#adsense

“المسيرة”: لتحيا ثورة أيلول فوق سطوحك ضيعتنا…

حجم الخط

دق الباب… لا، هو ورق أيلول ينقر على باب الحنين بعنف. بخبخت الدني، هرولة الى السطوح قبل أن يتبلل تعب الإيدين في ضيعة ما زال فيها الكثير من حلم الأيام. اممممم عبق التراب بأول شتوة، يقف الحنين خلف نافذة، تتمايل العريشة الصفراء المتهالكة على نهايتها الحزينة السعيدة، «هيدا الشهر اختصاصي، لو ما في أيلول كنت دبت بعجقة المشاعر، أنا الحنين أنا مواسم الحب والشوق، أنا كتير الكتير من مواسم أيلول»… أوقفي الكتابة، ثمة الكثير مما يجب القيام به قبل الاستفاضة بالمشاعر، السطوح معجوقة بمواسمنا، ضبضبي المؤونة قبل أن يضبضب أيلول آخر أيامه…

يقرع جرس الكنيسة صباحا، اليوم 14 أيلول عيد الصليب، تقف ستات الضيعة على تخوم السطيحة، «خير شو في؟» اليوم عيد ارتفاع الصليب المقدس، والقديسة هيلانة أنارت التلال لابنها الملك لتخبره أنها وجدت عود الصليب في أورشليم، لكن عند أهل الضيعة اليوم يبدأ أيلول مشوارا جديدا، البواحير، «لأ يا جدي قولي الصليبية، نحنا مسيحيين وكل شي فينا بيبلش من عود الصليب وطلوع».

إذن من عيد الصليب امتدادا الى 26 من أيلول، تبدأ الصليبية، ما تزعل جدي، وتتحول الضيعة الى برج مراقبة، كل يوم يمثّل شهرا وذلك بحسب التقويم الغربي، والضيعة بعصبيتها المذهبية تتبع غالبا هذا التقويم وإن كانت «بواحير الروم أصدق جدي بس ما تخبري ستك بتعملّي مشكل»، والتقويم الشرقي يبدأ من 27 أيلول ويمتد لفترة 12 يوما وكل يوم بمثابة شهر، وللتأكد من مصداقية الصليبية، يجب الاستعانة بورق التين الأخضر، إذ توضع ورقة تين خضراء كلّ يوم بعد عيد الصليب وتُحسب حال كلّ ورقة ليوم كامل عن شهر، فإذا يبست أو ترطّبت أو استحمت باغوائها بقطرات الندى، يعني خييي موسم الشتاء سيكون عامرا بالخيرات، إذا صلّبت خرّبت، وإذا العكس…لا تسألوا جدي عن النتيجة إذ تكون حربه الكونية مع ربه قد اندلعت قبل الذهاب الى الأبونا وطلب المغفرة…

ينتهي قداس عيد الصليب، وإذ بالسطوح تنفلش بالعدس تحديدا، تقول «أم اسكندر» إن في زمانها ما كان أحد يجرؤ على تصويل العدس وتشميسه على السطح قبل نهار عيد الصليب «لأن بيسوّس يا بنتي وبينتزعوا العدسات»!!! أفف وليش أم اسكندر «لأن بتروح منو البركة»، وفي القرية المبللة من حنين أيلولها وحكاياته، يتناقلون تلك الخبرية، بان ذات مرة قررت إبنة «أم اسكندر» ان تغسل العدس قبل عيد الصليب، وفلشته على سطح البيت ليجف تمهيدا لتوضيبه لمؤونة الشتاء، وهي غير مقتنعة بأقاويل الضيعة القديمة، وإذ ومن دون سبب علمي أو منطقي، يجتاح السوس العدس دون سواه من المؤونة المفلوشة قربه ويفسده بالكامل، وما زالت حتى اليوم تخبر الحكاية، وحتى اليوم كل الضيعة تنتظر عيد الصليب لتغسل وتصوّل عدسها، «لأن عدس أيلول ما بيقبل إلا بركة عيد الصليب» تقول.

يتطاير ورق البصل على فيراندا الضيعة، «بو ميلاد» حصد بصله، وفلش القنّار على السطح ليزرعه في الصيف القادم، القنار بالتعبير القروي، هو البصل الصغير الحجم الذي يُحصد تمهيدا لزرعه للموسم الجديد، بصل الضيعة مشهور أنه حرحار جدا، صلب، قاسي، طيب بمفهوم من يفقش فحل البصل ويتمتع بمذاقه مع صحن الكبة النية، أو طبخة فاصوليا بالعظام على وهج صوبيا كانون. كيف هالموسم السنة يا بو ميلاد «الحمدلله يا بيتي كتير منيح وأكتر ما منستاهل»،  فلاح ضيعتي ما زال يعيش بركة الفلاح المكفي سلطان مخفي على رغم معاكسات دولة، نظن أحيانا أنها تضطهدنا عمدا وتترك مواسمنا للكساد… لا، لا ما علينا الآن منهم، لنبقى هنا في النظافة، في حنين أيلول ومواسمه أفضل بكثير يا دولة الكساد والفساد…

«أيلول تموّن لعيالك وخلي الهم عن بالك»، يا الله شو حلو هالحكي، لا يحمل أيلول الأيباد، ولا يعرف أساسا بلغة الإنترنت، ليس عنده فايسبوك ليفلش صوره الشخصية، ولا يهمه استعراض أطنان البوتوكس المعربشة على شفاه الزمن المشوّه، ولا تويتر لديه ليغرّد لنا بمواقفه الرافضة لما يجري على حفافيه في زمن الإنسان الآلة والمشاعر المعلّبة، ثورة أيلول ليست فقط في الورق الأصفر المتطاير على حنايا قلب يكاد ينهار من فرط حنينه. ثورة أيلول هنا، فوق، على سطح الضيعة حين يتحدى كل هذا الزمن التافه بقطعة قماش من الخام الأبيض، يفلش فوقها كل مواسمه وجنى أرضه وعمره، ثورة أيلول في ذاك الدست الالومنيوم العتيق النظيف اللامع المفروك جيدا بسيف «العبد» أتذكرون، يلمع فيه مربى المشمش ومربى اللقطين مواسم السهل الأخضر، تبرق متل قطع الذهب تحت شلال الذهب، ثورة أيلول بندورة جبلية تتهاوى وتنهار مستسلمة سعيدة،  تحت رقصة أقدام ستات الضيعة حين يعقصن طرف أثوابهن ويعربشن فوق دست البندورة وينهلن فوقه في رقصة المواسم، قبل أن تتحول البندورة الى دسوتها لتغلي وتغلي وتغلي، وتُفلش شرابا أحمر قاني قاني رائع اللون والمذاق على عيون الشمس، ولنأكل أطيب المعكرونة بربّ البندورة البلدية، وليس كاتشاب الأيام البائدة تلك، ثورة أيلول في عونة الأهل والجيران حول تصويل القمح، وغسله هنا أمام الليوان، حيث يتجمع الجيران ويتعاونون لسلق القمح وتوزيع الجزء الكبير منه على الجيران قبل ان يحمل الى سطح أيلول ويجفف ويصبح هدية للقديسة بربارة في عيدها و»هاشلة بربارة والقمح بالكوارة» ولا ينضب قمحنا قبل أيلول آخر آتٍ لا محالة…

«ليكي يا بيتي بأيلول دبّر المكيول للعدس والفول»، يقولون «يا بيتي» بالضيعة، ليس أغلى على الإنسان من بيته، والضيعة بيت الإنسان أيلول ملفى حنينه، ذهبه المبلول من شغفه العتيق، من ذاك الحب الحزين غير المتكافئ بين شغاف لا يريد ان يتفلت من أمسه، وحاضر يحتل الأخضر واليابس بيباسه، فيأتي أيلول ليطيح بكل تلك المعادلة، هيك ببساطته الفائقة، بصورة، بسطيحة مبللة بمواسم التعب والعمر «لو ما في أيلول لازم نخترع أيلول» تقول «أم شربل» وتذهب لتفلش الكشكات على سطح الكنيسة تحديدا، «ليش هون أم نديم ومش ع سطح بيتكن؟» تضحك مستغربة «وَلَو بدّا سؤال؟ حدّ قبّة مار يوسف بتزيد البركة»، يا الله كيف يعيش إنسان من دون أيلول بالضيعة، من دون ضيعة، من دون مواسم ورائحة أرض وتراب وعبق الكشك والفاصوليا والمربيات والخل والبرغل، وتلك الروائح العطرة وهي أجمل من أي عطر صُنع من أجمل روائح الزهور، هنا العطر عبق التراب، هنا البركة فائض المواسم، هنا الوطن يا الله، هنا الوطن، البستان، سطوح أيلول، غرفة المؤونة، حكايات الزمان الغابر، وذاك اللبنان القاعد بقلب الضيعة يا ضيعة يا أيلول…

لن نحدل السطح، انتهت تلك الأيام، لكن نحدل حكاياتنا الصغيرة الكبيرة على حفافي سطوحنا، طلع الهوا، بردت النسمات، ثمة غيم ينبئ بشيء ما قريب، ثمة شجن ينغوش العيون المتربصة بالحب والحنين، المواسم ع آخرها، قطفنا تفاحنا وصار بيته البراد الى ان يفرجها ربنا علينا، الورق الأصفر بدأ يتطاير هنا وهنالك في ساحات الضيعة، بدأت ألوان السهل تتمايل على احمرارها واصفرارها وتهجر ذاك الأخضر الذي بدأ يتحول فلولا من صيف عاشق مجنون طائر في اللهو والطيش، أيلول المواسم يسبح متل القورما في كشكشات الخورية، كما يقولون في الضيعة، ثمة حنين مدري لمين، نعرف لمن، كل الحنين لأيلول وطن يفلش سطوحه من خيرات أرضه، ولتحيا ثورة أيلول فوق سطوحك ضيعتنا..

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل