاع نفقاتك لزِيادة المدَّخرات لأقصى حدٍّ ممكن، فيما تراكِم في الوقت ذاته استثماراتٍ مولِّدة للعائد تكفي لإعالة نفسك مستقبلاً. وبينما يعني الفعل في زمن الماضي “fired” أنك حقَّقت ذاك الهدف.
جنسن، الذي باع منزله ذا الغرف الأربع والحمامات الأربع، وانتقل لبيتٍ أكثر تواضعاً، وزيادة حسابات تقاعده حتى وصلت لحدِّها الأقصى فيما كان يتبع أسلوب الـ “firing” يقول: “إن الكثير من الناس يظنون أنهم هيبيز هذا العصر؛ لأنهم لا يمكنهم استيعاب ما يفعلونه”.
وفي حياة التقاعد، يُخطِّط جنسن وزوجته وابنتاه للعيش بنحو مبلغ 40 ألف دولار سنوياً، تدرِّها الاستثمارات. ولأنَّ زوجته ما زالت تعمل حالياً، فهم لم يسحبوا من هذه الحسابات حتى الآن، لكن حياتهم أصبحت بالفعل حياة أثرياء، لكنَّها تفتقر إلى الرفاهيات: تُشترى البقالة من متجر Costco للبيع بالجملة، ويقوم جنسن بالإصلاحات اللازمة في البيت والسيَّارة.
وقال جنسن: “دائماً ما يفترض الناس أنَّ هناك ظرفاً خارجياً ما: أوه، لا بد أنَّك ورثت أحداً. كل ما في الأمر أنَّنا اخترنا العيش في مستوى أقل بكثير من مواردنا. تلك فكرةٌ ثورية في حد ذاتها. ما يضاهيها في تلك الثورية هو ترك قوة العمل وأنت في الثلاثينيات من عمرك، أو في أوائل الأربعينيات، وهو وقتٌ يحاول فيه الرجال والنساء عادةً التنفُّع من مسيرتهم المهنية، أو في حالٍ أقل سعادة، يتحمَّلون فيه الكدح اليومي في سبيل دفع الفواتير، حتى يأتي وقت أن يرفع عنهم الضمان الاجتماعي هذا العبء”.