“المسيرة”: «الثالثة ثابتة» مع ثالث أهم جائزة في «كان» مبروك لبنان

 

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1679:

«أقدّم هذه الجائزة للبنان الذي، على رغم كل الأمور التي يتم انتقاده عليها، استطاع استقبال أكبر عدد من اللاجئين في العالم»… بهذه الكلمات شكرت نادين لبكي مهرجان كان السينمائي الذي منحها ليل السبت 19 أيار الماضي، ثالث أهم جائزة في المهرجان الأعرق والأهم عالميا، «جائزة لجنة التحكيم» عن شريطها الروائي «كفرناحوم». وبهذه الكلمات شكرت المخرجة اللبنانية  وطنها الذي اشتعل حماسة وفخرا واعتزازا في تلك اللحظة، بعدما نجحت لبكي في رفع رأسه عاليا جدا، وللمرة الثانية هذه السنة، بعد تجربة الأوسكار والترشيح اللذين قدمهما له زياد دويري مع فيلم قضية رقم 23».

لبنان كله الغارق في مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان يترقب نافذة أمل ثقافية وطاقة فرج فنية، ويأمل خيرا. وما ان تم الإعلان عن فوز «كفرناحوم»، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتهاني، فنسي لبنان كله «العرس الديمقراطي» الذي تم في 6 أيار، وزفاف الأمير هاري الذي تم في اليوم نفسه، واحتفل بعرس السينما اللبنانية التي وضعت نادين لبكي على رأسها طرحة الغار، على وقع زغردة التصفيق.

رئيس حكومة لبنان سعد الحريري كان أول المهنئين، فغرّد عبر «تويتر» وكتب: «مبروك للمخرجة نادين لبكي وكل طاقم فيلم «كفرناحوم» الفوز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي. كل لبنان يفتخر بنجاحك يا نادين». بدوره رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان غرد قائلا: «مبروك، مرة أخرى هذه السنة تنال السينما اللبنانية إحدى أكبر الجوائز العالمية، شكرا لنادين لبكي لرفع اسم لبنان». أما رئيس حزب الكتائب سامي الجميل فشكر نادين لبكي لتمثيلها لبنان على هذا الشكل الجيد وإحرازها الجائزة و»إنه يوم تاريخي للسينما اللبنانية ونحن جميعا فخورون بك». وطبعا لم تتردد النجمة إليسا الحاضرة دائما لدعم كل ما من شأنه رفع اسم لبنان عاليا، بالتعليق على شبكات التواصل الاجتماعي، فقالت: «مبروك نادين، إنجازك بيكبّر القلب وأنت فخر لكل لبناني بهالإنجاز يللي ناطرينو من أيام مارون بغدادي. انشالله السنة الجايي تكوني عم تحملي الأوسكار». هذا مع الإشارة الى ان إليسا كانت قد دعمت السينما اللبنانية هذه السنة في كان، من خلال حضورها وسيرها على السجادة الحمراء بفستان زهري مبهر من تصميم صديقها المبدع العالمي إيلي صعب الذي اهتم بأناقة نادين لبكي المعتادة على ارتداء أزيائه في مهرجان كان.

أيضا من الفنانين اللبنانيين الذي سافروا الى كان دعما للسينما اللبنانية، الممثل شادي حداد الذي حضر العرض الأول لفيلم «كفرناحوم» وشعر أنه يختنق أثناء متابعته المأساة التي يقدمها الشريط. وعندما انتهى الفيلم وبدأ التصفيق المتواصل، شعر شادي ان ما يحصل «يكبّر القلب، ولكن على رغم الفرح كان هناك غصة على المأساة المؤلمة التي يعيشها بعض الأطفال والتي نقلتها نادين بشكل مؤثر ومؤلم»…

الفنانون، السياسيون ونحن اللبنانيين بكافة انتماءاتنا وانقساماتنا، وحّدنا شعورنا بالفخر ليل 19 أيار. وكيف لا نفتخر ونتفاءل، والصحافة الفرنسية والعالمية  كانت قد ضجت بفيلم نادين لبكي ووصفته بأنه من أبرز المرشحين للفوز «بالسعفة الذهبية» – الجائزة الأهم التي تمنَح في المهرجان – خصوصاً بعد التصفيق المتواصل لمدة 15 دقيقة الذي حظي به «كفر ناحوم» بعد عرضه الأول ليل الخميس 17 أيار الماضي داخل قاعة «لوميير»، وهي صالة المهرجان الكبرى.

ولم يخيّب «كفر ناحوم» الآمال المعقودة عليه، فكانت مشاركة نادين لبكي الثالثة في مهرجان كان (والأولى ضمن المسابقة الرسمية)  ثابتة، وتمكنت من الفوز بثالث أهم جوائز المهرجان، بعد مشاركة أولى مع فيلم «كاراميل» (سكر بنات) ضمن نشاط «أسبوعي المخرجين» في الدورة 60 عام 2007، ومشاركة ثانية مع «هلأ لوين» الذي عُرض ضمن نشاط «نظرة ما» واستطاع أن يفوز بجائزة فرانسوا شاليه ضمن فعاليات  الدورة 64 عام 2011.

و… هلأ لوين؟ طبعا الى العالمية بعدما استطاع كل من زياد دويري ونادين لبكي ان يفتحا الباب واسعا هذه السنة. ولكن «هلأ لوين» لم يكن السؤال الذي شغل بال مخرجة «هلأ لوين» و«كاراميل» عندما كانت تتحضّر لتصوير فيلمها الروائي الثالث «كفرناحوم».

الأسئلة التي دارت في رأس لبكي كانت عن الأولاد المشردين والمهمشين، ومن نوع «هذا الطفل الذي نراه في الشارع، أين يذهب عندما يختفي عن الأنظار؟ وماذا يحل به؟ من هم أهله؟ وكيف هي حياته»؟ هذا ما كان يهم نادين لبكي التي استعانت كالعادة بشخصيات واقعية ومن الشارع ومخيمات اللاجئين، لتقديم الموضوع الشديد الحساسية حول أطفال مهمشين في عالم لا يحترم حقوقهم.

الفيلم عن سيناريو لجهاد حجيلي ويروي قصة فتى صغير من أطفال الشارع،  إسمه زين ويعاني صعوبات اجتماعية كثيرة، فيقرر رفع دعوى قضائية ضد أهله الذين أنجبوه الى عالم  مليء بالقسوة ولا تُحترم فيه أدنى حقوقه، كما أنهم يضربونه ويمنعونه من الذهاب الى المدرسة.  زين سيهرب من أهله وسيلتجئ الى رحيل، المرأة الإثيوبية التي لا تملك إقامة في لبنان، فتطلب منه رعاية طفلها يونس الذي لم تسجله ولا يمكنها المجاهرة بوجوده، حتى تتمكن من العمل بشكل غير شرعي وتعيلهما.

ومع بطلي فيلمها، الفتى زين الرفاعي (لاجئ سوري يقيم في حي شعبي في بيروت) والإثيوبية رحيل اللذين لم يقفا يوما أمام كاميرا من قبل، سارت نادين لبكي على السجادة الحمراء محاطة بزوجها المنتج ومؤلف موسيقى الفيلم خالد مزنر. ومع زين وخالد صعدت الى المسرح لاستلام الجائزة، وأكدت إيمانها بقدرة السينما ومسؤولية السينمائيين على تغيير الواقع، فالسينما أقوى سلاح للفت الانتباه الى مواضيع معينة.

وبفوزه هذا، يكون «كفرناحوم» أول فيلم لبناني بإنتاجه يفوز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، وثاني فيلم (لبناني بإخراجه) يفوز بهذه الجائزة بعد شريط «خارج الحياة» (إنتاج فرنسي) للمخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي، الذي شارك في مهرجان كان عام 1992.

يبقى أن نذكّر أن فيلم «كفرناحوم» سيتابعه اللبنانيون في الصالات اللبنانية في شهر أيلول الحالي، وستتولى  شبكة راديو وتلفزيون العرب ART (المشاركة في الإنتاج) توزيعه في العالم العربي. أما أميركيًا، فستتولى شركة «سوني بيكتشرز كلاسيك» توزيعه بعدما اشترت الحقوق. وطبعا من شبه المؤكد أن تختار وزارة الثقافة فيلم «كفرناحوم» ليمثل لبنان في الأوسكار، مع الأمل بأن  يحظى بترشيح لأفضل فيلم أجنبي. ولماذا لا تكون «الثانية ثابتة» في الأوسكار، فيتمكن من إتمام الإنجاز الذي بدأه «قضية رقم 23» هذه السنة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل