“الجمهورية القوية” والمعادلة الصعبة

إنها المعادلة الجديدة التي دخلت على الساحة اللبنانية السياسية بعد إنتخابات أيار 2018، معادلة يصعب على معظم القوى السياسية إيجاد حل أو مخرج لها وفق مصالحهم السياسية، معادلة لم تكن في الحسبان أو بالاحرى لم يعتادوا عليها، إنها معادلة القوات اللبنانية.

فمنذ انتهاء الحرب اللبنانية في اواخر 1991 ومع بداية مرحلة جديدة من النظام السياسي اللبناني وفق دستور الطائف، وتحت مظلة نظام الوصاية السورية، ارسى السوريون قواعد لعبة سياسية في الداخل اللبناني تقوم على توازن سياسي لحلفائهم مع هامش من التغيير وفق مصالح النظام السوري؛ وحدها القوات اللبنانية كانت خارج هذه التركيبة السورية لأسباب تتعلق ببنيتها كتيار شعبي وسياسي مقاوم يسعى لتحقيق دولة نموذجية ذات حرية وسيادة كاملتين.

واجهت القوات اللبنانية مؤامرة تحجيم ممنهجة أدت كما نعلم الى حل الحزب واعتقال رئيسه وعدد من كوادره، وفق خطة محكمة من تجييش الراي العام المسيحي واللبناني ضد “القوات” وتشويه صورتها.

واستمرالوضع السياسي قائمًا على النحو الذي كان يرسمه النظام السوري بحيث لم يكن هناك صعوبات بإيجاد تسوييات سياسية بين مختلف القوى السياسية، بل كان الواقع يدل على تموضع جميع هذه القوى بشكل مبرمج يتقاسمون فيه الحصص والمصالح السياسية تحت المظلة السورية.

في سنة 2005 ومع أغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وخروج الجيش السوري، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة تقوم على قواعد لعبة داخلية مختلفة استمرت حتى الامس القريب. قواعد ارست انقسام عامودي حاد بين مجموعتين سياسيتين ولكن في الوقت نفسه استمرت جميع القوى السياسية النافذة بالتوافق على اقتسام الحصص والمصالح عندما كانت الظروف السياسية تسمح بذلك، وحدها القوات اللبنانية كانت خارج هذه اللعبة حيث استمرت تواجه سياسة التشويه والتخوين والتحجيم.

ففي الوقت الذي كانت فيه الطبقة السياسية مشغولة بحجز مواقعها في المعادلة السياسية اللبنانية، كانت القوات اللبنانية تقوم بإعادة تنظيم وضعها الداخلي والشعبي حيث دأب رئيسها الدكتور سمير جعجع مع كوادر حزبه وفريقه السياسي على العمل بجهد وصمت لاعادة “القوات” الى صلب المعادلة الداخلية متحملًا مع كوادره سياسة الظلم الذي مورس بحقه وبحق “القوات” منذ انتهاء الحرب اللبنانية.

وهكذا اعتادت القوى السياسية واللبنانيون على العموم وعلى أكثر من عقدين من الزمن على تركيبة سياسية أبعدت القوات اللبنانية عن مركز القرار، الى أن اتى 7 أيار 2018 ليقلب الموازين ويغير قواعد اللعبة السياسية في الداخل اللبناني واضعًا القوات اللبنانية كمعادلة صعبة ومؤكدًا بأن سمير جعجع أصبح الرقم الصعب للمرحلة القادمة.

اليوم وعلى مشارف الدخول بالشهر الخامس على تكليف الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، أصبح واضحًا عجز جميع القوى السياسية وبالتحديد من هم في سدة المسؤولية على حل ما سمي ” بعقدة الاحجام السياسية” والتي تستر وراء حقيقة أخرى، ألا وهي معادلة القوات اللبنانية.

ترسي هذه المعادلة على ثلاث قواعد، كل قاعدة على حدى تشكل مأزقًا لجميع القوى السياسية

فالقاعدة الاولى تكمن بأستحالة الغاء القوات اللبنانية لما ينتج عن هكذا توجه من مخاطر سياسية ووطنية لا تحمد عقباها، والتجارب السابقة خير دليل على ذلك.

القاعدة الثانية تكمن في خطورة تحجيم “القوات” أو ابعادها عن السلطة التنفيذية، فانتقالها الى قيادة المعارضة من داخل البرلمان سينتج عنه اسقطاب شعبي مسيحي ولبناني لصالحها و فوزها بأكبر كتلة نيابية في أنتخابات 2022.

أما القاعدة الثالثة فهي القبول بمطالب “القوات” في تشكيل الحكومة، عندها سيكون وزراء “القوات” رأس حربة ببناء دولة المؤسسات وضرب الفساد مما سيعطيها أيضا الحظوظ الاوفر لتفوز بأكبر كتلة نيابية في أنتخابات 2022.

فالصفات والشعارات والوعود التي أطلقت بعد انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية، أطلقت لجمهورية قوية وواعدة، تقف اليوم أمام معادلة صعبة لا تجد بمفهوم الطبقة السياسية حلًا لها، فحللولها محسومة سلفًا لصالح “القوات”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل