“المسيرة” – العهد في قوته وفي ضعفه… أين مسؤولية “القوات”؟

"المسيرة" - العهد في قوته وفي ضعفه... أين مسؤولية "القوات"؟ (نجم الهاشم)

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1680:

تتحمل «القوات اللبنانية» مسؤولية مباشرة في أن يكون «العهد»، عهد الرئيس العماد ميشال عون، قويًا وفي أن تكون هذه القوة انعكاسًا لصورة «الجمهورية القوية» عنوان مشروعها السياسي الذي كان رئيسها سمير جعجع قد أعلن ترشحه إلى رئاسة الجمهورية على أساسه واستمر يتمسك به كمشروع إنقاذ للدولة. مسؤولية «القوات» تكمن في أنها لا يمكن أن تقبل أن يفشل العهد أو أن تتشوه صورته طالما أنها كانت شريكة في وصوله إلى بعبدا وطالما أن الفشل سيُحسب عليها كما يُحسب على العهد.

ولكن في رسم صورة العهد في قوته وفي ضعفه حسابات مختلفة وتختلف باختلافها علاقة «القوات» بها من خلال الإشارة إليها بأنها تسعى لتفشيله في الملفات التي يفشل فيها أو الإتهامات التي تُساق ضده، وبأنه عندما ينجح في ملف يكون النجاح له وحده ولا شريك له فيه.

أن يكون العهد قويًا فهذا ما تريده «القوات». وأن يكون ضعيفاً فهذا ما ترفضه حرصًا عليه وعلى شراكتها في تحمّل مسؤولية وصول الرئيس عون إلى قصر بعبدا، وهي في كل حركتها السياسية تسعى لإنجاحه وإلى منع فشله. ولكن يبقى أنها تنجح أحيانا وتفشل في أحيان أخرى.

تبدّت صورة قوة العهد منذ اللحظة التي أعلن فيها رئيس «القوات» سمير جعجع ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية من معراب في 18 كانون الثاني 2016. معالم هذه القوة كانت ناتجة عن قوة تفاهم معراب الذي قلب المقاييس وبدّل في مسار الإتجاهات السياسية وكسر جدار أزمة الفراغ في قصر بعبدا ووضع  الأطراف الأخرى أمام مسؤولياتها. «حزب الله» الذي كان لا يزال يمنع اكتمال النصاب بحجة أن لا رئاسة من دون عون والرئيس سعد الحريري الذي كان يحتاج إلى مزيد من الوقت للإنتقال من خيار ترشيح رئيس تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية إلى خيار تبني ترشيح العماد عون. بانتظار ذلك التحوّل الكبير كان ميشال عون قد أصبح رئيسًا قويًا مع وقف التنفيذ. كانت المسألة مسألة وقت فقط وكانت الصورة أن العماد عون عندما يصل إلى بعبدا سيبدأ رحلة استعادة الجمهورية وهو الذي طالما اعتبر أنه لا يبحث عن الرئاسة بل عن الجمهورية.

تبدّت صورة قوة العهد أيضًا في الإندفاعة المحلية والإقليمية والدولية التي رافقت انتخابه، وفي عدد الأصوات التي نالها في جلسة انتخابه، وفي مشهد العودة إلى قصر بعبدا الذي عادت إليه الأضواء وارتفع العلم اللبناني على ناصيته وكان كل ذلك إيذانا بعودة الروح إلى القصر وإلى الجمهورية.

تبدّت قوة العهد أيضًا بالسرعة التي تمت فيها عملية تشكيل الحكومة وبالثقة الشعبية التي بنت آمالها عليه باعتبار أنه يأتي في لحظة إجماع وفي مرحلة تحالف مع «القوات اللبنانية» يمكن أن تعيد التوازن إلى اللعبة الداخلية، وقد تم ذلك بالفعل من خلال استعادة تسمية معظم الوزراء المسيحيين. ولكن مع لحظة ضعف ظهرت من خلال تحديد حصة «القوات اللبنانية» من دون الأخذ بالإعتبار ما كان تم الإتفاق عليه سياسيًا بين التيار الوطني الحر و»القوات اللبنانية» المكمّل لتفاهم معراب.

تبدّت قوة العهد في أنه استطاع بعد تشكيل الحكومة أن يستعيد دور رئيس الجمهورية في القرار السياسي، وفي أن يكون شريكاً حقيقياً، ولم تكن هذه الإستعادة إلا نتيجة الدفع الذي أعطاه تفاهم معراب للعهد بغض النظر عن الإتهامات التي تم تحميلها لاتفاق الطائف بأنه جعل رئيس الجمهورية منتقص الصلاحيات، فجاء وصول الرئيس عون إلى بعبدا متسلحًا بقوة هذا التفاهم مع «القوات» ليثبت أن قوة الرئيس لم تتبدل وأنه يبقى رمز الجمهورية ورأس السلطات فيها إذا عرف كيف يكون رئيسًا وكيف يمارس صلاحياته التي تبقى موجهة لبوصلة التوازن السياسي بين المؤسسات.

تبدّت قوة العهد أيضًا عندما كان باستطاعة الرئيس أن يضرب بكفه على الطاولة في مجلس الوزراء وأن يقول لا يمكن أن تحصل الإنتخابات على أساس قانون الستين، ولا يمكن أن يتم التمديد للمجلس النيابي، ولا يمكن إلا أن يكون هناك قانون انتخابات جديد يؤمن صحة التمثيل حتى يكون القانون الجديد الذي حصلت على أساسه الإنتخابات، ولم يكن مثل هذا الأمر متاحًا لو لم يكن تفاهم معراب لا يزال في مسار اندفاعته القوية.

كل تلك القوة كان يمكن أن تستمر بفعل هذا التفاهم ولكن ماذا تفعل «القوات» إذا كانت هناك عثرات للعهد لا قدرة لها على إخراجه منها، وإذا كان رئيس التيار الوطني الحر النائب المنتخب في أيار 2018 بموجب القانون الجديد، بعد محاولات سابقة فاشلة، الوزير جبران باسيل أراد أن يتحرر من تفاهم معراب ومن الإتفاق السياسي. فهل من العدل أن تُتهم «القوات» بأنها تتحمّل مسؤولية فشل العهد في الكثير من الملفات؟

ما هي مسؤولية «القوات» مثلاً في الإعتراض على ملف استئجار بواخر الكهرباء الذي فاحت منه روائح الصفقات؟ هل هي وحدها التي وقفت ضد الصفقة التي كان يتم التحضير لها على أساس أنها مضمونة النتائج وسالكة وآمنة؟ ألم يسقط الملف في دائرة المناقصات؟ أليس المطلوب من الوزير باسيل ومن العهد الإحتكام إلى المؤسسات في دولة المؤسسات المفترض أن العهد يرعاها ويحرص عليها؟ هل كان المطلوب من «القوات» أن تغطي الصفقة وتسكت أو أن تطالب بتجاوز دائرة المناقصات حتى لا تُتهم بعرقلة العهد ومحاولة تعطيله؟ ألم يكن هدف «القوات» من كل ذلك الحرص على إنقاذ العهد من هذه القضية التي أصر عليها وزير الطاقة بدعم من رئيس التيار الوطني الحر؟ من يكون يعمل في غير مصلحة العهد؟ هل يمكن تزوير قناعات الرأي العام لو لم تكن المسألة قابلة للتصديق؟ وإلا كيف يمكن تفسير الظاهرة الشعبية الرافضة لتلك الصفقة؟

ما هي مسؤولية «القوات» مثلاً عن «فضيحة» ملف التجنيس؟ هل يجوز وهل يُعقل أن يوقّع رئيس الجمهورية بطريقة غير مقنعة على ذلك المرسوم والقول لاحقا بعدما ظهرت الحملة المشككة بالمرسوم وخلفياته وتبعاته بأن الرئيس غير مسؤول عن الأسماء التي وردت فيه لأنه كان يجب أن يحصل التدقيق فيها مسبقاً؟ هل «القوات» اللبنانية هي التي كشفت هذا الملف واخترعته وسوّقت له، أم أن الملف بما تضمنه من معطيات هو الذي كشف العهد وسجل نقطة ضعف في مسيرته؟ وضمن هذا الإطار ألا يجوز السؤال عن المصير الذي لاقاه هذا المرسوم؟ هل أصبح نافذاً؟ وهل يمكن بعدما تضمن أسماء عدد من السوريين المزايدة في موضوع عودة النازحين؟

هل «القوات» مسؤولة عن اللغط الذي رافق رحلة رئيس الجمهورية إلى نيويورك ووقف رحلة الطائرة التي كان مقررًا أن تقلع إلى مصر وإنزال الركاب منها؟ حتى لو لم يكن خطأ هذه المسألة يقع على مسؤولية الرئاسة، هل كان من الأفضل صرف النظر عن «الطائرة الثانية الإحتياطية»؟ وطالما أن الموضوع أُثير بهذا الشكل المحموم أين تقع مسؤولية «القوات» في الكشف عنه وإثارته؟ وهل «القوات» مسؤولة عن الحادث الذي حصل بين الجيش وقوى الأمن الداخلي يوم الأربعاء 26 أيلول بينما يستعد رئيس الجمهورية لإلقاء كلمة لبنان في الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام العالم كله؟

أبعد من ذلك هل تتحمّل «القوات» مسؤولية اللغط الذي يرافق عمليات التعيينات في الإدارة والسلك العسكري والسلك الدبلوماسي؟

هل تتحمّل «القوات» مسؤولية التوقيفات الإحتياطية التي تحصل على خلفية ما ينشر على مواقع التواصل الإجتماعي؟

هل تتحمل «القوات» مسؤولية الخلاف المستحكم بين وزير الدفاع يعقوب الصراف وقيادة الجيش الذي أخرجه الوزير إلى العلن في حديث مباشر له تحت عنوان «هذه قصتي مع جماعة اليرزة»؟

هل «القوات» مسؤولة عن أداء وزراء التيار الوطني الحر؟ وماذا تفعل إذا كان أداء وزرائها أفضل بكثير؟

هل «القوات» مسؤولة عن تأخير تشكيل الحكومة؟ وهل كان عليها أن لا تسعى لتكون لديها كتلة نيابية وازنة؟ وهل هي مسؤولة عن سوء علاقة الوزير باسيل مع أكثر من طرف سياسي، الأمر الذي ينعكس سلبًا أيضًا على علاقة العهد مع هذه الأطراف طالما أن باسيل لا يفصل بينه وبين العهد؟

الأسئلة كثيرة طالما أن مسيرة العهد مستمرة. ولكن مهما حصل ومهما كانت الإتهامات، فإن «القوات» ستبقى حريصة على أن تكون صورة العهد أفضل وعلى أن تبقى صورة قوة العهد طاغية على صورة الفشل، لأن ما تريده «القوات» هو أن يكون العهد قويًا وأن تكون قوته من قوة الجمهورية. هذا ما سعت إليه «القوات» منذ تبنت ترشيح العماد عون، ومنذ ذهبت إلى تفاهم معراب، وربما يكون الخروج من هذه الصورة التي تلصق بالعهد من خلال العودة إلى روحية تفاهم معراب والإتفاق السياسي الذي كان ملازمًا له. ولذلك اقتضى التوضيح.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل