أزمات المطار طبيعية أم مفتعلة؟… خطة للتوسيع وإهمال خيار المطارات البديلة

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1680:

 

عرف مطار بيروت عزّاً في الستينات ومطلع السبعينات وضعه في مصاف أفضل مطارات المنطقة، ومعبراً للشرق الأوسط إلى العالم بأسره. ومع أنه تعرّض في العام 1968 للغارة الإسرائيلية الشهيرة التي دمّرت 13 طائرة على مدارجه، وبعدها لسيطرة المخابرات السورية، إلا أنه بقي الشريان الأكثر حيوية في لبنان والمنطقة… أوزار الحرب اللبنانية أعاقت حركة المطار وتطوّره في حين كانت دول المنطقة تنتقل إلى حقبة جديدة من إنشاء وتوسيع المطارات. فتجمّعت كل هذه العوامل لتخطف من مطار العزّ بعض الوهج والنجاح. واستمرّ الوضع هكذا، إلى أن أقدم رئيس الحكومة يومها الشهيد رفيق الحريري، على إنشاء المطار الحالي، على أن يتم توسيعه لاحقاً بحيث يصبح قادراً على استيعاب 12 مليون راكب في السنة. لكن أكثر من ريح هبت عليه وصولاً إلى الأزمات المتلاحقة مؤخرا، فأعادته إلى الواجهة لكن بصورة مشوّشة. وعليه، فما هي المخارج بعد تعدد الأزمات في المطار، وما هي خلفياتها؟ وأين أصبحت مشاريع التوسعة؟ واستطرادا، ماذا عن مطارات لبنان الأخرى؟

خلال النصف الأوّل من العام الحالي، شهد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت ازديادا في حركته بلغ 10 في المئة مقارنة مع ما كانت عليه في الفترة المقابلة من العام الماضي. كما شهد ارتفاعا في حجم الأزمات، الكبيرة منها والصغيرة. هذه الزيادة المطّردة في أعداد الركاب معطوفة على تدخّلات غير قطاعية في هذا المرفق الحيوي، أعاقت انسياب الحركة في المطار وولّدت بدورها أزمات بوجوه سياسية وغير سياسية.

بحسب ما هو مقرر، يُنتظَر أن تبدأ أعمال التوسعة في المطار منتصف تشرين الثاني المقبل، وذلك لرفع قدرته الإستيعابية التي تبيّن أنها عاما بعد عام تصبح أقل كفاءة في خدمة المسافرين. هذه المرحلة من التوسعة كان معدّاً لها أن تبدأ قبل فصل الصيف وموسم الإزدحام، لكن ذلك لم يحصل لألف سبب وسبب، كما يقول مصدر مسؤول في المطار. وهي ستستغرق حوالى تسعة أشهر لترتفع بعدها القدرة الاستيعابية للمطار من ستة ملايين راكب إلى ما يقارب السبعة ملايين ونصف المليون في السنة، نتيجة الأشغال الطارئة التي ستنفذ في المبنى الحالي للمطار. وهذا لا يشمل طبعاً المخطط التوجيهي العام لتوسعة المطار، وإنما فقط الاشغال الطارئة.

وتتضمّن الأعمال بموجب هذه الخطة تجهيز المباني وزيادة إنتاجية الموظفين، وتفتيش الحقائب أوتوماتيكياً الأمر المنتظر أن يخفف الإزدحام في قاعات المسافرين. يضاف إلى ذلك، زيادة عديد العناصر الأمنية المولجة بتشغيل هذا المشروع، وقد تمّ تأمين 50 عنصراً لذلك. وإذا ما عمل هذا النظام كما هو متوقع له، عندها بالإمكان تخفيف الازدحام بشكل كبير، لا سيما لجهة الركاب المغادرين، لأن أجهزة الكشف بالأشعة الموجودة في قاعة المغادرة يصبح بالإمكان الاستغناء عنها باعتماد تفتيش الحقائب أوتوماتيكياً. وترتكز خطة التوسعة في مرحلتها الأولى على استحداث ممر للمغادرين في منطقة الوصول عند الجهة الغربية بحيث تزيد قدرة استيعابه مليون شخص إضافي، ومن المرجّح أن تسلك خطة الجهة الغربية طريقها نحو التنفيذ، ويتطلب العمل عليها ما بين تسعة أشهر وسنة. وهناك من يقترح تنفيذ الخطة نفسها في الجهة الشرقية الأمر الذي من شأنه أن يزيد القدرة الاستيعابية أيضا مليون شخص. أما التكاليف فتقدّر للمرحلة الأولى بـ 18 مليون ​دولار،​ وللثانية بـ 12 مليون دولار.

مشاريع تنتظر التنفيذ

يرى الخبراء أن عملية التوسعة المطلوبة هي تلك التي تعتمد المخطط التوجيهي والتي تنقل المطار فعلا إلى منافسة المطارات الرائدة في العالم، وتعيد إليه سابق عهده. وهي ترفع الطاقة الاستيعابية للمطار ليس فقط إلى 12 مليون مسافر، بل إلى 18 مليوناً. وفي هذا الإطار كشف وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال يوسف فنيانوس موافقة رئاسة مجلس الوزراء ووزارة المال، على المشروع الذي كان تقدم به أمامه والبالغة كلفته الأولى نحو 88 مليون دولار، إضافة إلى القيمة المضافة، بحيث يصل مجمل المبلغ إلى حوالى 100 مليون دولار. وقد وافق مجلس الوزراء على 18 مليوناً، أقرّها مجتمعاً، لحساب مجلس الإنماء والإعمار، لبدء تنفيذ ما اتُفِق عليه في المرحلة الأولى من مشروع التوسيع.

وقال فنيانوس إنه «تطبيقاً لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، سنعمد الى استقطاب المستثمرين الذين نريدهم أن يتشاركوا معنا مشاريعنا في نهوضنا الاقتصادي، ولاستعادة النمو وإيجاد فرص عمل للشباب لا سيما في قطاع النقل».

وكان المجموع العام لعدد الركاب ارتفع منذ مطلع العام 2018 وحتى نهاية آب الماضي الى ما يقارب الخمسة ملايين راكب، بزيادة 5 في المئة عن الفترة نفسها من العام السابق. هذا الارتفاع في عدد الركاب ولّد ازدحاما استدعى أكثر من تحرّك من المسؤولين السياسيين والاداريين والأمنيين لمعالجة هذا الازدحام الكبير الذي شهدته قاعات المطار سواء في المغادرة أو في الوصول، للتخفيف من أعباء إنهاء معاملات السفر وتقديم التسهيلات للمسافرين من والى لبنان.

وفي آب الماضي سجلّت الحركة نشاطاً ملحوظاً يُتوقّع أن يكون الأعلى للعام 2018، فارتفع مجموع الركاب منذ بداية العام وحتى نهاية الشهر الثامن إلى أكثر من 6 ملايين راكب بزيادة قاربت الـ 9 في المئة. ومع انتهاء شهر آب 2018 يكون المطار قد تخطّى عتبة الستة ملايين راكب مقابل 5 ملايين و536 ألفا و735 راكبا في الاشهر الثمانية الاولى من العام 2017.

في هذا الإطار، أكد رئيس مطار ​بيروت​ ​فادي الحسن أن «الزحمة التي شهدها المطار تعود إلى تزامن أوقات رحلات الحج والزيارات الدينية ورحلات الشارتر ورحلات اللبنانيين العادية التي دائماً ما تكون في ذروتها خلال هذا الشهر». ولفت إلى أنه «من المفترض أن تبدأ الأشغال الطارئة في منتصف تشرين الثاني المقبل لإعادة تهيئة المطار لزيادة الطاقة الإستيعابية فيه لحوالى مليون راكب إضافي، موضحاً أنّ «القدرة الإستيعابية لمطار بيروت​ كانت قد حددت بنحو 6 ملايين مسافر سنويا، لكنها وصلت العام الماضي إلى 9 ملايين، فيما قاربت خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي الخمسة ملايين مسافر». وأشار إلى أن «هذه الأرقام تؤكد أهمية العمل على توسعة المطار الذي بات يعمل بقدرة إستيعابية تفوق القدرة التي صمم على أساسها، مع العلم أن مخطط توسعته وتطويره وضع منذ فترة على طاولة البحث وعقدت لهذا الغرض اجتماعات عدة برئاسة رئيس ​الحكومة​ المكلف ​سعد الحريري​».

وأشار إلى أن «هناك مشكلة أساسية لا يبدو أنها ستجد طريقها إلى الحل في المدى المنظور، وهي الطريق المؤدية إلى المطار والتي كانت قد وضعت ضمن المخطط التوجيهي لتطوير المرفق خلال أربع أو خمس سنوات»، موضحاً أن «المشكلة هي أن هذه الطريق تشكل ممراً أساسياً لكل القادمين إلى بيروت من جهة ​الجنوب​ بدل أن تكون مخصصة فقط للواصلين إلى المطار ما ينتج عنه ​زحمة سير​ خانقة، خصوصا في مواسم معينة كموسم الصيف ونهاية العام، وتصل إلى ذروتها في شهر آب على غرار ما حصل في آب الماضي».

ولفت الحسن إلى «أنه بالإضافة إلى مصادفة ​موسم الحج​ هذا العام في شهر الذروة حيث تسجّل حركة المطار رقما قياسيا، فهناك أسباب عديدة ساهمت بلا شك في زيادة الازدحام». وأشار إلى أن “​النزوح السوري​ واعتماد عدد كبير من السوريين مطار بيروت محطة للانتقال إلى الخارج أدى إلى زيادة الضغط على المطار، إضافة كذلك إلى عروض الرحلات التي باتت تجذب اللبناني وتزيد من حركة سفره إلى الخارج».

وكشف أن «شكل المطار سيتغيّر، وستكون هناك تغييرات في مواقع التفتيش وزيادة عدد «الكونتورات» من 22 الى 26 كونتوارا، مشيراً إلى أن «آخر نقطة تفتيش سيتغيّر موقعها أيضاً كما سيخصّص لركاب البزنس ممر خاص من قاعة الوصول».

بين التطوير والتحذير

خلال السنوات الأخيرة عرف المطار تصاعد وتيرة الإزدحام، وكذلك دراسات التوسعة، واستمرت الإجتماعات المهيّئة لذلك تباعا. وخلال الإجتماعات التي عقدت برئاسة الرئيس المكلف سعد الحريري والتي جرت في مكتبه في السراي الحكومي في حضور الوزراء المعنيين، ولا سيما في 7 أيلول 2017 و16 كانون الثاني 2018، تناول البحث العمل للحصول على موافقة مجلس الوزراء لتمويل عملية التوسيع. ويشمل المشروع المطروح رفع مستوى الخدمات والتجهيزات والانظمة الحيوية والأمنية الضرورية والملحة ومعايير السلامة والأمن الحالية في المطار، لضمان استدامة العمل بمبنى الركاب الحالي، والتي من الأفضل أن تنفذ بالتزامن مع أشغال المرحلة الأولى من المخطط التوجيهي».

ويشتمل تنفيذ المرحلة الانتقالية والملحّة للمطار على قسمين:

– إعادة النظر والتصميم الداخلي والخارجي لمبنى الركاب الحالي بهدف تعزيز قدرته الإستيعابية.

– إستحداث جناح جديد للركاب من خلال إستخدام مبنى الجمارك القديم وهنغار الشحن الملاصق له وهما حالياً خارج الخدمة، وذلك لتأمين قدرة إستيعابية إضافية تقدر بنحو مليونَي راكب سنوياً.

وباستكمال هذه الخطة ترتفع الطاقة الإستيعابية للمطار إلى حوالى 10 ملايين راكب في السنة. ويتطلب ذلك إستحداث أنظمة جديدة لجرارت الحقائب وتعديل حركة الركاب والتفتيشات الأمنية وتحديث أجهزتها وتفعيل وتطوير الخدمات المقدمة إلى المسافرين في جميع الدرجات ومن ضمنها درجة المسافرين على الدرجة الأولى وعلى درجة رجال الأعمال. وتحديث وإضافة مساحات للسوق الحرة وضمان سلامة الطيران. علما أن الهدف الأبعد للمخطط هو رفع الطاقة الإستعابية للمطار إلى نحو 20 مليون مسافر في السنة.

لكن المصدر المسؤول في مطار رفيق الحريري يضع كل ما سبق في إطار العرض التقني والقانوني والمالي، لافتا إلى أن هناك أمورا عديدة أخرى لا يتناولها القيّمون وهي مساهم فعلي في إرباك الحركة في المطار. وبسؤاله عن تلك الأمور، يقول: «لا شك في أن للمطار دوراً متزايد الأهمية يوما بعد يوم. فهو إلى جانب كونه مرفقاً إقتصادياً وحيوياً مهماً، هو أيضا نقطة تجاذب سياسي وموقع أمني بالغ الأهمية. وهذا ما يجعله في قلب الصراع الدائر في البلد على النفوذ وتقاسم المواقع والمنافع. ولا يخفى على أي مراقب أن ما يجري في الفترة الأخيرة في المطار مدعاة للتوقف عنده والبحث بتأنٍ عن الإجابات في شأنه».

ويشير المصدر إلى أنه من الناحية الأمنية يشكل المطار منطقة نفوذ تعيق بعض الإصلاحات، كما تعيق أي بحث أو حديث عن إمكانية فتح مطار آخر كمطار مدني رديف، مثل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات. وهذا الأمر تزداد أهميته يوما بعد يوم. ومن الناحية العملانية يطمح معظم الأطراف السياسية لأن تكون له يد مطلقة أو أقله ممتدة داخل المطار لاستخدامها في توظيف سياساته بما يخدم أهدافه الفئوية، ومن البديهي أن يؤدي ذلك إلى تضارب المصالح والصلاحيات. يضاف إلى ذلك أن هناك من يستخدم المرافق والمقدّرات في معاركه السياسية، ولا يبدو أن المطار في منأى عن تلك الكمائن، التي يُخشى أن تُسقِط البلد قبل أن يَسقُط فيها هذا أو ذاك.

لكن ما يدعو إلى بعض الركون هو أن هناك مصالح لقوى دولية لا يناسبها أن يتحول هذا المرفق إلى ساحة سائبة، وهي تراقب الوضع عموماً وتوجّه الرسائل إلى من يجب أن يعلم أن هذا المرفق لا يمكن تسييبه، لأن لذلك تداعيات أبعد من حدوده أو من حدود لبنان. فأمن مطار بيروت وتوسعته تحوّل إلى مركز الاهتمام العالمي والدول الأوروبية تحديداً، التي تنصح الحكومة اللبنانية باعتماد إجراءات أكثر أمناً، بموازاة خطة رسمية لبنانية لتوسعة مطار بيروت وتطويره بما يراعي تلبية المتطلبات، وليضاهي المطارات العالمية. فوزيرة الداخلية البريطانية السابقة آمبر رود، أثارت مع نظيرها اللبناني نهاد المشنوق، خلال زيارتها الأخيرة، موضوع أمن مطار بيروت وقدمت نصائح باعتماد إجراءات أكثر أمناً. وأنه بعد تفجير طائرة الركاب الروسية إثر إقلاعها من مطار شرم الشيخ في مصر، وُضِعت مطارات الشرق الأوسط، على أجندة اهتمام الدول الغربية، خصوصاً بريطانيا وفرنسا، اللتين أرسلتا فرقاً فنية وأمنية متعددة، أجرت مسحاً شاملاً للمطار وقدمت تقارير بنتيجة عملها.

ومن المتوقع أن يشهد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، نقلة نوعية خلال السنوات القليلة المقبلة، انطلاقاً من مشروع توسعته وتطويره وفق المواصفات المعتمدة في أرقى مطارات العالم، فيكون قادراً على استيعاب ارتفاع عدد المسافرين منه وإليه. ولكن هل ينفي ذلك الحاجة إلى فتح مطارات رديفة؟ يجيب المصدر نفسه أن توالي الأيام والأزمات يثبت ضرورة التفكير الجدّي في فتح مطارات أخرى ومنها مطار رينيه معوض في القليعات، لأن في ذلك حاجة ملحة ومنفعة أكيدة للبنان ستتظهر مع الوقت خصوصا مع بدء إعمار سوريا.

إشكال أمني وأزمة جديدة

أزمة أخرى واجهت المسافرين الأربعاء الماضي في المطار تضاف إلى الأزمات السابقة، بعد توقف عملية التفتيش بوجه المغادرين نتيجة إشكال بين سرية الأمن الداخلي في المطار وجهاز أمن المطار، أدى إلى انسحاب عناصر قوى الأمن الداخلي من مراكزهم، وتوقف حركة المسافرين. وفيما ربط البعض الإشكال بمتابعة التحقيق بما أُثير حول سفر رئيس الجمهورية ميشال عون من المطار أو بمنع قرار أحد المطلوبين كانت زيارة لوزير الداخلية نهاد المشنوق لمعالجة الموضوع وعودة العمل إلى طبيعته. ولكن على رغم ذلك فإن السؤال سيبقى حول توالي كل هذه الأزمات في المطار.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل