“المسيرة”: المدارس تفتح أبوابها ومعارك متاريسها التلاميذ؟

 

كتب سيمون سمعان في مجلة المسيرة العدد – 1679:

كان الجميع ينتظر قرارات أو نتائج ملموسة عن المتابعات واللقاءات التربوية وخصوصا عن الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية في ما يتعلق بأزمة الأقساط المدرسية ورواتب المعلمين، لكنّ شيئا حاسما لم يصدر وبقي الموضوع قيد المتابعة. فالقضايا التي تنتظر مع الطلاب والأهل على أبواب المدارس، كثيرة. وليست الأقساط بنداً وحيداً فيها، بل هناك الدعاوى التي كانت مرفوعة أمام المجالس التحكيمية التي تم توقيع مرسومها في أيار الماضي بهدف البت في النزاعات بين إدارات المدارس الخاصة ولجان الأهل. وهناك مسألة المدارس المخالفة لناحية رفع الأقساط والتي كانت ادّعت عليها وزارة التربية أمام المجالس التحكيمية… وغيرها من المسائل التي تعيد إلى العام الدراسي دوامة لم تُخرجه منها الحلول السابقة، وإلى البلد أزمة مضافة كان انصرف إلى سواها على مدى أشهر العطلة الصيفية.

في السابق كان الناس ينشغلون مع بداية العام الدارسي، بتحضير الكتب والقرطاسية والملابس وما سوى ذلك. اليوم بات الشغل الشاغل للجميع النزاعات بين إدارات المدارس ولجان الأهل من جهة والإدارات والمعلمين من جهة ثانية. ويكاد السائل عن مسألة انهماك الأهل في هذه الفترة، لا يلقى جوابا غير الإجتماعات التحضيرية في المدرسة بهدف إيجاد حل لمسألة الرفع الباغت والكبير للأقساط والذي أعلن العديد من العائلات عجزهم عن تحمّله، ما خلق مشكلة جديدة وهي ندرة الأماكن في المدارس الأدنى كلفة أو المجانية الأمر الذي يحول دون نقل الأولاد في بداية العام الدراسي، وكذلك عدم القدرة على المتابعة في مدرستهم الحالية.

ليست كل المخارج متاحة

سيدة هي أم لثلاثة أولاد في مدرسة خاصة في قضاء بعبدا، كانت الأسبوع الماضي في اجتماع الأهل مع إدارة المدرسة، أفادت أنهم تبلغوا مع بداية العام الحالي إقرار زيادة على القسط بلغت ألفا ومئتي دولار أميركي، علما أن القسط لم يكن متدنيا وأن المدرسة عمدت إلى رفعه في السنوات السابقة عندما بدأ الحديث عن سلسلة الرتب والرواتب وزيادة رواتب المعلمين حتى قبل إقرار السلسة أو صرف الزيادات. وتساءلت كيف سيدفع هذه الزيادة رب عائلة وأب لثلاثة أولاد بحيث تصبح 3 آلاف و600 دولار في العام، وهذا أمر لا يجوز السكوت عنه.

وأفادت السيدة التي كشفت أن اجتماع الأهل مع إدارة المدرسة ليس الأول لهذا العام، بأن 12 من أولياء أمر التلاميذ أوقفوا تسجيل أبنائهم في المدرسة المذكورة ونقلوهم إلى مدارس أخرى بإمكانهم تحمل أقساطها. لكن هذا الحل ليس متاحا للجميع، فهناك من لم يبق لديهم سوى سنة واحدة للتخرج وليس من الصواب نقلهم إلى مدرسة أخرى حتى لو أثقلت الزيادات كواهل الأهل المثقلة أصلا بالأقساط وغيرها من تكاليف التعليم الخاص والأعباء المعيشة عموما، في بلد ترتفع فيه المصاريف وتتدنى المداخيل. وهناك من لم يعد باستطاعته إيجاد مدرسة لائقة ذات مستوى تعليمي جيد ولديها أمكنة لاستقبال تلاميذ جدد في هذه الفترة المتأخرة من العام. وغيرها طبعا من المعوقات… فما السبيل؟

وكشفت السيدة أن لجنة الأهل في المدرسة كانت رفعت دعوى على الإدارة أمام المجلس التحكيمي بعدم جواز رفع الأقساط بهذه النسبة الكبيرة ومن دون إشعار مسبق للأهل حتى يتمكنوا من إيجاد الحلول الملائمة لهم ولأولادهم، وأن القرار بهذا الخصوص منتظر أن يصدر قبل منتصف الشهر الحالي. وبعدما شهد الإجتماع حدة في التخاطب وتبادل اتهامات تم فضّه من دون التوصل إلى نتيجة حاسمة على أن يستكمل البحث في وقت لاحق وعلى ضوء ما سيصدر من قرار عن المجلس التحكيمي.

«القوات» تبحث عن حل

هذه عيّنة عن واقع الحال اليوم في فترة التحضير لافتتاح العام الدراسي الجديد. ويختصر أحد المسؤولين التربويين الوضع حاليا بعبارة «ولعانة على كل المستويات». وبسؤاله عما إذا كان المقصود بكلامه جميع المدارس الخاصة، قال «للواقع لا، ولكن في المجمل هكذا. وقد تبين لنا أن هناك مدارس خاصة مرموقة ومنها واحدة في المتن الشمالي على سبيل المثال لا الحصر، لا تخطط لرفع الأقساط مع بداية العام الحالي، وتشير إدارتها إلى أنها تكتفي بالزيادة التي أقرتها العام الماضي والتي كانت مقبولة نسبيا. ومثلها مدارس في مناطق مختلفة.»

من جهة أخرى، المعضلة التي ستشكل مدخلا لأزمات مضافة بحسب التربويين، هي ما سيصدر عن المجالس التحكيمية الخاصة بشأن 70 مدرسة كانت وزارة التربية تقدمت بدعاوى ضدها نظرا لمخالفتها نظم الزيادة على الأقساط أو تقديم الموازنات السنوية وشفافيتها. وعطفا عليها تبقى مشكلة المعلّمين في القطاع الخاص، خصوصاً أن بعض هؤلاء قبضوا سلسلة الرتب والرواتب ولكن من دون الدرجات الستّ التي لا يزال النزاع حولها قائماً. فهل سيعود المعلمون إلى الإضراب والتظاهر في حال لم تحل مشكلة الدرجات؟

مصدر في نقابة المعلمين في القطاع الخاص، حذّر من تمييع حقوق المعلمين والإلتفاف عليها بالمراهنة على عامل الوقت. وأشار إلى أن الدرجات هي حق مكتسب تعرفه إدارات المدارس الخاصة، ولن نسمح بإنكاره. وقال «نعم سنكون مستعدين للتحرك من جديد في حال لم نحصل على حقوقنا»، لافتا إلى أن المسألة في النهاية تبقى في ما تقرره النقابة في حينه.

رئيس مصلحة التعليم الخاص في «القوات اللبنانية» رمزي بطيش كشف أن «الجميع داخل إلى أزمة. كان نمي إلينا أن إدارات المدارس سوف تعلق افتتاح العام الدراسي لكن هذا لم يحصل»، لافتا إلى أن «الأزمة باتت متعددة الرؤوس وهناك مدارس خسرت الدعاوى ولا تريد الإعتراف بالخسارة ولا تستطيع تخطي الأحكام. تضاف إلى ذلك الأمور والقضايا الأخرى المعروفة». وأشار بطيش إلى أن «الجهات المعنية في القوات تُكب منذ فترة على دراسة المخارج الممكنة، وهي تعمل بكل جهد حاليا بهدف إيجاد الحلول المناسبة للخروج من هذه الأزمة.»

المعركة مستمرّة…

وكان «اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة في لبنان»، طالب وزارة التربية ووزارة المال والجهات الرسمية الأخرى بـ»تسريع تأمين مساهمة الدولة للمدارس المجانية منها، وفقا للقوانين المرعية الإجراء لتستطيع هذه المدارس، الإيفاء بالتزاماتها القانونية والاستمرار بالقيام بدورها والحفاظ على المعلمين والمتعلمين فيها، وحمّل الاتحاد هذه الجهات مسؤولية تعثّر أي من المؤسسات والتداعيات الناتجه عنها.

وأمل الإتحاد من الجهات الرسمية «اتخاذ الاجراءات اللازمة للمساعدة في حل المشكلات التي سببها القانون 46/2017 وتداعياته، بالإضافة إلى احترام الالية التي حددها القانون 15/96، وذلك قبل إحالة هذه المدارس إلى المجالس التحكيمية. وأعلن أنه مستعد «لحوار شفاف وعلمي ومنطقي، مع جميع العاملين في القطاع التربوي لتأمين أجواء هادئة وإيجابية تساعد في الإعداد لانطلاقة عام دراسي جديد يتعاون فيه الجميع ويتكاملون لتأمين مصالح الجميع، خصوصا مصلحة المعلمين والتلامذة، مع الحرص على الحفاظ على جودة التعليم ونوعيته.

أما الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية فردت على إتهام المدارس الخاصة بعشوائية الزيادة وظلمها، بأن هناك قوانين تنظّم تحديد قيمة الأقساط المدرسية ولا شيء عشوائياً كما يظنّ البعض. وشددت على ضَرورة عدم التعاطي مع القضية بشكل اعتباطي فهناك قوانين تنظم الموازنة وأخرى تفرض زيادة على المدرسة. وأكدت أن الأساتذة قبضوا كامل مستحقّاتهم من سلسلة الرتب والرواتب، ولكن لم يقبضوا الدرجات الستّ لوجود خلاف كبير حول من سيسدّدها لهم فلا الأهل يستطيعون ولا المدرسة.

وقال مصدر مسؤول فيها «إن مسألة الدرجات الست كانت تعهدّت الدولة بإيجاد الحلول المناسبة لها، إما بدفعها أو بتقسيطها، أو ما يمكن الإتفاق عليه مع المعلمين. لكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب المدرسة الخاصة التي تُرفع الدعاوى بوجهها لعدم رفع الأقساط، ويشكو الأهالي من زيادة أية تكاليف، معلنين أنهم باتوا عاجزين عن تحمّل المزيد». وتساءل «من أين إذن للمدرسة الخاصة أن تموّل الدرجات الست، هذا في حال سلّمنا جدلا بأحقية كل ما يطالب به المعلمون؟ من هنا نكرر أن حل هذه المسألة هو عند الدولة وليس عند المدرسة الخاصة، التي باتت هي الأخرى تنوء تحت أعباء كثيرة تجعل عددا غير قليل منها مهددا بالإقفال أو بتراجع أدائه الأكاديمي وخدماته الكثيرة التي طالما ميّزت المدارس الخاصة الناجحة عن سواها، وأعطتها صفة الريادة».

وبحمل هذا الرأي إلى وزارة التربية، رد مسؤول فيها بأن «من يطلب تمويل جزء من الأعباء المدرسية مهما كانت تسمية هذا الجزء أدرجات ست أو دعم أقساط أو غير ذلك، فهو كمن يطلب الماء من الصخر». وتساءل، «ألا يعلم من يرمون بهذا الأمر على الدولة، بأحوال الخزينة وأوضاع البلد وبأن المخارج لإعادة العمل بقروض الإسكان تصطدم بألف عائق وجدار وتسقط كل المحاولات لإعادة العمل بها بسبب ضيق واقع الحال؟ وألا يعلمون بغياب حكومة فعلية فاعلة قادرة على إنقاذ الوضع عموماً وعلى بت مسألة الدرجات وعقدة حقوق المعلمين وزيادة الأقساط والمحافظة على المستوى الأكاديمي في البلد»؟

وقال، «نظرا إلى متابعتي لهذا الملف أعتقد أن العام الدراسي الجديد سيكمل من حيث انتهى العام السابق، إذ لا حلول متاحة في الأفق وإن كانت لدينا أفكار كثيرة قابلة للنقاش، لكن إمكانيات التطبيق غير متوفرة. وعليه لا بد للجميع من أن يعي أهمية المرحلة ودقتها والتعاطي مع الموضوع من هذا المنظار إلى حين انفراج الوضع، وعندها لكل حادث حديث…»

هذه الآراء والمعطيات الواقعية في المجمل إلا أنها تأتي على حساب المعلمين في التعليم الخاص، بحسب ما وصفها مصدر في النقابة. المصدر قال «إن تملّص المدارس الخاصة من هذا الحق بحجة عدم جواز فرض المزيد من الزيادات على الأقساط، ورفع وزارة التربية مسألة الوضع المالي للبلد وغياب الحكومة، لا يُعفي الجميع من واجباته تجاه المعلمين الذين لا يُنكر أحد أحقيّة ما يطالبون به». وأضاف، «لن نقبل بأن نؤخذ بطريقة «المَونة» ومصير العام الدراسي ومستقبل التلاميذ، ولن نسكت عن حقنا، فنحن أيضا كما المدرسة الخاصة وكما الخزينة، في حاجة إلى نيل حقوقنا كي نتمكن من الإستمرار والعطاء الجيّد».

فهل هذا يعني أننا قادمون إلى عام دراسي ساخن، وهل تبحث النقابة مسألة اللجوء إلى الإضراب في حال لم تلبَّ المطالب المرفوعة؟ أجاب المصدر أن «الجزم بهذا الأمر سابق لأوانه اليوم ولم تحسم النقابة ذلك، وإن كانت مثل هذه الإجراءات تبقى مطروحة. لكن حاليا يجري البحث في العديد من الحلول الهادئة، ونحن لسنا أقل حرصا على مصلحة أبنائنا من غيرنا منَ المعنيين بالأمر».

ووسط كل هذا العرض يبدو أن الوضع القائم منذ العام الماضي لم يتغير فلا الدرجات دُفعت ولا المدارس الخاصة أقرت بأحقيتها، ولا الدولة قادرة أو لديها النية لدفعها كما اقترح البعض العام الماضي، ولا نية لأحد بضرب المدرسة الخاصة المعقل الأخير للمستوى الأكاديمي في لبنان، ولكن لا يمكن استمرار الوضع من دون حل لأنه سينفجر مجددا وإن كان لا نية لأحد اليوم لتفجيره. وفي المحصّلة يبدو وكأن الجميع يتحضر لمعركة وليس لعام دراسي، على أمل ألّا تكون ذخيرتها المستوى التعليمي ومتاريسها التلاميذ.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل