“المسيرة”: شهادات من قلب المأساة وأسئلة عن مصير المعتقلين اللبنانيين

كتب نهاد طوباليان في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1680:

إنتظروهم أعوامًا… فكروا أنهم سيعودون ويطرقون باب البيت المنسي منذ أعوام، وأنهم سيرجعون ذات يوم من المعتقلات السورية، فإذا بخبر وفاة عدد كبير من المفقودين السوريين قسرًا في تلك المعتقلات يصل الى عائلاتهم. أما خبر الوفاة فمسجل بتواريخ تعود لسنوات عند إستصدارهم شهادات ميلاد عائلية، بدءا من حزيران الفائت. أكثر من ذلك، فقد تبيّن لهم أن نظام بشار الأسد  باشر بإرسال قوائم بالمتوفين في سجونه إلى دوائر نفوس القرى والبلدات في كل المحافظات منذ شهر آذار الفائت، لترتفع وتيرة الإعلان عن الوفيات بالطريقة نفسها منذ حزيران حتى أواخر آب.

أسلوب إعلان النظام عن وفاة آلاف المعتقلين السوريين، حرك منظمات حقوق الإنسان السورية والعالمية، وحقوقيين لتوثيق شهادات الأهالي لرفع دعاوى في حق النظام في محاكم عالمية مختصة، على خلفية وفاتهم تحت التعذيب. وفتح باب الشك حول مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وعاد السؤال ليطرح من جديد: وينن؟

وفق تقرير مفصل  أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 27 آب الفائت، يرتكز على شهادات وبيانات موثقة، فإن النظام السوري بدأ في أيار 2018 بالكشف عن مصير عدد كبير من المخفيين قسرًا في معتقلاته، عبر التلاعب ببياناتهم في السجل المدني، وتسجيلهم على أنهم متوفون.

وأشار التقرير إلى أن النظام كشف عن مصير حوالى 836 شخصاً، من دون ذكر سبب الوفاة، ولم يقم بتسليم الجثث للأهالي، بعدما أنكر النظام سابقاً وجود مخفيين قسرًا في المعتقلات التابعة له، مقابل التخوف من أن يلقى حوالى 85 ألفاً مخفي قسرًا المصير نفسه، بانتظار الإعلان عنهم تباعاً بالطريقة نفسها.

وبيّنت قاعدة بيانات الشبكة أن حصيلة الذين قتلوا في سجون النظام بسبب التعذيب، بلغت حوالى 14 ألفاً منذ آذار 2011 حتى آب 2018، وتبيّن أن 28 شخصاً فقط كانوا مسجلين مسبقاً لدى الشبكة على أنهم قضوا تحت التعذيب، و9 في المئة من حالات الوفيات الجديدة كانت من عداد المخفيين قسرًا.

وبحسب التقرير، فإن جميع المعلن عن وفاتهم  قضوا بسبب التعذيب، بإستثناء 37 حالة وفاة صدرت في حقها أحكام إعدام عن محكمة الميدان العسكرية.

وبلغ عدد الحالات المسجلة في محافظة ريف دمشق 193 حالة وفاة، و146 في محافظة حمص، و141 في محافظة الحسكة، و117 في محافظة حماة، و92 في محافظة دمشق. ووثقت الشبكة 78 حالة في محافظة درعا، و29 في محافظة إدلب، و23 في محافظة اللاذقية، و8 في محافظة حلب، و6 في محافظة دير الزور و 3 في محافظة السويداء.

وتبعاً للتقرير، فإن المتوفين الجدد الذين كشف النظام عن مصيرهم، إعتقلوا بين العامين 2011 و2012، وكانوا مخفيين قسرًا في سجن صيدنايا العسكري، والفرع 215، والفرع 227. وبيّنت تحاليل الشبكة أن 41 حالة وفاة تربط أصحابها صلات قربى كالأخوة والأبوة والعمومة.

ومن بين المتوفين المعلن عنهم ما لا يقل عن 22 ناشطاً في الحراك الشعبي، و10 طلاب جامعيين، ومهندسين، و3 رياضيين، و4 معلمين و3 رجال دين، من بينهم أحد أبرز وجوه الثورة السورية السلمية، ومحركها عند إنطلاقتها في مدينة داريا، ومطلق مبادرة توزيع الورود والمياه على جنود النظام، وأحد مؤسسي لجان التنسيق المحلية في سوريا يحيى طه شربجي وشقيقه محمد.

وكان الشقيقان قد إعتقلا في 5 و6 أيلول 2011، بعدما سبق واعتقل يحيي في العام 2003 بتهمة توزيع منشورات تدعو الى التوعية وحض المواطنين على مكافحة الرشوة.

 

· أرقام منظمة العفو الدولية

أكدت منظمة العفو الدولية أنه تم قتل 17723 معارضاً للأسد، وهم قيد الاحتجاز، خلال الفترة الواقعة ما بين مارس/آذار 2011 وديسمبر/كانون الأول 2015، مشيرة، وبحسب تقديراتها الخاصة كما قالت، إلى مقتل ما بين 5000 معتقل إلى 13 ألفاً، في سجن صيدنايا وحده، وتم «إعدامهم خارج نطاق القانون»، بحسب تقرير المنظمة الصادر في شهر فبراير/شباط 2017.

وكانت آخر التقارير الإخبارية قد أحصت نهاية العام 2017 عدد المعتقلين المعارضين في سجون الأسد بأكثر من 220 ألف معتقل، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

 

· المعتقل السابق علي أبو دهن:  حان الوقت لتحريك ملف المعتقليين اللبنانيين في السجون السورية

ما من سجن إلا وحل فيه بين 1987 وأواخر العام 2000، فخبر كل أنواع التعذيب. إنه إبن حاصبيا رئيس لجنة المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية علي أبو دهن، الذي أمضى 13 عاماً في المعتقلات، وخرج منها ليروي بكتابين «عائد من جهنم» و» المعتقلون اللبنانيون في السجون السورية  – الخارجون من القبور»، والمشارك الرئيسي بفيلم» تدمر» التوثيقي لمونيكا بورغمان والمفكر السياسي لقمان سليم، وحاز على 4 جوائز عالمية بمهرجانات دولية للسينما ، فيما منع عرضه بالصالات اللبنانية.

عند سؤاله عن التعذيب بالسجون السورية، يختصر أبو دهن المشهد المستعاد بذهنه بالقول: «لا يوصف». وأكمل: «زرت سجون فرع المسلخ وفرع فلسطين وفرع التحقيق، ومنها إلى سجن تدمر حيث العذاب المر والمميت. الموت الأحمر هو الوصف الذي أطلقه على تلك السجون، لغياب الرحمة والشفقة، والويل لمن يقع بأيديهم، إذ يعتبر خائن ويعمل ضد الأسد».

وروى أبو دهن: «كان السجانون يرددون على مسامعنا وهم يعذبوننا، أن «سيادة الرئيس حافظ الأسد منع الله من دخول سجن تدمر»، وبأن كل سجان منهم «هو الله، وإن لم تصدقوا، سنقتل لبنانيًا أمامكم». كان الرفاق يموتون تحت التعذيب،  بلحظة ، ولا نعرف بعدها مصير جثتهم».

وأضاف أبو دهن: «معظم اللبنانيين والسوريين ممن توفوا بالسجون، لم تسلم جثامينهم لإهاليهم. لذا، أقول إن الموت بهذه السجون كان رخيصاً جداً. كنا نشتهي رغيف الخبز من الجوع، عدا عن غياب كل المقوّمات الغذائية والصحية والنظافة».

وعن عدد المعتقلين اللبنانيين لليوم، قال: «وفقاً لما سبق ووثقنا مع الأهالي، ومن التقيناهم خلال الأسر، وصل الى 629، خرج منهم شخصان في 2011، ليبقى 627 سجيناً».

وعن وثائق الوفاة التي يصدرها النظام السوري، علق أبو دهن: «هناك حوالى 700 ألف معتقل سوري معظمهم متوف. باشر النظام بإنهاء ملفهم عبر إرسال إبر مخدرة لكل قرية، وبإعلانه عن وفاة بين 70 و200 إسم، ما يدفع بأهالي الآخرين التمني بأن يكون أبناؤهم أحياء. إنهم يخدرون الشعب، ويتنصلون من مسؤولية موتهم».

ورأى أبو دهن في معرض كلامه أنه في الوقت الذي فتح فيه الملف في سوريا «المطلوب من الدولة اللبنانية بشخص رئيس الجمهورية التحرك، لا سيما وأن هناك عسكريين في السجون السورية، مفقودين منذ كان قائداً للجيش. على الرئيس تحريك الملف من موقع قوته وعلاقته الجيدة بالرئيس الأسد، أو عبر وزير الخارجية جبران باسيل والطلب من السفير السوري في لبنان معرفة مصير 627 معتقلاً موثق إعتقالهم، وتحديد فترة زمنية محددة لمعرفة مكانهم».

· المعتقل السابق الدكتور جوزف هليط:

أساليب التعذيب لا يتصوّرها عقل

2955  يوماً، هي الفترة التي أمضاها طبيب الصحة العامة، والإختصاصي بطب السجون، الدكتور جوزف هليط في السجون السورية، من بينها 1600 يوم في السجن الإفرادي. وشهد بين 1992 حتى تاريخ خروجه من السجن في 11 كانون الأول 2000، على شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وكل ذلك لأنه منضوٍ في صفوف «القوات اللبنانية».

عن مرحلة إعتقاله، روى الدكتور هليط: «إعتقلت بداية في سجن إفرادي بفرع فلسطين، لفترة 1600 يوم، حيث خضعت لأبشع أنواع التعذيب بمرحلة التحقيق، عدا عما يعنيه السجن الإفرادي بحد ذاته. تعرضت لضرر جسيم بزندي، ونقلت للمستشفى، لكنهم رفضوا إخضاعي لعملية جراحية، لذا، وبصفتي طبيب، عمدت لإدخال العصب بملعقة بلاستيك، وضمدت جرحي بكيس نايلون الذي كان وسيلتنا لتدفئة رؤوسنا وأقدامنا».

وتابع الدكتور هليط: «نقلت بعدها إلى سجن المزة ومنه إلى سجن صيدنايا، حيث كنا 43 سجيناً لبنانيا. لم يعرف أهلي عني شيئاً طيلة 4 أعوام، وزاروني 4 مرات فقط طيلة فترة إعتقالي التي تعرضت فيها لأبشع ما يمكن أن يتصوره عقل إنسان من أساليب تعذيب وذل. وكنت أطبب المعتقلين بما تيسر من دواء».

لا يعرف الدكتور هليط بالتحديد عدد اللبنانيين في السجون السورية، لأنه بحسب قوله «كثر كانوا في سجن تدمر، ولأن هناك عشرات السجون، لوجود 17 جهازًا أمنيًا وعسكريًا». وأوضح: «وضعت في سجن المزة بمهجع يضم لبنانيين، خرج منهم 121 في العام 1998. أما في صيدنايا، فكنا 43 لبنانياً، وعندما أطلق سراحي، وصلت لبنان مع 56 شخصاً، ما يعني أن عدد اللبنانيين في هذه السجون كبير».

وعما إذا حان الوقت للحكومة اللبنانية لفتح هذا الملف والسؤال عن مصير اللبنانيين، قال الدكتور هليط: «سبق وفتح الملف إبان حكومة الرئيس سليم الحص في العام 2000. المطلوب لجنة دولية للتحقق من مصير المعتقلين اللبنانيين، كما ومطلوب من الدولة إقرار قانون التعويضات للمعتقلين في سجون سوريا المقدم من قبل نواب «القوات» منذ 2008، ومساواتنا بمعتقلي السجون الإسرائيلية، كما العمل على تحقيق إندماج المعتقلين سابقاً بالمجتمع».

وختم الدكتور هليط: «نريد رد الإعتبار لبعض من كرامتنا».

· فايز سارة : خلّف نظام الأسد جيلاً من الأطفال من دون أهل وأقارب

في 3 شباط 2014، توفي وسام سارة، نجل عضو الهيئة السياسية في الإئتلاف السوري المعارض فايز سارة، بسبب تعرضه للتعذيب، أثناء إعتقاله في أحد سجون دمشق، منذ كانون الأول  2013. وكان نجل المعارض المسيحي قد إعتقل للمرة الأولى مع شقيقه الأكبر بسام في ربيع 2012، لكونه كان ناشطاً في الحراك السلمي في الثورة السورية.

يومها، كتب والده فايز على صفحته على الفيسبوك «إنضم وسام إلى قافلة شهداء سوريا، شاباً في السابعة والعشرين من عمره، وهو أب لولدين».

واليوم، ومع ما يصدره النظام من وثائق وفاة بحق المعتقلين السوريين، قال المعارض فايز سارة لـ»النجوى ـ المسيرة»: «لم يكن إبني الوحيد الذي توفي تحت التعذيب، إنما هناك جيل من الشباب والأطفال والنساء الذين يتعرضون لهذه المسيرة الدموية المستمرة منذ ايام الأسد الأب، أي منذ 1970 إلى اليوم».

وأضاف سارة: «إلا أن النهج الذي نشهد لإندفاعته المجرمة لا يمكن وصفه، إذ تفوّق على أبرز الطغاة في التاريخ، بمن فيهم هتلر، إذ تفوّق عليه بسجله الدموي والوحشي. عدت لكتب التاريخ لمقارنة أحداثه بما يحصل في سوريا، ولن أبالغ إن قلت إني لم أجد ما يشبه ما يعتمده النظام من أساليب قذرة في قتل السوريين، أكان بالبراميل أو السكاكين، عدا عن التعذيب النفسي والجسدي والتجويع والإهمال الطبي عمداً، وما يخترعه من أساليب قذرة داخل السجون، تضع المعتقل أمام أسوأ أشكال الموت اللإنساني».

وتابع سارة: «إبني وسام واحد من الشباب الذين لا يستحقون القتل، لأنهم كانوا يطالبون سلمياً بحقهم بالحياة، وبأن يكونوا بشراً لا عبيدًا. ترك أبني زوجة بعمر ال25، وطفلين إثنين لم يتجاوز البكر الخامسة من عمره. رحل بسبب هذه السياسة الحقيرة. وإذا فقدت ولداً، هناك عائلات فقدت معظم أبنائها، ولربما الأب والأم أيضاً، وبات أطفالهم بلا أهل».

ورأى سارة «أننا كسوريين اليوم أمام جيل من الأطفال السوريين في سوريا والمهاجر، من دون أم وأب وأقارب، بسبب قذارة النظام».

وعن طريقة إعلان النظام عن وفاة المعتقلين وأسبابها، قال سارة: «إنها ليست بطريقة، لكن على ما يبدو أن هناك ضغوطات على النظام لإغلاق هذا الملف من قبل روسيا وإيران، عبر إعلان وفاتهم». وإستطرد: «لا يمكن معرفة عدد المتوفين، لدخول أكثر من 250 ألف معتقل ومخفي قسرًا المعتقلات السورية. وبالتالي، لا يمكن لأي نظام في العالم الإعلان عن وفاة هذا العدد دفعة واحدة، لذا، يسرب كل فترة أسماء مجموعة محدودة، بلغ عددها لليوم 10 آلاف، بحجة الوفاة إما بجلطة ومرض أو جوع، لأنه لن يقول إنه قتلهم، علماً أنه المسؤول عن وفاتهم بسبب ظروف الإعتقال».

وتابع سارة: «عندما إنطلقت الثورة في درعا، كانت سلمية وحافظت على سلميتها، ووزع الأهالي الماء والورد على الجنود، برغم إطلاق الرصاص عليهم. لذا، كان يجب محاكمة النظام عندما أطلق رصاصاته تلك، لكن المجتمع الدولي قصّر بحق السوريين، وبحق العدالة وحقوق الإنسان. وبدل من ردعه، منح المجتمع الدولي صكاً لنظام الأسد».

وتمنى سارة أن «لا يتكرر ما حصل»، ورأى أن ضغوطات  قوى مثل روسيا وإيران لعودة النظام إلى المجتمع الدولي ومحيطه العربي والإقليمي «مسيئة بحق دم السوريين، لأن الدم يقطر من يدي النظام، والحبل على الجرار».

(يتبع)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل