“المسيرة”: مقابر معتقلات النظام السوري: موتى بلا جثث

مقابر معتقلات النظام السوري: موتى بلا جثث

شهادات من قلب المأساة وأسئلة عن مصير المعتقلين اللبنانيين (2)

كتبت نهاد طوباليان في مجلة المسيرة العدد 1680:

 

إنتظروهم أعوامًا… فكروا أنهم سيعودون ويطرقون باب البيت المنسي منذ أعوام، وأنهم سيرجعون ذات يوم من المعتقلات السورية، فإذا بخبر وفاة عدد كبير من المفقودين السوريين قسرًا في تلك المعتقلات يصل الى عائلاتهم. أما خبر الوفاة فمسجل بتواريخ تعود لسنوات عند إستصدارهم شهادات ميلاد عائلية، بدءا من حزيران الفائت. أكثر من ذلك، فقد تبيّن لهم أن نظام بشار الأسد  باشر بإرسال قوائم بالمتوفين في سجونه إلى دوائر نفوس القرى والبلدات في كل المحافظات منذ شهر آذار الفائت، لترتفع وتيرة الإعلان عن الوفيات بالطريقة نفسها منذ حزيران حتى أواخر آب.

أسلوب إعلان النظام عن وفاة آلاف المعتقلين السوريين، حرك منظمات حقوق الإنسان السورية والعالمية، وحقوقيين لتوثيق شهادات الأهالي لرفع دعاوى في حق النظام في محاكم عالمية مختصة، على خلفية وفاتهم تحت التعذيب. وفتح باب الشك حول مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وعاد السؤال ليطرح من جديد: وينن؟

 

بعد سبعة أعوام من إنقطاع أخبارهما، تبلغت العائلة في 15 حزيران الفائت أنهما في عداد المتوفين من خلال شهادة ميلاد عائلية تسلمتها من دائرة سجل النفوس. وفوجئت بوفاة يحيى في 15 تشرين الثاني 2013، ومحمد في11 كانون الأول 2013.

وروى شقيقه رجل الأعمال أحمد شربجي الموجود في تركيا راهناً: «كان يحيى من أهم المطلوبين من النظام بسبب فكره الحر. إعتقل في المرة الأولى عام 2003،  لفترة أربع سنوات ونصف، وأمضى خلالهما عامين ونصف في سجن إفرادي. وكان أول من إستقبل الربيع العربي، وقاد الحراك في داريا في بداية الثورة السورية. وكان همه إبقاءها سلمية»، ويردد: «أن أكون مقتولاً خير من أن أكون قاتلاً».

وعن كيفية إعتقاله، روى لـ«النجوى ـ المسيرة»: «إعتقل شقيقي محمد مساء 5 أيلول 2011، وبعد الضغط عليه بالتعذيب، إتصل صباح 6 أيلول بشقيقي يحيى، وأبلغه بأنه مصاب وموجود في مدينة صحنايا المحاذية لداريا، قرب بيت عمي. فتوجه يحيى وبعض أصدقائه لنجدته، ليتبيّن أن كميناً نصب له من قبل فرع المخابرات الجوية السورية بقيادة اللواء جميل حسن».

تابع شربجي: «عاشت العائلة فترة طويلة على معلومات متضاربة حول مكان إعتقال شقيقي يحيى ومحمد حتى منتصف العام 2014، لتنقطع أخبارهما نهائياً، حتى تاريخ 15 حزيران الفائت، وبعد شيوع خبر إرسال النظام بعض قوائم للمتوفين لدوائر النفوس. عندها، توجه أفراد من العائلة إلى الدائرة، وإستخرجنا شهادة ميلاد عائلي، لنفاجأ بإن يحيى متوفى في 15 كانون الثاني 2013، ومحمد بتاريخ 11 كانون الأول 2013. وعلمنا لاحقاً من مذكرات أحد المعتقلين الذي ما زال على قيد الحياة، أنه جرت محاكمة يحيى وأصدقائه من داريا برئاسة القاضي محمد كنجو، وحكم عليه وإثنين آخرين بالإعدام، وأن الحكم نفذ بعد فترة من صدوره».

لا يخفي أحمد شربجي حزنه على مصير شقيقيه. ويروي بأسى: «كان يوم إعتقاله ثقيلاً على والديّ اللذين كانا في منزله. أصيبا بصدمة كما أهل المدينة، لأنهم شعروا بخسارة المحرك الرئيسي لأفكارهم ونشاطهم، خصوصاً وأن يحيى كان مثقفاً ومطلعًا على كل تجارب التحولات الديمقراطية في العالم، وكان يؤمن بالتغيير السلمي، وبضرورة سير العدالة في وطنه، وبقيمة الإنسان وقيم الحرية والمساواة والشفافية».

وأضاف: «كنا نعيش على أمل، ولو أحياناً كاذبًا، على أنهما حيين. لكن، بعد إستخراجنا شهادات الميلاد، فقدنا الأمل، ولا نعتقد بوجودهم أحياء لدى مجرمين مشهود لهم بالقصف ببراميل المتفجرات، واعتمادهم أساليب تعذيب لا يتصورها عقل إنسان. صحيح أن خبر وفاتهما منذ فترة طويلة هو جريمة أخرى تضاف الى الجريمة الحقيقية للنظام، لكن هناك شعورًا داخليًا نردده مع الوالدين الحمدلله إنهما توفيا من زمن طويل وإرتاحا، بدل بقائهما حتى اليوم تحت التعذيب لفترة أطول على أيدي المجرمين».

وختم شربجي كلامه بالقول: «بعدما عرفنا مصير شقيقي، نسعى لرفع دعوى، وكل ما تتمناه سائر العائلات عودة أبنائها. ونطالب بتحقيق العدالة لكل من قتل، وفق القوانين الإنسانية العالمية، كي لا يكرِّر مجرمون آخرون مثل هذه الأفعال».

في سياق متصل، أوضح رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان الدكتور فاضل عبد الغني  لـ «النجوى ـ المسيرة» أن «الشبكة «توثق الظاهرة البربرية لنظام بشار الأسد، والمتمثلة بطريقة تبليغ ذوي الأشخاص المفقودين قسراً بوفاة أولادهم، بدل إبلاغهم مباشرة نبأ وفاتهم. أبلغهم عن طريق دوائر النفوس، حيث بالصدفة يتلقى الأهالي الخبر الحزين، ليبادروا بعدها لمعرفة مصير غيرهم من الأقارب عبر هذه الدوائر».

ووفق عبد الغني «بادرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في رصد هذه الظاهرة، عبر توثيق حالات الوفاة، ونشرت تقريرين، على أن تنظم فعاليات على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لفضح ممارسات النظام في حق المعتقلين والمخفيين قسراً، بعدما سلط الضوء عليها في الإعلام العربي والعالمي».

ما تضمنه تقريرا الشبكة، تابع الدكتور عبد الغني «تم بناء على تواصلنا مع عدد كبير من العائلات التي زوّدتنا بالمعلومات، وحصولنا على قوائم الأسماء من دوائر النفوس». وأوضح: «قاربنا معلوماتنا بسجل المخفيين قسرًا لدى النظام ولدى سائر الأطراف، وسجلنا من توفوا تحت التعذيب. فوجدنا أن من سُجلت أسماؤهم في وثائق الوفيات بلغ عددهم 863، عدا عن الذين توفوا في أوقات سابقة تحت التعذيب».

ولفت عبد الغني إلى أن حالات الوفيات في السجون السورية «شملت معظم المحافظات السورية، حيث كانت البداية بدوائر نفوس محافظة اللاذقية وحمص، ومن ثم في محافظات الحسكة ودمشق، فدرعا وإدلب، لتشمل لاحقاً غالب سوريا».

«من تم كشف مصيرهم، هم سجناء حرية التعبير، ونشطاء إغاثة ونشطاء الحراك الشعبي، وأشخاص عاديون «إعتقلوا بطريقة وحشية وعنيفة، من دون مذكرات توقيف، ووجهت إليهم تهم هم براء منها»، قال عبد الغني، وأضاف: «إعتقالهم أقرب لعملية خطف».

وفيما أعلن النظام وفاتهم طبيعياً في السجون، رجح عبد الغني ظروف وفاة الغالبية «بسبب التعذيب، والبعض الآخر بسبب صدور أحكام إعدام في حقهم من قبل محكمة الميدان العسكرية، والتي نعتبرها محكمة إجرامية وإبادية، تحكم بشكل مباشر، ومن دون وجود محامي دفاع».

ورأى عبد الغني  أن من أعلن النظام وفاتهم بدوائر النفوس «لم تسلم جثثهم لذويهم، ما يعني أنه، بموجب القانون الدولي ونظرًا لعدم كشف التحقيق عن أي من الجثث، هم مخفيون قسرًا»، وإن أعلن النظام وفاتهم، من دون توضح أسباب الوفاة.

وأضاف عبد الغني: «وثقنا بين أيار وأواخر آب الفائت، 863 حالة وفاة، من دون الإعلان عن السبب، ما يعني أننا أمام تاريخين إثنين، الأول تاريخ التسجيل في دوائر النفوس وتاريخ الوفاة الذي أعلن عنه النظام، ولا نعرف ما إذا كان صحيحاً أم لا. والسؤال  الذي نطرحه : كيف ماتوا ضمن مراكز الإحتجاز؟ إننا نتهم النظام بالتسبب بوفاتهم تحت التعذيب، وسوء المعاملة والرعاية الطبية، وبكشف مصيرهم بطريقة ناقصة، وهو الجهة المتهمة أصلاً بوفاتهم».

واعتبر عبد الغني أن إعلان النظام عن وفاة المعتقلين يهدف «لمعرفة رد فعل المجتمعين السوري والدولي. فإذا تبيّن له أنه جاء متواضعًا، سيستمر بإعلانه عن المزيد من الوفيات، وقد يصل الرقم وفق داتا معلوماتنا الى حوالى 180 ألف سوري مخفي قسراً، من بينهم نساء وأطفال ومسنون، مع علمنا المسبق أنه لن يعلن عن وفاة كامل العدد، إنما عن بضعة آلاف منهم، لإنهاء هذا الملف». بهذه الطريقة، تابع عبد الغني «سيعلن إنتصاره، وسيدفع النظام الناس لتقبل الوضع وتأقلمهم معه. إلا أن هذه القضية لن تنتهي مع المنظمات والنشطاء».

ولفت عبد الغني إلى أن الشبكة «إلتقت بلجنة التحقيق الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة في إسطنبول، وطلبت منها إجراء تحقيق، لكن النظام لن يقبل بدخول أي لجنة إنسانية وحقوقية الأراضي السورية لإجراء تحقيق شفاف، ما يعني أنه يخفي شيئاً».

وأبدى عبد الغني تخوفه تجاه مصير المعتقلين الآخرين. وقال: «لدينا تخوف من إستمرار النظام بتعذيبهم بماكينته السادية المخلفة للمزيد من الضحايا. أما الأخطر، فيتعلق بما إذا إستمر الضوء الأخضر لعمليات التعذيب غير المسبوقة، ما يعني إستمرار النظام بإستباحة السوريين الممسوكين بقبضته الوحشية في سجونه، وتعذيبهم حتى الموت، عدا ما يشنه من إعتقالات جديدة  في مناطق المصالحات، ما يعني أننا سنكون أمام مجزرة إنسانية جديدة».

وختم عبد الغني: «إن مصير المعتقلين في غاية السوداوية، لأنهم محكومون بأعتى وأقسى أنظمة العالم وحشية».

أما الناشط والحقوقي السوري المقيم في برلين، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أنور البني، فوصف ما قام به نظام الأسد ب»أبشع وأشنع الجرائم التي حصلت في التاريخ»، وقال لـ»النجوى ـ المسيرة» إن «تجاهلها والسماح لمرتكبيها بالإفلات من العقاب، سيفتح أبواب جهنم على العالم كله».

أضاف البني: «تقدمنا كمجموعة حقوقيين وكمركز بالتعاون مع المركز الأوروبي للدستور وحقوق الإنسان، بأربع دعاوى أمام القضاء الفدرالي، كونها معنية كما محكمة الجنايات الدولية باوضاع المعتقلين والسجون والموت تعذيباً. وإستهدفت 27 قيادياً، بمن فيهم بشار الأسد، بصفتهم متهمين بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية. وبعدما قبلت الدعاوى، صدر في 27 حزيران الفائت أول قرارعالمي  في حق رئيس إدارة جهاز المخابرات الجوية اللواء جميل حسن، لإعتباره أحد أبرز المسؤولين عن عمليات القتل».

وفيما يستمر المركز بمتابعة مسار الدعاوى في إلمانيا والنمسا التي  قبلت الدعوى المرفوعة في أيار الفائت، وبوشر العمل عليها  مطلع أيلول الجاري، أوضح البني أنه بعد إتهام الحسني «أصبح جميع من رفعنا في حقهم دعاوى مطلوبين للقضاء الدولي حكماً».

واعتبر البني أن وثائق الوفاة التي أصدرها النظام «تشكل إدانة للمسؤولين، وتورط السياسيين بإرتكاب هذه المجزرة في السجون، وإن برروا الوفاة لأسباب طبية وصحية». وقال: «حصلت الوفيات في عهدهم وعهدتهم، وطالت آلاف المواطنين، ولم يخبروا الأهالي بتاريخ الوفاة، التي حصلت منذ 4 أعوام».

واعتبر البني أن «عدم تسلم الأهالي جثث أزواجهم وأولادهم، هو بمثابة أدلة جديدة لإثبات الدعاوى». ولفت إلى أن ملف المتوفين في السجون السورية «يُحرّك في عدد من الدول الأوروبية التي تعترف بحقوق الإنسان، ونسعى لرفع المزيد منها لنطال مسؤولين آخرين، فيما همنا الأول الوصول لبشار الأسد كأحد أبرز المتهمين».

ووفق أبحاث «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية» المبنية على شهادات، هناك حوالى 150 ألف معتقل ومخفي قسرًا، إضافة الى شهادات ومعلومات تؤكد وفاة أكثر من 70 ألف معتقل ومخفي، وفق البني الذي علق قائلاً: «إننا أمام رأس جبل جليد بحجم الجرائم المرتكبة ولا تزال ترتكب».

وأضاف: «كل ساعة يموت معتقل في السجون السورية، وعلى رغم كل الجهود والوعود بمؤتمرات جنيف ووعود موفد الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دوميستورا،  لم يستطع أحد إيقاف آلة القتل والموت أو الحد منها. ندرك أن لا حل لهذه القضية إلا بسقوط النظام ومحاكمة المجرمين. لكن لليوم، ما زال الملف في قبضة النظام الذي لم يستجب لحلفائه لجهة إطلاق سراح معتقل واحد. إنه لا يتنازل عن الملف للتفاوض عليه، للنجاة بحياته مع عائلته. إنه حريص على ان لا يحله إلا بنهاية الأزمة».

وفي وصفه لإرتكابات النظام بحق المعتقلين، قال البني: «تفوّق على هتلر بما لديه من أساليب تعذيب، ما يجعل منه أكبر نظام إجرامي عبر التاريخ. ربط المنطقة بإجرامه وجرائمه، كلبنان مثلاً، ولا خلاص منه إلا بزواله». واعتبر أن وثيقة الوفاة «وثيقة رسمية صادرة عن المجرم، وباعتراف كامل تؤكد مسؤولية النظام السوري الكاملة عن الاعتقال وعن موت المعتقل مهما كان سبب الوفاة».

وبعدما شدد البني على مسؤولية النظام لجهة «إخفاء الجثث وطمس معالم الجرائم»، قال: «إن الكشف عن هذه القوائم بهذا العدد الكبير يؤكد المنهجية والنطاق الواسع للجرائم والمسؤولية الجنائية لكل أركان النظام عنها بما فيها المستوى السياسي والوزاري الذي شارك بها، بما يؤكد أنها جريمة مكتملة ضد الإنسانية، ولا يمكن دحضها ولا إنكار مسؤولية كل أركان النظام عنها».

إلى ذلك، أكد الناشط السوري المعارض في المحافل الدولية المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، المحامي ملهم الحسني لـ»النجوى ـ المسيرة» على صحة إرسال النظام للوائح «لأني تواصلت مع بعض الأهالي الذين تسلموا نبأ وفاة ذويهم في معتقلات نظام الأسد». وأضاف: «علمنا من إحدى العائلات بأن النظام طلب منهم التوجه الى أحد المستشفيات العسكرية بعدما أعلمهم بوفاة إبنهم. فتوجهوا إليها مسرعين، إعتقاداً منهم بأن النظام سيسلم جثته، لكنهم فوجئوا بتسلمهم بطاقته الشخصية وبعض أغراضه الشخصية  فقط».

ولمعرفة  العدد الإجمالي للمتوفين في السجون السورية، أشار الحسني إلى أن منظمات حقوقية سورية ونشطاء «يعملون على  توثيق الشهادات التي أعلن عنها النظام مؤخرا». وعلق: «لا يوجد رقم محدد. لكننا نعتقد ان ما تم الإعلان عنه للآن تجاوز السبعة آلاف معتقل من عدة مدن سورية، وثق منها 1000 إسم من مدينة داريا وحدها». وعما إذا تمت تصفيتهم داخل السجون، أوضح الحسني: «يعلم القاصي والداني ما يقوم به النظام  داخل المعتقلات منذ سبعة أعوام على انطلاق الثورة السورية. هناك شهادات كثيرة ممن نجوا من سجونه وتعرضوا لأقسى أنواع التعذيب، وتحدثوا عما شاهدوه من إعدامات ميدانية وتصفية جسدية وتعذيب حتى الموت. وأضاف: «ما من عائلة سورية إلا ولديها معتقل لدى النظام. يعيش الشعب السوري مرارة التعذيب  حتى الموت منذ أيام حافظ الأسد الأب وصولاً الى بشار الإبن. ما يقوم به النظام خطير، ويرتقي الى جرائم حرب ضد الإنسانية بحسب القانون الدولي».

ورجح الحسني سبب إقدام النظام على إعلان الوفاة  ل«الضغوط الدولية، ومحاولات فتح ملفهم في مؤتمر الأستانة بين روسيا وتركيا وإيران، للكشف عن مصير المعتقلين في سجونه». وعلق: «يسعي  النظام للتخلص من هذا العبء السياسي والإنساني الذي يلطخ صورته، ولعدم ملاحقته قانونيا في المحافل الدولية».

واعتبرالحسني أن ملف المعتقلين والمفقودين «يشكل عقبة أمام التسويات التي تعثرت، ويمثل إحراجاً للوفود السورية الرسمية التي عجزت عن الدفاع عن «السجل الأسود» للنظام السوري في هذا المجال».

وبهدف وضع حد للإنتهاكات بحق المعتقلين، قال الحسني: «إننا  كسوريين ونشطاء مجتمع مدني وحقوقيين، نبذل كل جهودنا للضغط على الرأي العام العربي والغربي، وفضح الانتهاكات التي يقوم بها نظام الأسد ضد الشعب السوري. نتحرك لإيقاف تلك المحرقة التي تجري على يد النظام وحلفائه المحتلين وللإفراج عن جميع معتقلي الرأي في سوريا».

وبالنسبة للإجراءات القانونية، لفت إلى الدور الذي تلعبه مؤسسات حقوقية سورية من خلال إحالة الملفات الى المحافل الدولية، من خلال قانونيين وحقوقيين سوريين معروفين بوطنيتهم وإخلاصهم وتفانيهم في الدفاع عن حقوق الإنسان. وخلص الى الإشارة إلى أنه «كما كنا منذ اندلاع الثورة السورية، سنبقى نناضل بنفس الحراك السلمي، حتى تحقق الثورة أهدافها، أي الحرية والكرامة والعدالة لجميع فئات الشعب السوري. لن نتنازل عن حقنا في المطالبة بمحاسبة جميع القتلة، ومرتكبي الجرائم وعلى رأسهم بشار الأسد ونظامه، ودحر الاحتلالات الأجنبية من بلادنا، وخصوصًا المليشيات الطائفية التي وفدت من بعض الدول المجاورة، كـ«حزب الله» اللبناني والمليشيات العراقية والإيرانية والأفغانية وغيرها».

·         حين يكتب الإبن لحظات زَفِّ نبأ وفاة الأب والعم للأشقاء الصغار

بعدما تلقت عائلة شربجي خبر وفاة إبنيها يحيي ومحمد في المعتقل، كتب عبيدة إبن محمد، كلاماً مؤثراً، عبّر فيه عن كيفية تعاطيه مع خبر الوفاة، وواصفاً دوره الصعب في إخبار أفراد العائلة من أشقائه وجديه بالمصاب الأليم، بنص جاء فيه:

لم يكُن الأمر جسيماً بالنسبة لشاب عاشَ شيئاً من طفولته مع أبيه، إنما كانت مشكلة أن أخبر أخوتي الصغار بهذا الأمر.

كان أمراً متوقعاً أن يأتينا خبر استشهادهم، عاجلاً أم آجلاً سيأتي. تُجهّز ذاتك، تقويها نفسياً بحيث تعتقد أن الخبر لن يؤثر فيك عندما يصل، ثم يأتي ليضرب بالقوة النفسية عرض الحائط، لتتحطم داخلياً وخارجياً، لولا الإيمان لما وقفتُ ثانيةً.

مهدّتُ لهم أولاً بإخبارهم عن منزلة الشهداء عند ربهم، وأنهم ما إن يموتوا، ينتقلون إلى الجنة ليلتقوا بالنبيين والرسل، من دون حساب، وسألتهم: هل ستحزنون على بابا وعمو إن كانوا شهداء؟

قال إبني: نعم قليلاً لكنني سأفرح ما داموا «مبسوطين».

رأيت في عينيه آثار دمعة، لكنه ابتلعها كي لا يجعل أخاه الأصغر يبكي لبكائه.

أويس لا اعتقد أنه يفهم الأمر إلى الآن، كان يعرف مسبقاً أن أبي معتقل، لكن بالنسبة لطفل ذي ٧ أعوام لم يشكل الأمر فارقاً، وعندما أخبرته بذات الطريقة أن أبي وعمي شهداء، ابتسم، لم يفهم الأمر.

عُمَر، أخي الأقرب إليَّ سنّا وصُحبة، صامت بطبعه الجميل، اكتفى بالصمت حين سمع الخبر، وقال: «سأتوضأ لنصلي العصر. عندما انتهى من وضوئه، كانت عيناه تشيان باحمرار ناتج عن بكاء مرير، لم أتكلم.

عندما دخلنا إلى بيت جدي، كنت مع أعمامي الاثنين، أحدهما أخبرني بالأمر قائلاً: استخرجنا بياناً عائلياً لكم، واتضح فيه أن والدك ميت منذ ١١/١٢/٢٠١٣، وعمك بتاريخ ١٥/١/٢٠١٣، رحمهما الله فقد ارتاحا.

ذكريات ذلك اليوم ما زالت محفورة في وجداني بشيء من القلق، عدم التصديق، الارتياح ربما.

دخلنا وكان جدي وجدتي جالسين، لم يعرفا بالأمر بعد. عمتي بجانبهما تعرف وتمسك دموعها بصعوبة بالغة، خصوصاً عندما رأتني ابتسم لها بغرابة وانعدام التصديق ذاته الذي اكتسحها أيضاً، اكتسحنا جميعاً.

أخبرناهم. أول كلمة قالها جدي: الله يرحمهم، والله ارتاحوا، الحمدلله، واغرورقت عيناه بدموع سرعان ما أزالها ولم أرَ دموعه بعدها، كان أجسرنا في ذلك اليوم.

جدتي، ذات القلب الطيب، لم تتمالك نفسها عند سماع الخبر. بكت. هدأت قليلاً، وقالت ما قاله جدي وعمي، بأنهم ارتاحوا، ثم اردفت: رأيتهم في المنام منذ يومين، كانا مُكفّنين بالأبيض الناصع، مبتسمين تبدو عليهما الراحة، عندها أيقنت أن الله لم يكتب لي أن أراهما ثانية في الدنيا. أدركت أنهما استُشهدا، وواصلت البكاء.

كانت أمي في البيت مع إخوتي الصغار عندما كنت مع عمي قبل دخولنا إلى بيت جدي لإخبارهم، أي أن أمي لم تكن تعلم حينها، أخبرتها أن تأتي لبيت جدي. كانت عمتي قد ذهبت إليها هي وبعض أقاربنا. جاؤوا معاً بعد أن أخبروها. كانت رؤيتها مكسورة كفيلة بجعلي حزيناً بقية حياتي. بنفس الغرابة وانعدام التصديق ضمّتني إلى صدرها وأجهشت بالبكاء.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل