
كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور في مجلة المسيرة العدد – 1679:
تسمية شارع باسم المتهم الرئيسي باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مصطفى بدر الدين في الغبيري ليس خطوة إدارية ولا تقنية ويستحيل تبريرها بحجج شكلية، بل لا يمكن تفسيرها في حال لم يتراجع «حزب الله» عن هذه الخطوة ويقرر إزالة اللافتات بنفسه إلا بكونها رسالة مباشرة من الحزب بانه قرر إعادة البلاد إلى المربّع الانقسامي العمودي والخلافي.
قبل السؤال عن الأسباب التي قد تكون دفعته لقرار من هذا النوع، لا بد من التوقف أمام الملاحظات الآتية:
أولا، محاولة حرف النقاش عن جوهره بالكلام عن تسميات لشوارع في لبنان عفّ عليها الزمن لا يقدم تبريرا لخطوة لا يمكن وضعها إلا في إطار التحدي والاستفزاز لمشاعر قسم كبير من اللبنانيين، لأن التسمية لا تتعلق برمز من رموز الحزب سقط في المواجهة مع إسرائيل او في سوريا، وهذا حقه بتسمية أحد الشوارع مثلا باسم الشيخ عباس الموسوي او غيره، ولكنه لا يمكنه تبسيط ولا تجاهل ان بدر الدين متهم من أرفع هيئة قضائية في العالم باغتيال رئيس حكومة ورمز لبناني وسني وعربي.
ثانيا، دأب «حزب الله» منذ انطلاق أعمال المحكمة الدولية على شيطنتها وتصويرها بانها إسرائيلية وان هدفها النيل منه ومن صورته، وهذه أسهل طريقة لمحاولة رفع المسؤولية عنه في جريمة العصر، فيما بقي الخلاف ضمن حدود بين من يحاول شيطنتها، وبين من يؤيد مسارها ويثق بعدالتها، والخلاف ضمن هذه الحدود يعد مقبولا وكان باستطاعة الحزب مواصلته وليس تطويره بخطوة تتجاوز المحكمة إلى عمق المساكنة السياسية القائمة.
ثالثا، لا يمكن الرد على الموقف المسؤول للرئيس سعد الحريري الذي قرر الفصل بين مسار العدالة ومسار الاستقرار في لبنان بإحراجه بتسمية أحد الشوارع باسم من اغتال والده ومن سقط معه من الشهداء. موقف الحزب لا علاقة له هنا بشيطنة المحكمة او عدمها، وتسمية الشارع لا تشكل تأكيدا منه على براءته بقدر ما تشكل تكريما لمن اغتال رفيق الحريري.
رابعا، تصوير موقف الحريري المتشدد حيال التسمية بانه نابع من حاجته لشد العصب السني وتعزيز وضعه الشعبي الذي كان سجل تراجعا أظهرته الانتخابات النيابية ليس في محله، بل أقل ما يقال فيه إنه تبرير لمن يفتقد التبرير كون البلاد ما زالت خارجة من انتخابات وليست عشية انتخابات ليكون بحاجة لشد العصب حوله، ومن ثم الوزير جبران باسيل «كفى ووفى» على هذا المستوى من خلال سجال الصلاحيات ودراسات وزير العدل الدستورية او «الداللوزية» فاستعاد «بطريركيته» على الطائفة من دون الحاجة إلى «حزب الله».
خامسا، خطوة «حزب الله» تعد سابقة في لبنان ولا تراعي حساسية الطرف الآخر، ولم تأتِ بعد انتهاء المحكمة مثلا وإقفال ملفها على غرار طي صفحة الحرب وقيام اتفاق الطائف، إنما أتت في عز الخلاف المحتدم حول المحكمة التي شكلت وما تزال عنوانا انقساميا منذ العام ٢٠٠٥ إلى اليوم، وبالتالي اين المصلحة في تغذية هذا الاحتدام والانقسام؟
سادسا، الاستقرار القائم في لبنان منذ سنوات هو نتيجة قرار مشترك أحد أطرافه «حزب الله» وعنوانه تحييد الملفات الخلافية عن اليوميات السياسية من أجل ترسيخ الاستقرار وتفعيل الانتظام المؤسساتي، فهل خطوة الحزب تعني إسقاطه للعنوان الذي رفعه «تعالوا نتقاتل في سوريا ونحيِّد لبنان» لمصلحة إحياء التقاتل السياسي اللبناني-اللبناني تزامنا مع انتهاء وظيفته في سوريا وعودته المفترضة منها؟
سابعا، نجح «حزب الله» في الآونة الأخيرة في إعطاء صورة عن نفسه مختلفة عن الصورة السابقة، وانه قرر رفع منسوب الحكمة في إدائه على الفتنة، كما رفع منسوب اللبننة على الأدلجة، فإذا به يعود إلى المربع الأول وبسرعة خيالية وغير مبررة.
ثامنا، العيش المشترك هو فلسفة بحد ذاتها وجوهرها قائم على احترام كل فئة لمشاعر الفئة الأخرى، فيما خطوة الحزب تشكل نسفا لكل فلسفة العيش معا.
وفي موازاة كل ما تقدم، وفي العودة إلى السؤال عن الأسباب التي قد تكون دفعت «حزب الله» إلى قرار من هذا النوع يمكن التوقف أمام ثلاثة أسباب أساسية:
السبب الأول يندرج في إطار تهريب التسمية على طريقة تحسين شروط مواجهته ضمن الستاتيكو القائم، فإذا قطعت تكون قد قطعت، وإذا لم تقطع لن يقيم البلاد ويُقعدها من أجل تقطيعها، فيجد المخرج المناسب للتراجع عنها إذا كانت أولويته ما زالت الحفاظ على الستاتيكو الراهن.
السبب الثاني يكمن في خشيته من المحكمة بل عقدته منها التي دفعته إلى خطوة غير محسوبة إلى الأمام أشبه بالخطوة الغرائزية لا العقلية في محاولة لإثبات براءته، فإذا به يهدد البلد بفتنة مذهبية من أجل حرف الأنظار عن المحكمة ومسارها وقرارها.
السبب الثالث يؤشر إلى انتهاء فترة الستاتيكو التي كان بحاجة إليها الحزب تحت عنوان ترييح بيئته والتفرغ للقتال خارج لبنان، وبالتالي انتقاله إلى سياسة توتير الساحة اللبنانية تنفيذا لأجندة إيرانية ترتبط بحشرة طهران الداخلية والإقليمية وحاجتها للعب كل أوراقها في المنطقة تحسينا لشروطها وتجنبا للأسوأ في وضعها.
ولا شك ان الأسابيع المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت تسمية أحد الشوارع باسم مصطفى بدر الدين هي عفوية كرد فعل غير محسوبة هدفها تبرئة «حزب الله» من اغتيال الحريري وسيتراجع عنها لأنه لن يقدِّر خطورتها، أم أنها عن سابق تصور وتصميم وأشبه ببوسطة عين الرمانة الجديدة، ولكن السياسية طبعا والهادفة إلى فرط الاستقرار وضرب الانتظام والتخلص من الستاتيكو الحالي إلى ستاتيكو جديد يعيد تسخين الوضع اللبناني ويربطه بالساحات الإقليمية الساخنة؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
