“المسيرة”: بوتين وأردوغان يقرران مصير إدلب والأسد آخر من يعلم

خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1679:

سارعت الولايات المتحدة إلى الترحيب الحذر بالاتفاق الروسي التركي على تجنب العملية العسكرية في محافظة إدلب والمحافظة على أرواح نحو ثلاثة ملايين من المدنيين السوريين الذين تجمعوا في هذه المحافظة بعد فرارهم من بقية المناطق السورية التي إستعادتها قوات نظام بشار الأسد بقوة حليفيه الروسي والإيراني. ومنذ اليوم الأول لطرح مشكلة إدلب بدا أن موقف الولايات المتحدة أقوى من موقف روسيا حيث أن لدى تركيا وجود عسكري في إدلب ومحيطها، كما تملك الولايات المتحدة قوات في شمال شرق سوريا. ومعًا، تسيطر الولايات المتحدة وشركاؤها على نحو أربعين في المئة من الأراضي السورية.

بناء على ذلك شملت الخطة الأميركية لتطويق وإفشال اي عملية عسكرية في إدلب العمل على عدد من الجبهات:

أولاً: صعّدت واشنطن موقفها الدبلوماسي والسياسي إن في مجلس الأمن الدولي أو عبر قنواتها المفتوحة مع موسكو فأطلقت التحذير تلو الآخر من مغبة إنطلاق العمليات العسكرية في محافظة إدلب تحت عنوان عريض يتمثل بالحفاظ على حياة وأرواح المدنيين، وتدرّج التحذير الأميركي من الردّ المباشر على أي هجوم بالأسلحة الكيميائية تنفذه قوات الأسد، إلى التحذير من وقوع أسوأ كارثة إنسانية بسبب تهجير ما تبقى من السوريين في هذه المحافظة أو قتلهم، ولذلك يمكن القول إن الضغوط على هذا المستوى السياسي – الدبلوماسي سمحت بإعلان ولادة الاتفاق الروسي التركي في سوتشي بعدما كان منتظراً هذا الأمر من طهران في القمة الثلاثية التي جمعت إيران وتركيا وروسيا وبحثت الوضع في إدلب من دون التوصل إلى اي نتيجة على هذا الصعيد. وفي هذا المشهد كله يبرز غياب بشار الأسد عن القرارات الكبرى التي ترسم خارطة سوريا.

ثانياً: يؤشر إعلان الاتفاق بين موسكو وأنقرة من دون طهران على مدى سعي الجانب الروسي لإرضاء الجانب الأميركي في مطلبه الدائم بضرورة عزل التأثير الإيراني في الساحة السورية، وهو ما ترغب به موسكو أيضاً لكنها تفضل أن توجه الرسائل إلى إيران حول دورها في سوريا دفعة وراء دفعة من دون أن تؤثر في سير خططها الرامية إلى تعزيز نفوذها في سوريا على حساب النظام الإيراني ولكي لا تقوم إيران بالضغط بشكل أكبر على نظام الأسد، ولكن موسكو تدرك جيدّا ان الأسد لن يستطيع الخروج من تحت مظلة حمايتها له، وهذا بالتالي يفسح في المجال أمام موسكو لكي تتفاوض بشكل مريح مع واشنطن حول رسم خطوط الستاتيكو الحالي في سوريا قبل الدخول عملياً في تنفيذ الحلول المرتقبة لهذا الصراع الذي سيؤدي في النتجية إلى ولادة خارطة قوى جديدة في سوريا.

ثالثاً: لم تترك الولايات المتحدة الساحة السورية من الناحية العسكرية، لا بل زادت من توجيه الرسائل على أرض الواقع من حيث تمسكها بانتشارها في المناطق التي تسيطر عليها، وتفيد المعلومات بأن القيادة العسكرية الأميركية بصدد زيادة وتدعيم عديد القوات الأميركية في شمال سوريا، وفي موازاة ذلك أبدت واشنطن حرصها على تعزيز دعمها لفصائل المعارضة المعتدلة التي ترعاها منذ بدء الصراع في سوريا، والدليل العملي على ذلك هو الكشف عن التدريبات العسكرية التي قامت بها قوات المارينز مع مقاتلي المعارضة السورية وهي تدريبات عسكرية نادرة جرت مع مشاة البحرية الأميركية في جنوب سوريا حيث أرادت واشنطن من خلال هذه التدريبات إرسال رسالة قوية إلى روسيا وإيران مفادها بأن مقاتلي المعارضة يعتزمون البقاء ومواجهة أي تهديدات لوجودهم، ونشير إلى أن التدريبات التي استمرت ثمانية أيام في الموقع العسكري الأميركي في التنف، كانت الأولى من نوعها بذخيرة حية وشملت أيضا هجوما جويا وبريا وتمت بمشاركة المئات من الجنود الأميركيين ومقاتلي المعارضة.وقال مقاتلون في المعارضة السورية إن المئات من أفراد مشاة البحرية الأميركية وصلوا هذا الشهر إلى التنف للانضمام الى قوات خاصة متمركزة هناك بالفعل وللمشاركة في التدريبات. ومع ذلك فقد كشف متحدث باسم الجيش الأميركي أن التدريبات كانت استعراضا للقوة وأن البنتاغون أبلغ موسكو بذلك عبر قنوات التواصل المخصصة لتجنب المواجهات ولمنع سوء الفهم أو تصعيد التوتر.

يذكر أن قاعدة التنف العسكرية المحاطة بالمناطق الصحراوية أنشئت خلال المعارك ضد متشددي تنظيم الدولة الإسلامية الذين كانوا يسيطرون في وقت من الأوقات على مناطق في شرق سوريا بمحاذاة الحدود مع العراق.

وبعد طرد الدولة الإسلامية وجهت طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضربات لمسلحين تدعمهم إيران في عدة مناسبات لمنعهم من التقدم صوب المنطقة في ما وصفته واشنطن بأنه دفاع عن النفس. وتقع التنف على طريق سريع استراتيجي يربط دمشق ببغداد وكان في وقت من الأوقات طريق إمداد رئيسيا للأسلحة الإيرانية إلى سوريا. ويجعل ذلك من القاعدة العسكرية حصنا ضد إيران وجزءا من حملة أوسع لمواجهة التوسع العسكري الإيراني في الشرق الأوسط. والسيطرة على تلك المنطقة هدف منذ فترة طويلة للحكومة السورية وحليفتيها روسيا وإيران.

رابعاً: عملت الولايات المتحدة ولا تزال على تدارك ومعالجة الأزمة في علاقاتها مع تركيا لأن البلدين يتقاسمان مصلحة استراتيجية في منع إيران وروسيا من توسيع وجودهما في سوريا. وهكذا تتشاطر الولايات المتحدة وتركيا المصلحة في احتواء إيران وميليشياتها الشيعية في سوريا. وبحسب مراقبين في واشنطن فإن الإدارة الأميركية تدرك أن روسيا تتمتع بالقدرة على تحقيق ذلك، إلا أنّها لا تزال حتى اليوم ترفض المطلب الروسيالقاضي بخروج قوات الولايات المتحدة من سوريا في المقابل. ولكن إدارة ترامب قد تشترط مقابل تنفيذها أي إنسحاب للقوات الأميركية وضع وتنفيذ القيود التالية على نشاط إيران وميليشياتها الحليفة: لا قواعد عسكرية في سوريا؛ الحدّ من صواريخ أرض-أرض؛ عدم تصنيع الصواريخ أو أنظمة التوجيه المتقدّمة في سوريا أو لبنان؛ لا رادارات أو صواريخ دفاعية جوية جديدة من حيث النوعية؛ ومناطق عازلة خالية من أيّ وجود إيراني أو حليف بالقرب من تركيا أو إسرائيل أو الأردن.

الموقف الأميركي من خطة إدلب

تعليقاً على الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين روسيا وتركيا حول إدلب قال مصدر في وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة ترحب بمثل هذا الاتفاق لأن «موسكو وأنقرة إتخذتا خطوات على ما يبدو لتجنب هجوم عسكري من قبل نظام الأسد وحلفائه في إدلب». وأعرب عن أمله في أن يكون وقف التصعيد دائماً. وجدّد المصدر الأميركي تحذير واشنطن من أن أي هجوم من قبل نظام الأسد وحلفائه على محافظة إدلب المكتظة بالسكان سيكون تصعيدًا متهورًا وتترتب عليه عواقب وخيمة على سوريا والمنطقة، وعلى الرغم من التوصل إلى الاتفاق الروسي التركي وانتظار نتائجه على الأرض لفت المصدر الأميركي إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تشعر بالقلق من نمط نظام الأسد المزعزع للاستقرار في إدلب وأماكن أخرى  وسنراقب الوضع وأفعال النظام عن كثب». وأعاد المصدر الأميركي التأكيد على ما اتفق عليه الرئيسان ترامب وبوتين في فيتنام وهو أنه «لا يوجد حل عسكري للصراع في سوريا وأن على كل الأطراف الإستفادة من هذه اللحظة والابتعاد عن أية هجمات عسكرية إضافية وإعادة توجيه طاقاتها للتوصل إلى حل سياسي دائم في سوريا». وكرّر المصدر في الخارجية الأميركية القول إنإنهاء الصراع السوري يتطلب حلاً سياسياً يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254 مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تدعم أية جهود صادقة تمنع عودة العنف وتحمي المدنيين وتسمح لهم بحرية التنقل بما في ذلك حق العودة إلى ديارهم ، وتوفر إمكانية وصول المساعدات الإنسانية والرعاية الطبية بشكل فوري.

أما مدير وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية روبرت آشليفرأى بدوره، أن اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بنظيره التركي رجب طيب أردوغان بشأن سوريا أمر «مشجع» من وجهة نظر حل النزاع هناك. وخلال حديث الجنرال في كلمة ألقاها أمام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، عن الوضع في محافظة إدلب السورية، قيم آشلي الوضع هناك بأنه «وعاء يغلي»، نظرا لأن في هذه المنطقة تنشط «حوالي 20 مجموعة ومنظمة مختلفة».وفي الوقت نفسه، أكد آشلي الموقف الأميركي، قائلاً إن تنفيذ العملية العسكرية في إدلب لن يؤدي على المدى الطويل إلا لتفاقم معاناة المدنيين هناك. وقال: «نود أن نرى حوارا وتفاعلا بين الجماعات المختلفة بحثا عن السلام».

إنتشار الجماعات المسلحة في إدلب

يتراوح عدد قوات المعارضة المسلحة بما فيها تلك التي توصف بأنها عناصر معتدلة وأخرى من الجماعات الإرهابية، في جيب إدلب  بين 50 و90 ألف عنصر. ويعزى النطاق الواسع لهذا التقدير إلى الغموض في وضع المقاتلين: ففي حين كان حوالى خمسين ألف فرد من هؤلاء العناصر يقاتلون بدوام كامل وينتمون إلى أفضل الجماعات، إلّا أن أربعين ألفاً من المقاتلين العاديين الآخرين الذين ينتمون إلى فصائل محلية صغيرة قد لا يكونون راغبين في التأثير بشكل ملحوظ على المعارك الكبيرة أو قادرين على القيام بذلك. وقد تم تعزيز هؤلاء المقاتلين بما يقارب 20 ألف عنصر آخر كانوا قد طُردوا من مناطق حلب والغوطة ودرعا والرستن، التي استعادها النظام وحلفاؤه في العامين الماضيين. إلا أن بعض المسلحين المعارضين في جيب إدلب إمّا قتلوا منذ ذلك الحين، أو غادروا سوريا، أو انتقلوا إلى المناطق التي تنتشر فيها قوات تركية (وهي عفرين، أعزاز، جرابلس، أو الباب). لذلك، من الصعب تحديد العدد الدقيق للمقاتلين في إدلب حالياً، لكن من المؤكد أنه أعلى بكثير من العدد المتداول والبالغ ثلاثين ألف عنصر، وربما ضعف هذا العدد.

وينقسم المسلحون المعارضون إلى تحالفين متساويين في العدد تقريباً: «هيئة تحرير الشام» التي تقودها الجماعات التابعة لتنظيم «القاعدة»، و»الجبهة الوطنية للتحرير». وقد أنشأت تركيا الائتلاف الأخير في أيار الماضي لإضعاف «هيئة تحرير الشام»، وحشد معارضيها، ومنعها من الاستيلاء على الجيب بأكمله، بسبب عدم نجاح هدف أنقرة الأولي في حل «هيئة تحرير الشام». وتشمل الفصائل الإحدى عشرة التابعة لـ»هيئة تحرير الشام» ما تبقى من مقاتلي «الجيش السوري الحر» و»أحرار الشام».

حتى مطلع هذا العام، كانت «هيئة تحرير الشام» راضية بالسيطرة على الحدود مع تركيا، ومدينة إدلب، وخطوط الاتصال الرئيسية في المحافظة، والعديد من النقاط الاستراتيجية، أي أنها بسطت سيطرتها فعلياً على معظم الجيب. ومع ذلك، ففي شباط، نشب صراع بين «هيئة تحرير الشام» والمتمردين المدعومين من تركيا، مما أدى إلى تقسيم الأراضي بشكل غير متجانس بعد وقف إطلاق النار بينهما في أيار. وتسيطر «هيئة تحرير الشام» حالياً على معظم شمال إدلب، بينما اضطرت إلى التخلي عن الجزء الجنوبي من الجيب والأطراف الغربية من حلب لصالح «الجبهة الوطنية للتحرير». وأمّا العناصر المعارضة في الجنوب فهم معزولون، حيث أنهم محاصرون بين مطرقة «هيئة تحرير الشام» وسندان الجيش السوري. وبالكاد تستطيع أنقرة تزويدهم بالإمدادات. وفي الواقع، على الجيش التركي أن يتفاوض مع «هيئة تحرير الشام» لإرسال الجنود والمعدات إلى مراكز المراقبة الخاصة به على الخطوط الأمامية مع الجيش السوري.

الاتفاق الروسي التركي

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن الاتفاق مع تركيا حول إقامة منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب السورية على امتداد خط التماس بين الجيش السوري والجماعات المسلحة. وقال في أعقاب مباحثاته مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي، إن الاتفاق يقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق خمسة عشر إلى عشرين كيلومتراً على امتداد خط التماس بين المعارضة المسلحة والقوات الحكومية بحلول الخامس عشر من تشرين الأول المقبل. وأوضح بوتين أنه سيتم إخلاء المنطقة المنزوعة السلاح من كل الجماعات المسلحة المتطرفة، بما فيها «جبهة النصرة.» وأضاف أنه من المقرر سحب الأسلحة الثقيلة والدبابات وراجمات الصواريخ ومدافع كل الجماعات المعارضة بحلول 10 تشرين الأول المقبل، وذلك باقتراح من الرئيس أردوغان. وأكد أن القوات التركية والشرطة العسكرية الروسية ستقومان بمهمة المراقبة في المنطقة.

ويتضمن الاتفاق بحسب ما إقترحه الجانب التركي وضع الآليات الكفيلة باستئناف النقل عبر طريقي حلب – اللاذقية وحلب – حماة قبل نهاية العام 2018.

وشدد بوتين على أنه من «المهم أن روسيا وتركيا مصممتان على مواصلة استخدام مسار أستانا بكل قوته، وفرص إيجاد حلول سياسية طويلة الأمد في جنيف برعاية الأمم المتحدة. وسنواصل العمل على تشكيل اللجنة الدستورية من ممثلي القيادة السورية وقوى المعارضة والمجتمع المدني»، مضيفا أن الهدف هو ضمان انطلاق عملها في أقرب وقت.

وأضاف أن روسيا وتركيا أكدتا عزمهما على مواصلة محاربة الإرهاب، معتبرا أن تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها سيعطي زخما إضافيا لعملية التسوية السياسية في سوريا، وتكثيف العمل على منصة جنيف وسيساهم في عودة السلام إلى الأرض السورية. ولفت الرئيس التركي إلى أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها مع فلاديمير بوتين ستسمح بتفادي كارثة إنسانية في إدلب. وقال إن تركيا ستعزز معابرها في منطقة خفض التصعيد في إدلب .»وأضاف أن «المعارضة التي تسيطر على بعض الأراضي ستبقى فيها، لكننا مع روسيا سنبذل كل الجهود لإزالة الجماعات المتطرفة من تلك الأراضي». وتحدث أردوغان أيضا عن ضرورة «تحرير» الأراضي التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها تنظيما إرهابيا، مشيرا إلى أن القوات التركية «حرّرت أربعة آلاف كيلومتر مربع» خلال العمليات ضد «داعش» والقوات الكردية. وأشار أردوغان إلى أن تركيا كانت تبذل كل ما في وسعها لحل قضية إدلب منذ البداية، معربا عن الأمل بالتسوية السياسية في سوريا. وقال: «نتمنى أن يجري هناك إصلاح دستوري وبعده انتخابات حتى يبقى الشعب السوري في ظل نظام ديمقراطي».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل