






هل تنفّذ روسيا تهديدها بتزويد الأسد صواريخ «إس ـ 300»؟
بوتين يريد التعويض عن إسقاط الطائرة وقواعد اللعبة لن تتبدَّل
كتب فادي عيد في مجلة المسيرة العدد 1680:
يكتسب التحدّي العسكري الذي رفعته روسيا أخيراً في وجه إسرائيل طابع المحطة الدقيقة والمعقّدة في المشهد الإقليمي، إذ أدخل سوريا في مرحلة جديدة من التعقيد الإقليمي، وذلك، على أثر قرار القيادة الروسية بتحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن إسقاط طائرة استطلاع روسية خلال غارات شنّتها على اللاذقية في 17 الجاري، وبتزويد سوريا منظومة صواريخ أرض ـ جو متطوّرة من طراز «إس ـ 300» للدفاع الجوي.
لا شك أن القرار الروسي سيترك تداعيات عدة، ولكنه لن يؤدي إلى رسم قواعد ردع جديدة في سوريا، وفق ما أجمع عليه أكثر من خبير عسكري وسياسي واستراتيجي، حيث أكدوا ل»النجوى ـ المسيرة»، أن قلب المعادلات الميدانية، والعلاقة ما بين إسرائيل وروسيا، يتطلّب أكثر من القرار الروسي الأخير، والذي يبقى في سياق التهديد فقط، خاصة وأن القوات الروسية في سوريا تمتلك منظومة صواريخ «إس ـ 400» الأكثر تطوّراً، ولم تستخدمها ضد الطائرات الإسرائيلية التي كانت تشنّ غارات على الأراضي السورية.
طبارة: لا زال في سياق التهويل الكلامي
وفي هذا الإطار، قال السفير اللبناني السابق في الولايات المتحدة الأميركية رياض طبارة، أنه يجب ترقّب ما إذا كانت روسيا ستنفّذ هذا التهديد وتسلّم السوريين هذه الصواريخ، لأن مثل هذا الأمر لن ترضى به أي دولة نظراً لتطوّر هذه الأسلحة، كما أنه ليس من مصلحة روسيا أن تكون في سوريا أسلحة متطوّرة بهذا الشكل. كل هذا، ما زال في سياق التهويل والتهديد الكلامي، وقد حصل في السابق احتكاك بين روسيا وإسرائيل، وبين روسيا وتركيا، وإنما من دون أن يتطوّر الوضع إلى تصعيد عسكري، لذا، لا أرى أية تطوّرات تصعيدية على هذا الصعيد نتيجة الإعلان الروسي.
وحول الموقف الأميركي في حال نفّذت روسيا تهديداتها، أكد السفير طبارة، أن تنفيذ روسيا لتهديداتها سيؤدي بالطبع إلى إشكالات مع كل الأطراف في المنطقة، كما مع الولايات المتحدة الأميركية، لأن مجال هذه الصواريخ واسع، ويمتدّ على آلاف الكيلومترات، وسيؤدي إلى سباق نحو استقدام أسلحة متطوّرة إلى المنطقة، مع العلم أن موسكو، هي التي تتخوّف من أن تقدم واشنطن على نقل أسلحة من هذا النوع إلى الشرق الأوسط. لا أتصوّر أن الأمور ستتطوّر أكثر مما هي عليه الآن.
وعن مخاوف من مواجهة مقبلة في المنطقة، لم يتوقّع السفير طبارة حصول مواجهة أو أي حرب مقبلة، إذ ليست من مصلحة روسيا أو أميركا، أو أي طرف آخر في المنطقة أن يحصل أي تصعيد. ويجب أن ننتظر لنرى مدى جدّية هذا التهديد. واستبعد أن تقوم روسيا بتسليم النظام السوري مثل هذه الصواريخ، خاصة، وأن القوات الروسية الموجودة في سوريا مجهزة بمنظومات صواريخ «إس ـ 300» و«إس ـ 400».
أما بالنسبة لتوقيت الإعلان عن هذه الخطوة، رأى السفير طبارة، أنه من الممكن أن يتم نقل عدد من الصواريخ الإضافية، ولكن تبقى تحت سيطرة الروس، وليس مع السوريين، لأن موسكو لديها مخاوف من تسليم هذا السلاح، كما المخاوف الأميركية، وليس أقلّ. إن العملية برمّتها تشير إلى أن هناك شيئاً جديداً يجري تحضيره للمنطقة، فالتصعيد من خلال التهديد بالأسلحة المتطوّرة، هو مؤشّر على تحوّلات مرتقبة، ولكن ليست إنذاراً للحرب. علينا أن ننتظر لمدة أسبوعين على الأقلّ، لكي يتبلور المشهد النهائي.
جابر: حدث مهم جداً يغيّر قواعد اللعبة
من جهته، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد المتقاعد هشام جابر، أنه حدث مهم جداً يغيّر قواعد الإشتباك إلى حدّ بعيد، فإسرائيل كانت وقّعت اتفاقاً سرّياً مع روسيا، يسمح لها بضرب أهداف في سوريا شرط إعلام القيادة الروسية مسبقاً، وقدر الإمكان من خارج الأجواء السورية. لذا كانت إسرائيل تقصف دمشق وضواحيها والمزّة من الأجواء اللبنانية وأجواء الجولان، وكانت تقصف شمال سوريا من فوق المياه الإقليمية اللبنانية. وقد قامت ب200 غارة، معظمها تمّت من خارج الأجواء السورية، وكان هناك خط ساخن بين روسيا وإسرائيل وباللغة الروسية، إذ أن إسرائيل كانت تبلغ فوراً روسيا عن كل تحرّكات طائراتها في الجو.
وتابع العميد المتقاعد جابر، ما حصل مؤخّراً، كان خطأً مميتاً من قبل إسرائيل، لأن روسيا لم تتّهمها بإسقاط الطائرة، ولكن بسبب الغارة الإسرائيلية على اللاذقية، والتي لم تبلغ عنها روسيا مسبقاً إلا قبل دقيقة من حصول الغارة، وحصلت حادثة سقوط الطائرة الروسية. وإذ ذكّر بأنه بسبب سقوط طائرة روسية ومقتل قائدها، كادت روسيا أن تذهب إلى مواجهة وحرب مع تركيا في العام 2015، أكد أنها اليوم، وبعد مقتل 15 ضابطاً روسياً فإنها لن تتهاون مع إسرائيل، على الرغم من أن علاقتهما لن تتأثّر كثيراً، أي أنها لن تسوء بسبب العلاقات الإقتصادية والسياسية الممتازة، إذ هناك حوالى 500 ألف يهودي روسي في موسكو، وحوالى 750 ألف روسي يهودي في إسرائيل، وبالتالي، فإن روسيا لا تريد قطع خط الإتصال مع إسرائيل، ولكنها تريد أن تلقّنها درساً لن تنساه على ما قامت به.
وأضاف، أن ما سيحصل الآن هو إعلان روسيا أن الأجواء السورية باتت منطقة محظورة الطيران بالنسبة لإسرائيل، وهذا ما يسمى ب»التغيير الجذري» في قواعد الإشتباك، لكنه لفت إلى أن الفترة الزمنية لهذا الحظر غير معروفة بعد.
ورداً على سؤال حول إمكانية توقّف الغارات الإسرائيلية، أشار إلى أنها لن تتوقّف، ولكن سيتم لجم أي غارة على مناطق قريبة من اللاذقية وطرطوس، وبالتالي، فإن الأمر المهم اليوم، هو أنه بعد تسليم سوريا صواريخ «إس ـ 300»، فإن السوريين هم الذين سيتولّون إسقاط الطائرات الإسرائيلية.
سالم: ظروف القيادة الروسية صعبة
أما الرئيس المكلّف بـ«معهد الشرق الأوسط للدراسات» في واشنطن الدكتور بول سالم، فخفّف من أهمية وتأثير القرار الروسي، مؤكداً أن القوات الروسية تمتلك صواريخ «إس ـ 400» ولكنها لم تستخدمها في السابق، وهي تعطي السوريين صواريخ «إس ـ 300»، وستبقى الجهة الوحيدة القادرة على التحكّم بها في سوريا. وأكد أن ما من تغييرات في الصورة الكبيرة بالنسبة للعلاقات الروسية ـ الإسرائيلية، لأن العلاقة عميقة بينهما، ولكن إسرائيل أهانت روسيا، وأحرجتها أمام حلفائها، ولذلك، فإن الرئيس فلاديمير بوتين بات اليوم مضطرّاً لتقديم شيء في المقابل إلى حلفائه، وبالتالي، فإن الغارات الإسرائيلية ستتراجع في المرحلة المقبلة، ولكن روسيا لن تبادر إلى حماية الإيرانيين في سوريا، وستحافظ على علاقاتها مع إسرائيل، رغم وقوفها إلى جانب إيران والنظام في سوريا.
أما بالنسبة للموقف الأميركي، أكد الدكتور سالم، أن أميركا لا تعترض على الوضع الحالي في سوريا، وعلى انتصار النظام السوري، ولكنها تطالب بتسوية سياسية، ولو بالحدّ الأدنى، وكذلك، فإن روسيا تسعى إلى تسوية تكون بمثابة «ورقة التين» للوضع في سوريا، ولكن موقف النظام السوري ما زال غير واضح.
وتوقّع سالم، مرحلة من الهدنة على صعيد الغارات الإسرائيلية، وذلك، على الأقلّ خلال الأسبوعين المقبلين، بانتظار بلورة ما سيحصل من لقاءات في نيويورك خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة ما بين رؤساء الدول المشاركة. وشدّد على أن المشكلة اليوم، هي بين روسيا وإسرائيل، وما من دور لأميركا فيها، لأن إسرائيل تملك حرية التحرّك في سوريا، وروسيا موافقة على ذلك، والأولوية لدى واشنطن هي لمحاربة تنظيم «داعش»، والتخفيف من النفوذ الإيراني في سوريا. لكن إسرائيل، بحسب الدكتور سالم، تبقى صديقة وحليفة لروسيا، وإن كانت روسيا تريد توجيه اللوم لها وتحميلها مسؤولية سقوط طائرتها، علماً أن الظروف صعبة اليوم بالنسبة للقيادة الروسية.
نادر: أتوقّع تصعيداً ديبلوماسياً ينتهي بتنسيق إسرائيلي ـ روسي
وفي السياق نفسه، أشار مدير «مركز المشرق للشؤون الإستراتيجية” الدكتور سامي نادر، إلى أن لا مؤشّرات على سيناريو حرب أو مواجهة عسكرية في سوريا، لأنه حصلت عملية مشابهة في تركيا، ولم تقدم روسيا على أي ردّ فعل، على الرغم من كل المواقف المتشدّدة التي اتّخذتها ضد تركيا. ولكن اليوم، المهم هو الحفاظ على صورة روسيا وموقعها، إضافة إلى شخصية الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يعتبر أن روسيا قوة عظمى، ولذلك، لن يمرّ الحادث مرور الكرام. وقال: بغض النظر عن المسؤوليات والإتهامات، فإن روسيا تعمل على الإفادة من حادثة إسقاط الطائرة الروسية على كل المستويات وتوظيفها لتحقيق مكاسب من الطرف الأقوى، أي الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، والتي كانت تطالبه بطرد إيران عن الحدود معها، بينما كانت أوروبا تشكّك في قدرة روسيا على تنفيذ هذا الأمر، إضافة إلى مطالبة هذه الأطراف برحيل النظام السوري، وإجراء انتخابات رئاسية ديمقراطية. وأمام هذا الواقع، تابع الدكتور نادر، فإن روسيا في محرجة، ولذلك، فهي تستغلّ هذه الحادثة للخروج من هذه الحالة، من خلال رمي ورقة صواريخ «إس ـ 300»، وهي مسألة تزعج الأميركيين والإسرائيليين على المستوى الجيو ـ استراتيجي، ولكن، هذا لا يعني أن النظام السوري قادر على استعمال هذه الصواريخ، أو أن روسيا مستعدة لأن تذهب إلى مواجهة عسكرية، وهنا، أهمية هذه الخطوة، لأن قوة روسيا في سوريا أنها قادرة على اللعب على توازنات دقيقة جداً، أي أنها أصبحت في موقع المنتصر، لأنها نجحت في تبديل موازين القوى من خلال تدخلها العسكري، وقلبت الموازين إلى صالحها، وليس لصالح النظام السوري، وكذلك، نجحت في إرساء تفاهمات مع كل الأطراف وعقدت اتفاقات مع إيران ومع تركيا ومع إسرائيل ومع مصر، وهنا مكمن قوة الموقف الروسي، في حين أن إيران فشلت في علاقاتها مع الجميع بعد تدخلها في سوريا. لذلك، تابع نادر، فإن روسيا تسعى للحفاظ على علاقاتها الجيدة مع كل الأطراف، لأنها تجعلها ممراً إلزامياً لأي تسوية في سوريا في كل الملفات، إن لجهة إعادة الإعمار أو عودة النازحين السوريين، أو بالنسبة لأمن إسرائيل أو تركيا، أما في حال تردّت علاقة روسيا مع أي طرف، فهذا يعني خسارة هذا الموقع المميّز، ولذلك، إذا التصقت روسيا بالمحور الإيراني، فهي ستصبح رهينته. من هنا، أضاف نادر، فإن لعبة الروس في سوريا محددة الأطر والأهداف والوسائل، إذ ليس لديها قواعد وقوات بريّة على الأرض، بل أسطولها الجوي فقط، وتستخدم القوى العسكرية التابعة لإيران لصالحها، وبالتالي، فإن أي انتكاسة في علاقتها بهذا التوازن الميداني، سيحوّلها إلى رهينة لأطراف التوازن، وليس العكس.
وفي حين أكد الدكتور نادر، أن التوازن الدقيق في سوريا يجعل من روسيا اللاعب الأول وليس قوتها العسكرية، لأنها استخدمت قوتها العسكرية واستفادت منها ديبلوماسياً لتعزيز موقعها في المنطقة، رأى أن لا تصعيد أو مواجهة، لأن روسيا ستخسر هذا الموقع، وستخسر نصف سوريا. مشيراً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وتركيا بحاجة إلى روسيا لتنفيذ أي خطوة في سوريا، وكذلك إيران والنظام السوري. وأشار إلى أن إسرائيل وواشنطن تطالبان روسيا منذ مدة بالتزامات معينة في سوريا، وإذا كانت إيران تستطيع التحرّر من أي التزامات، فإن موسكو غير قادرة، ولذلك، فهي تستثمر إلى أقصى حدّ حادثة سقوط طائرتها في سوريا للخروج من حال الإحراج.
وبالنسبة للغارات الإسرائيلية على سوريا، اعتبر نادر، أن تنفيذ روسيا لتهديداتها بتسليم النظام هذا النوع من الصواريخ، سيخلق بلبلة بالنسبة لإسرائيل، لأنه سيقيّد حركتها، لا سيما وأن روسيا تهدّد من خلال منظومة صواريخ «إس ـ 300»، ومن خلال التشويش الإلكترو ـ مغناطيسي، ولذلك، أتوقع تصعيداً ديبلوماسياً ينتهي بتسوية ما وعودة التنسيق الروسي ـ الإسرائيلي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]