.jpg)
كتب شارل جبور في “المسيرة” العدد 1680:
لم يعد ينطلي على أحد ان هدف الوزير جبران باسيل الأول والأساس تصوير ان “القوات اللبنانية” تقف ضد العهد، والبداية كانت مع اتفاق معراب الذي كان هدف التنصل منه يستدعي اتهام “القوات” بأنها عرقلت اندفاعته، وتطورت هذه النغمة وصولا إلى التحريض المتواصل والسعي تحت هذه الذريعة لإبقاء “القوات” خارج الحكومة.
يظن باسيل ان أفضل وسيلة لضرب حيثية “القوات” التي ظهّرتها الانتخابات، تصويرها بأنها تتموضع ضد الرئيس القوي، وليس مصادفة ان الهجمة على “القوات” بدأت عشية الانتخابات مباشرة واستمرت مع تأليف الحكومة، ما يدل على أن صاحبها كان يخطط لإنهاء اتفاق معراب مع الحكومة التي ستلي الانتخابات والتي ستكون مبدئيا حكومة العهد الثانية والأخيرة، وقد تشرف على الانتخابات النيابية في 2022 في حال لم تتأجل وتواكب الانتخابات الرئاسية في حال لم تتألف حكومة ما بعد تلك الانتخابات.
ولا يخفى على أحد ان باسيل يعتقد بأن التخلص من “القوات” يفتح أمامه طريق بعبدا، وهذه القراءة خاطئة جدا لأن الرئيس ميشال عون الذي لا يمكن مقارنته مع باسيل على مستوى الحيثية والمشروعية اضطر ان يتفاهم مع “القوات” من أجل ان ينتخب رئيسا، ومن مصلحة باسيل ان يبدأ من النقطة التي وصل إليها عون وليس النقطة التي بدأ وانطلق منها.
ولأن الأولوية تحولّت رئاسية بامتياز وجد باسيل ان التضليل الذي اعتمد منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي وحده القادر على ضرب ما راكمته “القوات”، من تصويرها أنها تنازلت عن حقوق المسيحيين بموافقتها على اتفاق الطائف، إلى كونها فوّتت على المسيحيين فرصة تاريخية مع القانون الأرثوذكسي، فيما أفضل حجة اليوم ومن النوعية نفسها تصويرها بالمعرقلة لمسيرة العهد وإنجازاته.
وعلى رغم ان الوقائع التاريخية لا تحتمل التأويل لجهة ان حرب التحرير هي التي أوصلت لاتفاق الطائف، وان إنهاء الحرب كان يستدعي إجراء تعديلات دستورية، وان الدستور في بلد تعددي يبقى وجهة نظر بدليل ان رئيس الجمهورية في الجمهورية الأولى لم يتمكن من ممارسة صلاحياته، وان التوازن السياسي هو الأساس، وان قانون الانتخاب لا يمكن إقراره في حال اعتراض السنّة والدروز، وعلى رغم، وعلى رغم، وعلى رغم كل ذلك، هناك من يواصل تضليله بغية مواصلة التحريض على “القوات”.
ولكن ما فات باسيل أن هذه الحملات التضليلية لم تعد تنطلي على الرأي العام اللبناني وتحديدا المسيحي للأسباب الأتية:
*أولا، لأن “القوات” انتخبت عون بطيبة خاطر وقناعة راسخة، ولولا دعمها لانتخابه لما كان انتخب رئيسا، وكان باستطاعتها بكل بساطة عدم انتخابه.
*ثانيا، لأن “القوات” التي دفعت من رصيدها بانتخاب عون من مصلحتها الحفاظ على اتفاق سددت فيه الشق المتعلق بها وعليها انتظار الطرف الآخر ليفي بتنفيذ الشق المتعلق به.
*ثالثا، لأن “القوات” التي عانت من غياب التوازن الوطني كانت وصلت إلى قناعة ان تصحيحه واستعادته وتثبيته غير ممكن إلا عن طريق التحالف مع “التيار الوطني الحر” واستنساخ تجربة الثنائي الحزبي الشيعي “حزب الله” وحركة “أمل”، وهي ما زالت على قناعتها بأن باسيل فوّت على المسيحيين فرصة تاريخية على مذبح مصالحه الرئاسية والآنية.
*رابعا، لأن “القوات” دعمت العهد في العناوين الكبرى التي تبدأ بقانون الانتخاب ولا تنتهي بملف النازحين، والأهم من كل ذلك تشديدها المستمر على دعمه، فيما باستطاعتها ان تخرج إلى المعارضة وتطلق حملة في وجهه تحت عنوان “العهد الفاشل”، فيما هي ليست بهذا الوارد انطلاقا من قناعتها الفعلية بقدرة العهد على إحقاق التوازن وإحداث التغيير الذي ينتظره الناس، كما ان من حقها الطبيعي ان تؤيد ما تقتنع بتأييده، وان تعارض ما تقتنع بمعارضته، ولا يمكن محاسبتها على موقفها النابع من قناعتها، وحيث ان الأساس دعمها للعهد كعهد، وما دون ذلك من حق كل طرف طبيعيا ان يتباين مع الآخر في السياسات والملفات الحكومية، والتي لا يمكن إدراجها تحت عنوان العهد.
*خامسا، لأن ممارسة “القوات” لعملها الوزاري والنيابي صبّت في مصلحة العهد فعنوان حكومة العهد الأولى كان “حكومة استعادة الثقة”، وهذه الثقة لا يمكن استعادتها سوى من خلال ممارسة نظيفة وشفافة تستظل الدستور والقوانين المرعية، وبالتالي على باسيل ان يشكر “القوات” على الصورة التي نجحت بإعطائها وتدعِّم توجه العهد خلافا للصورة التي أعطاها هو نفسه ولم يتقبلها الناس، وهذه مشكلته وليست مشكلة “القوات” التي لا يمكنها ان تنحدر إلى ممارسة مختلفة عما فعلته في إدارة الشأن العام.
*سادسا، لأن الرأي العام لمس لمس اليد ان كل الحملات على “القوات” تضليلية، وأنها من القوى القليلة التي متى أعطيت الفرصة قادرة على تحقيق تطلعاته في دولة يطمح إليها، وعلى الرغم من الاختلاف السياسي معها تسعى لبناء دولة فعلية الأولوية فيها للناس، وقادرة على الفصل بين الخلاف السياسي وبين ضرورة استئصال سرطان الفساد من هيكل الدولة وجسدها والذي في حال استمر قد يقضي على روحها، فيما انفضح غيرها بعد وصوله إلى السلطة وسعيه لتكريس ممارسة سئم منها الناس ويريدون تغييرها وإما الهجرة من لبنان.
فلكل هذه الأسباب وغيرها لم تعد تنطلي على الناس حملات الوزير باسيل على “القوات”، فيما الرأي العام برمته وصل إلى قناعة ان هذا الفريق الذي أعطي فرصة تاريخية بددها سريعا مرتكزا على الدعاية نفسها التي بدأت من الاصطفاف الكوني على منعه من الوصول إلى السلطة إلى الاصطفاف الكوني لمنعه من تحقيق الإنجازات، فيما هذا الطرف مدعو بجدية إلى الإقلاع عن هذه السياسة التي انتهت صلاحيتها والتركيز على أولويات الناس الذين وحدهم القادرون على تبييض صورة تلطخت بفعل ممارستهم فقط لا غير.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]