بين “نيهاو” و”تساي ديين”… إنفتاح صيني على العولمة الإقتصادية وليس الثقافية

لبنان قوة كامنة بالنسبة للصين وأول الغيث مبادرة الحزام والطريق

المحيط شاسع لأنّه لا يرفض أي نهر”، قول صيني مأثور يعاينه عن كثب من يزور الصين ويعيش فيها. الصّين، هذه الدولة التي اشتهرت بسور الصين العظيم، التّنين، الباندا، المطبخ الصيني، وتاريخها العريق الحافل بالأساطير هي حاضراً أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى. يكفي أن تزور ثاني أكبر إقتصاد في العالم لتعلم أن الترحيب الذي يبدأ بـ”نيهاو” لا ينتهي بوداعا بل بـ”تساي ديين” أي إلى اللقاء. ولكن كلمة حقٍّ تقال فلسفة الطاوية موجودة في كل معالم الصين، وتناقضات الين واليانغ لا يمكن إلا أن تظهر في كل زاوية من زواياها.

فالطّبيعة الخضراء التي تزهو بأبهى حللها موجودةٌ جنباً إلى جنب مصانع الحديد والفولاذ الصلب. وعراقة التاريخ المتجلي بمعبد السماء الذي كان يزوره الأباطرة في المهرجانات السماوية، تقف بالقرب من المباني الحديثة الشّاهقة المصمّمة بأحدث الطّرق الهندسية. إنها الصين، البلد الذي استقبل وفداً إعلامياً لبنانياً قوامه 23 مسؤول إعلام وإعلامي لتجول بهم على أهم معالمها السياحية وتحمّل معهم رسالة واحدة رئيسية:

الصين ليست ما ترونه عبر الإعلام الغربي، إنها ما تعاينونه اليوم وأنتم في بيجين. فكانت الفلسفة التجريبية أفضل منصةٍ للتقارب الإعلامي بين الصين ولبنان.

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الجميع: لماذا لبنان تحديداً؟

أولاً لبنان دولة ضمن الدول التي تشملها مبادرة الحزام والطريق الهادفة إلى تعزيز علاقات الصين بهذه الدول لتحقيق المنفعة المتبادلة والمشتركة وإرساء مبادئ المساواة والإحترام المتبادل. ثانيا، يعلم الصينيّون جيّداً (ربما أكثر من اللبنانيين أنفسهم) أن لبنان هو “قوّة كامنة” يمكن بناء الشراكات على مستويات مختلفة معه.

وفي مقابلة خاصة مع د. هوانغ هوي، الأستاذة المحاضرة في جامعة بكين، أكّدت أن التعاون بين الصين ولبنان يمكن أن يزدهر على صعد متنوّعة ومختلفة. وقالت هوي :”يمكن التعاون بين البلدين سياسيا فالصين يمكنها أن تدعم لبنان في حل مشكلة اللاجئين السوريين، خاصة وأنها قدّمت مساعدات مالية للبنان للمساعدة في حل هذه الأزمة. كما يمكن التعاون الإقتصادي بين البلدين أولا عبر التعاون التجاري، ثانياً تستطيع الصين مساعدة لبنان في تطوير البنية التحتية خاصة وأن الشركات الصينية لديها خبرة في مشاريع المقاولات في الشرق الأوسط.”

هذا ويقدّر الصينيّون الموقع الجغرافي الاستراتيجي للبنان ويأملون بإيجاد فرص للاستثمار في قطاع تجارة الترانزيت في لبنان المتطوّرة جدا. هذا فضلا عن التعاون في القطاع المصرفي المالي والسياحي والزراعي.

وتعتبر هوي أن التعاون الثقافي الذي سيبدأ بالدورات التدريبية سيكون مدماكا أساسيا في بناء الجسور الثقافية بين البلدين. فمنذ عام 2016 أجرت الصين دورات تدريبية لأكثر من 200 لبنانيا من مجالات مختلفة. وقالت هوي : ” لبنان هو مركز ثقافي في الدول العربية، وقطاع نشر الكتب متطوّر جدا، ونعتقد أن شركات نشر الكتب الصينية يمكن أن تتعاون مع لبنان في هذا الصدد.”

من طريق الحرير إلى مبادرة الحزام والطريق:

أحيت الصين مفهوم طريق الحرير التقليدي عبر مبادرة الحزام والطريق التي أطلقت عام 2013. لكن اللافت أن جمهورية الصين الشعبية لا تصوّر نفسها على أنها قوّة عظمى ومنافسة لا يستهان بها بين الدول الكبرى. بل لا تزال تعتبر أنها دولة نامية وتقدّر حجم الفقر الذي يرزح تحته المواطنون وخاصة في الأرياف وقامت بحرب على الفقر تأمل الحكومة بأن تنتهي بنهاية عام 2020 بالتخلّص من الفقر.

وعلى الرغم من الإصلاح الداخلي بدأت الصين بالانفتاح على دول العالم وبالتواجد في المنظمات العالمية لتحقيق خير البشرية جمعاء. فهي دولة فاعلة في المؤسسات البيئية العالمية، و UNESCO ومنظمة التجارة العالمية.  ومن خلال مشاركتها في  BRICS ومبادرة الحزام والطريق استطاعت الصين إرساء صورتها في العالم كما هي فعلا: دولة 合  أي دولة التعاون.

وتبقي الصين الأبواب مفتوحة على مصراعيها في التعاون التجاري والإقتصادي مع كل دول العالم فحتى أن فروع الشركات المتعدّدة الجنسيات موجودة بكثافة في العاصمة بكين. ولكن…

“الصين تصحح العولمة”… عولمة إقتصادية يقابلها تحفّظ ثقافي:

تعتقد الصين أن العولمة شيء يحدث شاءت أم أبت وخاصة من الناحية الإقتصادية. واعتبر د. شوي تشينغ قوه في مقابلة معه أن  “العولمة الإقتصادية مفيدة للنمو الإقتصادي العالمي. فكل دولة لديها مميزاتها النسبية عبر تشاركها في مسيرة العولمة.” إلا أنه شدّد أن العولمة الثقافية والسياسية مستحيلة. فكل شعب لديه ثقافته وحضارته ولا يمكن تعميم ثقافة واحدة على كل شعوب العالم.

وردا على سؤال حول رؤية الصين للعولمة أجابت د. هوانغ هوي : “الصين تصحّح العولمة، فأنا لا أعتقد أن مبادرة الحزام والطريق هي عولمة صينية لاستبدال الآليات الحالية، نلاحظ أن العولمة الحالية تعاني من المشاكل لذلك نأمل أن نضيف إليها روح التعاون والإحترام على أسس المساواة والتحاور مع الدول كافة.” فحتى بالكلام عن العولمة يدخل العنصر العاطفي الذي تتميّز به الصين!

وهذا ما يمكن لمسه لمس اليد في الصين. فحتى تطبيقات الفايسبوك والواتسآب ممنوعة في الصين بل يستخدم الصينيون تطبيق wechat الصيني محض. فحتى التطبيع الثقافي مع الغرب واندماج الحضارات في الصين لا زال ضئيلا. كما أننا زرنا مكتبة من 6 طوابق في وسط مدينة WangFujing لا يوجد فيها سوى بضع كتب باللغة الإنكليزية وهي بمعظمها معاجم وكتب تعليمية. ولعل هذا التحفّظ الثقافي الصيني هو ما يحافظ على الهوية الشرقية الصينية على حالها.

إلا أن شعرة معاوية يجب ألا تقطع، وفي سبيل نشر الثقافة الصينية على نطاق أوسع يجب إدخال اللّغات الغربية بشكل أوسع إلى العامة من الصينيين. ففي أهم الفنادق في بكين يصعب على العاملين فهم كلمة ملح باللغات الأجنبية لإحضارها. ولعل عائق اللغة الثانية التي تقتصر على جزء ضئيل من أصل المليار و400 مليون نسمة في الصين هو ما يمنع الإقتراب أكثر من الثقافة الصينية ونشرها على نطاق أوسع.

ويرى المثقّفون الصينيون أن المهم إقتصاديا بالنسبة للصين ليس أن تنتج أحدث التقنيات 100% محليا، بل المهم أن تكون عنصرا هاما في الدورة الإقتصادية العالمية للإنتاج.

الإعلام اللبناني علامة فارقة في العلاقات الصينية – العربية:

استقبلت الصين للسنة الثانية على التوالي وفدا إعلامياً لبنانياً ضمن إتفاقية تعاون موقّعة بين وزارة الإعلام اللبنانية ووزارة التجارة الصينية. وتناولت الزيارة جولةً على أهم المرافق في الصين من العاصمة بكين إلى مقاطعة آنهاوي حيث اطّلع الوفد عن كثب على عمق الحضارة الصينية ونسبة التقدّم التقني في هذه الدولة الشرقية. فبعد المفهوم السائد بأن المنتجات الصينية هي منتوجات لا تضاهي بجودتها المنتجات الغربية كان للوفد اللبناني آراء أخرى بهذا الصدد.

وتضمّنت الجولة زيارة لسور الصين العظيم ولمعبد السماء وللأسواق الصينية القديمة ولمراكز الابتكار العلمي ولوكالة شينخوا للأنباء ولمبنى محطة CGTN وللبنادا الموجود فقط في الصين في بكين. أما في مقاطعة آنهاوي فعاين الوفد عن قرب الطبيعة الصينية بزيارة جبل لانغيا ومتحف الخشب ومعمل إنتاج الحديد والفولاذ الصلب ودار النشر.

ولأن عمق الثقافة الصينية قائم على الإيمان بالمثل الصّيني القديم “رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة”، كانت خطوة إستضافة إعلاميي لبنان في الصين. وعند سؤال مديرة مركز التدريب الصّيني التابع لمصلحة النشر والتوزيع باللغات الأجنبية تشاو ليجون عن أهمية هذه الدورة التدريبية أجابت:

” لاحظتُ بأن التعاون الإعلامي بين الصين ولبنان تعمّق وتوسّع فقد تعاوننا في مجال الطباعة والنشر على سبيل المثال. وهذه الدورة التدريبية لتعميق التعاون الإعلامي بين البلدين. فالتعاون الإعلامي هو أهم أشكال التعاون، وسنبني جسرا لتصحيح المفاهيم الخاطئة بين الطرفين. خلاصة القول إن التعاون الإعلامي شهد تطورا سريعا وإيجابيا ولكن الطريق أمامنا لا زال طويلا.”

واعتبرت ليجون أن الدورة التدريبية الإعلامية لا تقتصر على مبادرة الحزام والطريق، فقد تعهّد الرئيس الصيني شي جين بينغ، بدعم الدول النامية لتأهيل الموارد البشرية والتبادل الإنساني، والصين تقيم الدورات التدريبية تلبية لتعهداته والوفاء بها.

ورأت ليجون أنه يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورا كبيرا في دفع التعاون الثنائي بين البلدين.  وقالت ليجون : “برأيي إن التسامح والانفتاح هما أبرز مميزات لبنان، فهو يستفيد من الخبرات العالمية، لذلك لا يوجد أي حواجز للتبادل الثقافي مع الإعلام اللبناني. ولكننا نتطلّع لأن تلعب الوسائل الإعلامية دورا أكبر لتوجيه الرأي العام.” وأملت ليجون بتعزيز التعاون الثنائي بين وسائل الإعلام اللبنانية والصينية عبر بناء آلية خاصة للتعاون بين المؤسسات الإعلامية ومنصة موحّدة لتوجيه الموارد وتقديم تسهيلات للتعاون.

وبدوره شدّد ممثل وزير الإعلام اللبناني ملحم الرياشي مدير الديوان في الإذاعة الللبنانية وليد الفليطي أن الصين ميّزت لبنان باستضافة 20 متدربا لبنانيا في مجال الإعلام كل عام، وقال: ” لا بد أن نشكرها على هذه الإستضافة التي سمحت لنا بالتعرّف على وسائل الإعلام الحديثة في الصين . وتكمن أهمية هكذا مبادرات بأنها تعزّز العلاقات بين الدول حيث يمكن إستثمارها بتوسيع آفاق المعرفة وإيجاد تعاون مشترك على كافة الصعد السياسية والثقافية والإجتماعية.”

وأكّد الفليطي على الدور الريادي الذي يلعبه الإعلام عامة والإعلام اللبناني خاصة في التأثير على الرأي العام قائلًا: “للإعلام دور مميّز في محاكاة الرأي العام والتأثير عليه، فكيف إذا كان الإعلام اللّبناني يلعب دورا رائدا على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي. ليس هناك ما يمنع استقبال إعلاميين صينيّين في لبنان والعمل لدينا كدولة لبنانية جارٍ هذا الموضوع، علما بأن للصين مكتبا إعلاميا خاصا لها في لبنان.”

الصين ولبنان… أفق تعاون يبدأ بالإعلام ولا ينتهي به:

“رؤية شيء مرة واحدة أفضل من السماع عنه مئة مرة” وهذا فعلا ما قامت به الجمهورية الشعبية الصينية مع الإعلام اللبناني.

ولكن ماذا تنتظر الصين لتعزيز العلاقات مع لبنان ومع الإعلام اللبناني تحديداً؟ سؤالٌ طرحته في وكالة الأنباء وعلى الأساتذة الصينيين المحاضرين وعلى مديرة مركز التدريب التابع لمصلحة النشر والتوزيع باللّغات الأجنبية: والجواب الوحيد من الجميع هو مبادرة من الجانب اللبناني والبدء بالإتفاقات الثنائية بين الطرفين. وتبقى الكرة اليوم في ملعب الدولة اللبنانية لأخذ المبادة والإستفادة من الخبرات الصينية بدءاً بحلّ أزمة الكهرباء اللبنانية المستعصية واستكمالها إلى كل النواحي الإقتصادية والإعلامية.

وبالختام “سيي سيي” للصين أي شكرا على حسن الضيافة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل