البطريرك صفير “سيد الصمت”… وثائقي وأسرار ومفاجآت تُكشف للمرّة الأولى

 

كتبت كريستين الصليبي في مجلة “المسيرة” – العدد 1680:

هي اللمسات الأخيرة التي وُضعت على وثائقي «سيد الصمت» البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. هو الذي طبع، من خلال الدور الذي لعبه على كافة الاصعدة، بصمات حُفرت في ذاكرة اللبنانيين. ربما قيل الكثير في صاحب الغبطة،  لكن بقي ما لم يُقل سابقاً عن الدور الذي لعبته بكركي في الحفاظ على الكيان اللبناني. وهذا ما حاول إيلي أحوش أن يفعله في هذا الوثائقي

منذ 15 أيار 1920، تاريخ مولد البطريرك، إلى 15 آذار 2011، تاريخ استقالته، أحداث كثيرة منحت غبطته لقب «بطريرك الإستقلال الثاني» عن جدارة. أسئلة كثيرة تُطرح حول هذا الوثائقي: لماذا البطريرك صفير تحديداً؟ ولماذا شخصية لا تزال على قيد الحياة؟ هل من بُعد وطني؟ ماذا سيقدّم الوثائقي من معلومات جديدة؟ ما الهدف منه؟ وكيف تمّ إعداده وإنتاجه؟ «المسيرة» حملت هذه الأسئلة إلى أحوش الذي كشف عن بعض التفاصيل قبل عرض الوثائقي على شاشة التلفزيون.

 

 

عند طرح هذه الأسئلة في بداية اللقاء، يبادر أحوش إلى الإجابة قائلاً: «من البدهي أنّه عندما نفكر بشخصية لوثائقي تاريخي وسياسي ووطني وروحي أن لا نغفل الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، لأن إسمه وحضوره يسبقان أي فكرة أخرى».

وعند سؤاله لماذا البطريرك صفير وليس البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس  الراعي، خصوصاً أن البطريركين موجودان؟ يشرح: «البطريرك صفير أعطى كل ما لديه للبنان وأنهى حبريته أما الراعي، فلا يزال يعمل وفي عز عطائه وعلى أمل أن تكون عطاءاته لسنين طويلة».

بعد أخذ موافقة البطريرك صفير، تمّ إعداد العمل وتنفيذه بمباركة البطريرك الراعي الذي شرّع أبواب بكركي والديمان لفريق العمل. أما الجدير ذكره فهو أنّ العمل تمّ تصويره بين لبنان وإيطاليا، تحديداً العاصمة روما والفاتيكان، وبمواكبة الأب فريد صعب وكل من الخورأسقف طوني جبران والمطران فرانسوا عيد من المعهد الحبري الماروني في روما.

لعلّ عبارة «سيد الصمت» هي الأكثر وصفاً للبطريرك صفير، ولكنّه إن حكى كسر قيود الإضطهاد والخوف. قد يظنّ الكثيرون أنّه من السهل الإعداد لوثائقي عن هذه الشخصية الوطنية، لكن أحوش يؤكّد: «الصعوبة الأساسية في العمل هي أن تعيد كتابة قصة البطريرك من خلال تاريخ لبنان، إذ يجب التنبّه إلى عدم الوقوع بأي خطأ وأن تكون المعلومات جدّ دقيقة».

أما الهدف من العمل فهو إيفاء هذا الإنسان حقّه بعد كل ما قدّمه للبنان، لذا كان يجب تقديمه بصورة وإطار مميّزين وبنصّ يدوم.

ويتابع: «نحن لم نصوّر هذا الوثائقي لرؤيته مرة واحدة فقط، هذا العمل توثيقي تاريخي وهنا صعوبته. لذا كان تركيب الصور مع الكلام هو الجزء الأدق والاكثر قلقاً بالنسبة لنا، لكن بعد كل المجهود الذي وضعناه أؤكّد للمشاهدين أنّهم سيعجبون بالوثائقي».

ما من لبناني إلّا وتابع أخبار البطريرك صفير وقرأ عنه فماذا سيقدّم هذا الوثائقي من جديد؟ وماذا يتضمّن؟ يكشف أحوش: «أسرار ووثائق لم يعلم بها اللبنانيون من قبل عن فترة الحرب وبيان المطارنة الشهير وإستقالة البطريرك، وسيكتشفون حقيقة شخصيته وكيف كان يتفاعل ويتصرف ويعالج المشاكل. صحيح أن الوثائقي هو عن حياة البطريرك صفير لكنه سيتضمّن مفاجآت كثيرة».

إذاً العمل عبارة عن توثيق لحياة البطريرك صفير منذ ولادته في 15 أيار 1920 في بيت مسيحي في قرية ريفون وصولاً إلى استقالته ومروراً بكل المراحل التي ارتبط بها إسمه. سيحمل الوثاقي المشاهدين إلى صومعة البطريرك صفير وحياة الزهد والتقشف التي يعيشها، وسيدخلهم في الدور الذي لعبه في الحياة السياسية والوطنية وكافة الاحداث التاريخية من مرحلة ما بعد الإستقلال إلى الحرب اللبنانية فاتفاق الطائف والإنسحاب السوري ومصالحة الجبل والإستقلال الثاني إلى بيان المطارنة الشهير عام 2000 والإغتيالات فالإنتخابات النيابية بعد ثورة 14 آذار 2005.

يلفت أحوش: «مرحلة الحرب اللبنانية هي أكثر من كانت دقيقة، كنا حريصين كثيرا في اختيار المفردات المستعملة دون أن نؤذي مشاعر أو نذكر بالجروح التي سببتها الحرب».

إستغرق التحضير لهذا الوثائقي من إعداد وتصوير وإنتاج حوالى السنتين. وارتأت محطة الMTV أن تعرضه ضمن حلقتين متتاليتين، مدّة الواحدة منهما ساعة و40 دقيقة، في 9 و10 تشرين الأوّل المقبل الساعة 9,30 مساءً، تزامناً مع إنطلاقة شبكة برامجها الجديدة. ويؤكّد أحوش أن «المشاهد لن يملّ في الحلقتين لأنه سيسمع قصّة حياة البطريرك صفير على لسان 30 شخصية من رؤساء جمهورية وحكومة وبطاركة وأساقفة وشخصيات سياسية. واجهنا تحدّيًا كبيرًا في الإختيار بين الجمل التي قالتها هذه الشخصيات عن البطريرك صفير لأن كل ما قيل كان رائعاً ويتماشى مع سياق الوثائقي».

إضافة إلى الشخصيات السياسية والروحية سيتضمن الوثائقي مقابلة خاصة للبطريرك صفير تحدّث فيها عن طفولته وأهم المراحل التي مر بها، وقد وجّه أكثر من رسالة  للبنانيين ولرعيته عبر الوثائقي. كما سيظهر أحد أقرباء البطريرك وبعض المقرّبين منه وكلّ من جورج عرب وأنطوان سعد اللذين كتبا سيرته.

ترتكز المعلومات التي يحتويها الوثائقي على عدّة مصادر منها «أرشيف خاص لأشخاص مقرّبين من البطريرك صفير، إضافة إلى أرشيف كل من تلفزيون لبنان، مجلّة «المسيرة»، دار الصياد، وطبعاً الMTV» بحسب أحوش الذي ختم شاكراً «معالي وزير الإعلام ملحم الرياشي على كل التسهيلات التي أمنها لنا للحصول على أرشيف تلفزيون لبنان، النائب ستريدا جعجع على مبادرتها بوضع إمكانياتها بتصرّفنا، رئيس مجلس إدارة الMTV ميشال المرّ على إيمانه بالعمل وثقته الكبيرة بنا ومتابعته وتشجيعه لنا وكافة المؤسسات التي شرّعت لنا أبوابها».

تعاون فريق العمل مع أهم مدراء تصوير في لبنان والشرق الأوسط وعلى رأسهم وسيم نهرا ليقدّموا للمشاهدين صورة وإطارًا مميّزين. والعمل من إعداد وتقديم إيلي أحوش، إخراج شربل يوسف، مونتاج طوني بو سجعان ومنتج منفّذ ناي نفّاع.

وأشارت نفّاع: «واجهنا الكثير من الصعوبة في المونتاج، لأننا نبدأ منذ ولادة البطريرك صفير إلى حين إستقالته. إضطررنا أحياناً إلى تغيير العديد من المشاهد تماشياً مع النصّ المكتوب، كذلك العمل إنتاجيا على الوثائقي كان صعبًا، وعلى رغم ذلك قدّمنا أفضل ما لدينا للمشاهد».

بعض المشاهد قيمتها ليست بجودة ونقاوة الصورة إنما برؤية البطريرك وسماعه، لكن «سيلاحظ المشاهدون إختلافاً في جودة الصور والفيديو بين ما أخذناه من الأرشيف وما صورناه نحن. لا يمكن للمونتاج أن يؤثّر على الصورة إنما اعتمدنا على الخدع (effects) كي لا تظهر الجودة الضعيفة للصور القديمة»، كما شرحت نفّاع.

العمل الذي سيشاهده الناس هو على المستوى المطلوب ويليق بشخصية مثل البطريرك صفير. تلفت نفّاع: «حاولنا في الوثائقي أن نطال كل جوانب مسيرة البطريرك صفير وأعماله ونشاطاته من إصلاحات في الكنيسة وهيكليتها وتوحيد القداس والتعديلات. إضافة إلى كل ذلك، سلّطنا الضوء على محطات دينية عايشها لبنان من إعلان قداسة عدّة مطوّبين إلى زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان حيث تجمهر الناس على جوانب الطرقات منتظرين مروره ليعبّروا عن ألمهم في تلك المرحلة».

لم يغفل الوثائقي عن الدور الذي لعبته بكركي كمقرّ ومتنفّس وحيد للشباب اللبناني الذي كان يحجّ إليها للمطالبة بحقوقه، إذ من المعروف أن لا سلطة ستمسّهم هناك. كان اللبنانيون ينتظرون أن يطلّ البطريرك صفير من شرفة بكركي  فيعلموا أن الصخرة التي يتكئون عليها بألف خير.

تضيف: «البطريرك صفير شخصية دينية كما نعلم، إنما الدور الاكبر والاهم الذي لعبه هو وطني، لولا صموده ما صمد اللبنانيون. هذا ما سيظهره الوثائقي الذي سيذكّر اللبنانيين ما عاشوه في عهد البطريرك صفير، وكيف كان يعلم من قبل أننا سنصل إلى ما نحن عليه اليوم».

بعد 12 دقيقة من بدء الوثائقي سيدخل المشاهدون إلى حياته البطريركية وسيتفاجأون بما سيسمعونه عن  البطريرك صفير؛ كيف كان الأساقفة والمطارنة يفكرون به، ماذا كانوا يقولون عنه في ما بينهم. سيتعرّفون على طبعه وشخصيته قبل أن يصبح بطريركا وكيف كانت حياته، وهذه التفاصيل الصغيرة ستحمّس المشاهدين إلى متابعة الحلقتين من دون توقف أو ملل.

لطالما اشتهر البطريرك صفير بعبارة «لقد قلنا ما قلناه» من دون أن يضطر إلى تبرير أي موقف، تشير نفّاع إلى أن «كل الشخصيات أجمعت على أن البطريرك صفير «صلب» ولديه موقف واحد لا يغيّره، كثر كان لديهم حكم مسبق عليه إذ إن معظم اللبنانيين يظنون أنه عنيد أو قاسٍ او أنه منحاز لفريق سياسي دون آخر، سيتفاجأون أنه منحاز لبقاء لبنان وحماية اللبنانيين فقط، هو مع أن يكون هناك ضمانة لحرية وسيادة واستقلال البلد».

لمن لا يعلم الكثير عن البطريرك صفير، بالأخصّ الجيل الجديد، سيتعرّفون من خلال الوثائقي على صلابة البطريرك في اعتماد خط واحد مشى عليه فإما يلتقي الأفرقاء السياسيون معه وإما لا، إنما هو لم يغيّر ولم يتغيّر يوماً. حتى في موضوع زيارته لسوريا، رفض الذهاب إليها من دون «أبنائه» ومن دون حصوله على ضمانة لمصيرهم ومصير البلد.

أخذ البعض على البطريرك صفير أنه منحاز لحزب «القوّات اللبنانية» لكن ما سيظهره الوثائقي هو أن البطريرك وبكل بساطة ضدّ الظلم، عندما أتُّهمت «القوّات» وتبيّن أنها بريئة من جميع التهم اتخذ موقفاً ضد الظلم وليس ضدّ الأفرقاء الآخرين.

لرئيس حزب «القوّات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع حصّة في الوثائقي، إذ قابله أحوش وتحدّث معه عن مرحلة ما قبل السجن وما بعده. وسيتفاجأ الرفاق القواتيون بما سيقوله جعجع عن صفير حيث سيكشف أسراراً لم يعلموها من قبل، كما أنه سيعطي رأيه وإنطباعه بهذه الشخصية الدينية الوطنية.

الوثائقي سيقدّم سيرة حياة البطريرك صفير مع خلفية موسيقية ومشاهد وصور تقاطعها مقابلات؛ «على رغم كل التعب والمجهود الذي وضعناه لتقديم أفضل ما عندنا يبقى كل ذلك قليلا على بطريرك مثل صفير» تختم نفّاع كلامها.

هذا الرجل كان ينادي بوطن لجميع اللبنانيين، لم يقل يوماً كلاماً طائفياً ولم يُسئ لأي من الطوائف الأخرى، إنّه «سيدنا البطريرك صفير»، سيد الصمت والمواقف الصلبة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل