“المسيرة”: المحكمة الدولية.. من يلعب بالنار؟

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” العدد – 1679

من يلعب بالنار في موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وبعض القضايا المتفرعة منها؟ هل اللعب بالنار يكون في الحكم الذي سيصدر عن هذه المحكمة باسم العالم كله والعدالة الدولية، وليس باسم الشعب اللبناني وحده، أم أن اللعب بالنار كان في الإنفجار الهائل الذي أدى إلى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005؟

أعادت المرافعات الختامية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري أمام المحكمة الدولية ابتداء من 11 أيلول الحالي بعض الحرارة إلى أوراق القضية التي كانت دخلت مرحلة طويلة من الرتابة، وإن كانت لم تقدم إضافات جديدة على الملف الذي باتت معالمه واضحة منذ بدأت المحكمة الدولية عملها ومنذ استكملت التحقيقات التي تولاها أكثر من مدعٍ عام دولي عمل ضمن إطار لجنة التحقيق الدولية.

لعل الفضل الأبرز في كشف تفاصيل عملية الإغتيال والأشخاص المتهمين بالتنفيذ يعود إلى الرائد وسام عيد الذي كوّن من خلال الجهد الذي بذله وبوسائل تقنية محدودة خرائط شبكات الإتصال التي رعت ونفذت وخططت لعملية الإغتيال. منذ البداية كان هناك اتجاه واضح إلى طمس معالم الجريمة. النظام الأمني اللبناني السوري، ومن ضمنه نظام حزب الله الأمني، عمل على اعتبار أن الإغتيال تم وأن أدواته هي التي ستتولى التحقيق لكشف معالم الجريمة، وبالتالي كان واضحًا أنه لو بقيت هذه المسألة في يد القضاء اللبناني الذي كان خاضعًا لسلطة الوصاية الأمنية لكانت الجريمة لا تزال مقيدة ضد مجهول.

منذ البداية أيضًا كانت الصورة واضحة لدى قيادات “14 آذار” حول الجهة التي تولت عملية الإغتيال، ولم تكن المسألة تحتاج إلى تفسيرات ودلائل كثيرة لأن ما سبق العملية كان يشير بوضوح إلى من قام بها. لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على هذه القوى فقط، بل كانت هذه قناعة المجتمع الدولي ومجلس الأمن، خصوصا أن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة المكلف متابعة تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن كان في أجواء التهديدات التي تعرض لها الرئيس رفيق الحريري، وكذلك كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الأميركي جورج بوش. لم يكن الأمر سرًا ولكن كانت مهمة من تبقى من عهد الوصاية أن يبقى هذا الأمر سرًا. وما يمكن أن يعبّر عن اللغط الذي حصل بعد الإغتيال مباشرة كان قيام وفد من حزب الله بالتعزية بالرئيس الشهيد والحديث عن إمكانية مشاركته في التحقيق لكشف من قام بعملية الإغتيال.

منذ البداية أيضًا بدأت الحرب على محاولة نقل التحقيق إلى المستوى الدولي. كانت هناك معارضة لإنشاء لجنة التحقيق الدولية التي بدأت عملية التحضير لها من خلال لجنة تقصي الحقائق أولاً. ومن هذه الخلفية كانت الحرب على المحكمة الدولية ليس لسبب إلا لأنها أكبر من أن تعيق عملها اغتيالات أو تهديدات، بحيث بدا وكأن اللعبة أفلتت من يد الفريق المتهم بالقيام بعملية الإغتيال والإغيتالات الأخرى التي تبعتها وعمليات التفجير التي تنقلت في أكثر من منطقة.

إذا كانت هذه العمليات هدفها زرع الرعب وتخويف قوى 14 آذار ومنع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي شكلت بعد الإنتخابات النيابية في العام 2005 من المضي قدمًا في طلب إنشاء لجنة تحقيق دولية والإنتقال بعدها إلى طلب إنشاء المحكمة الدولية، فإن اغتيال الرائد وسام عيد شكل إدانة أكيدة للجهة التي نفذت عملية الإغتيال، ذلك أن الشهيد عيد كان مضى في اكتشاف شبكات الإتصال وصولاً إلى تحديد أسماء المتهمين بالقيام بعملية التخطيط والتنفيذ والمراقبة وشراء شاحنة الميتسوبيشي من طرابلس وخطف أحمد أبو عدس وإعداد شريط تبنّي المسؤولية. وعلى رغم أن عيد تعرض لمحاولات اغتيال فاشلة في البداية، إلا أن المخططين لاغتياله لم ييأسوا ونجحوا في النيل منه ولكنهم لم ينجحوا في قتل ما اكتشفه من معطيات دخلت في صلب القرار الإتهامي الذي سمّى المتهمين الأربعة من حزب الله.

منذ البداية اعتبر حزب الله أن المحكمة الدولية لا تعنيه. ولكنه في المقابل بعدما فشل في منع إنشاء لجنة التحقيق الدولية، حاول إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة حتى لا تتقدم بطلب إنشاء هذه المحكمة، ولكن كانت النتيجة أن الحكومة صمدت والمحكمة إنشئت بقرار من مجلس الأمن الدولي بإجماع أعضائه. وعلى رغم أن الحزب أيضًا استمر في إنكار مسؤوليته أو مسؤولية أي من عناصره عن تنفيذ عملية الإغتيال، فقد عمل على إثبات هذا الإنكار من خلال مرافعات تولى بعضها أمينه العام السيد حسن نصرالله شخصيًا، بحيث ذهب إلى تحميل المسؤولية إلى إسرائيل ولكن من دون أن يقنع المحكمة أو مجلس الأمن أو المتابعين للقضية. وبالتالي تحولت المحكمة الدولية قدرًا لا مفر منه. وعندما تباطأت أعمالها بسبب طريقة عملها في حد ذاتها التي تتطلب الهدوء والتأني وإبعاد الشبهات وتوفير كل إمكانيات الدفاع والإدعاء، تم التشكيك بفعاليتها والتركيز على الأموال التي استهلكتها طوال عشرة أعوام تقريبًا.

منذ البداية تكوّنت معطيات الجريمة. من فريق القرار والمراقبة، إلى الفريق الذي ذهب إلى طرابلس لشراء الشاحنة التي عادت من الضاحية الجنوبية محمّلة بالإنتحاري والمتفجرات، إلى الفريق الذي اشترى أجهزة الهاتف والفريق الذي خطط لخطف أحمد أبو عدس والفريق الذي نفذ العملية. كل هذه المعطيات لم تتغيّر ولم تتبدل بل تأكدت تباعًا في كل مراحل التحقيق والمحاكمة والمرافعات التي أثبتت مسؤولية المتهمين، بحيث أن فريق الدفاع لم ينجح في إبطال مفعول أي دليل ولم يكن لديه إلا ما كان تم استخدامه في الإعلام المعاكس والمشكك بعمل المحكمة كالطعن بثبوت دليل شبكات الإتصال في شكل أساسي. ولم تنجح كل مرافعات بعض الشهود الذين حاولوا أن يقولوا إن علاقة الرئيس رفيق الحريري مع النظام السوري وحزب الله كانت جيدة، ذلك أن الصورة كانت واضحة ولم تكن بحاجة إلى برهان.

بعد كل ذلك هل يمكن التمييز بين من يلعب بالنار ومن يريد منع إشعال الحريق وزرع الفتنة؟

في 26 آب الماضي حذر حسن نصرالله القوى السياسية التي تراهن على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، من اللعب بالنار، مؤكدًا أن قراراتها لا تهمه وقال: “إذا كان هناك أحد يراهن على ذلك فهذه المحكمة الدولية لا تعني لنا شيئاً على الإطلاق وما يصدر عنها ليس له قيمة على الإطلاق لأننا لا نعترف بالمحكمة ونقول لمن يراهنون على ذلك لا تلعبوا بالنار”.

وفي 11 أيلول من أمام مقر المحكمة الدولية قال الرئيس سعد الحريري: “خلال أشهر سيصدر الحكم وبالنسبة لي البلد هو الأهم. أشكر الأمم المتحدة وكل من سعى إلى تحقيق هذه المحكمة. لننتظر القرار النهائي للمحكمة وهدفنا أن نعيش سويا في بلدنا لبنان”. وردّاً على سؤال حول اتهام حزب الله مباشرة باغتيال والده قال: “عندما أكون في هذا الموقع يجب أن أضع مشاعري جانباً». وأضاف: «من ارتكب جريمة اغتيال رفيق الحريري سيدفع الثمن عاجلاً أم آجلاً ولننتظر القرار النهائي”.

الحكم الذي سيصدر عن المحكمة الدولية بات تقريبًا معروفاً. المتهمون معروفون وإن كان آخرون مشاركون لا يزالون مجهولين. الرواية معروفة. مسؤولية حزب الله واضحة وإن لم يتم تحميله المسؤولية كحزب. إنها محاكمة متأخرة لعهد الوصاية السورية على لبنان بكل مفاعيله وكل من انضوى في صفوفه معتبرًا أنه سيدوم وأنه يستطيع أن يقتل ويعتقل ويهدد من دون أن تكون هناك ملاحقة ومحاسبة. في صلب قرار إنشاء المحكمة الدولية تعهد واضح بأن من ضمن أهدافها تحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب. ولو كانت قراراتها والحكم الذي سيصدر عنها بلا قيمة فلماذا هذه الحرب المستمرة عليها؟ ولماذا الإصرار على اللعب بالنار؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل