#adsense

في زمن الفراغ…

حجم الخط

 

تتوزّع أخبار العالم بين كوارث طبيعية تقضّ مضاجع مواطني شرق آسيا وغربي الولايات المتحدة، وأزمات إقتصادية تعوّق التنسيق ما بين إيطاليا العاجزة إقتصاديا والمفوضية الأوروبية المتمسكة بمعدلات منطقة الأورو للنمو والعجز والبطالة، أو تلك التي تتهدد تركيا وإيران ومصر والأرجنتين وفنزويلا وروسيا بمزيد من الإنكماش إن طال أمد الإنهيار الدراماتيكي الذي تشهده عملاتها الوطنية منذ أشهر. أما “بريكست” بريطانيا فيدفع بالجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوياته تاريخيا تحت وطأة تباطؤ نمو الإقتصاد وتنامي ضغوط المستقبل الغامض خارج الإتحاد الأوروبي.

 

وحده خبر آت من آسيا يفيد بأن سنغافورة وهونغ كونغ تتأهبان لتصدّر مراكز الثروة في العالم في الأعوام المقبلة، نتيجة الإزدهار الملحوظ في الخدمات بالخارج، وفق بيانات وكالة “بلومبرغ”.

 

خبر آخر من الشرق الأوسط يبشّر بنجاح مصر في تحقيق الإكتفاء الذاتي في سوق الغاز الطبيعي المسال، وإعلانها رسميا توقفها عن إستيراد الغاز بعدما إرتفع إنتاجها اليومي إلى 6.6 مليار قدم مكعبة في نمو مضطرد منذ بدء تشغيل حقل “ظُهر” بعدما إكتشفته شركة “إيني” الإيطالية عام 2015، ويحوي وفق التقديرات نحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز. مصر المتهاوية إقتصاديا وإجتماعيا منذ تحرير سعر الجنيه بطلب من صندوق النقد الدولي، تعمل للتحوّل إلى مركز رئيس للطاقة في المنطقة من خلال تسييل الغاز وإعادة تصديره.

 

وما بين مصر وإسرائيل، إتفاق بين شركات مصرية وأميركية وإسرائيلية على شراء 39% من أسهم شركة “غاز شرق المتوسط” بمقدار 518 مليون دولار، في صفقة تُتيح البدء بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر مطلع الـ2019 عبر خط أنابيب بحري بطول 90 كليومترا بين البلدين، لينضمّ بذلك إلى غاز “أفروديت” القبرصي عبر خط بحري قبل أن تعيد مصر توريده إلى الأسواق العالمية.

 

هذه بعض من أخبار إقتصادات واقعة في محيط منطقة لا تزال تردم جغرافيتها بمعارك عسكرية تنثر رمادها في الجوار بعشوائية ناجمة عن صراع دولي على تقاسم سوريا، نفوذا وثروات طبيعية.

 

لبنان، النائي بنفسه عن عجلات التطوّر والتقدم والنمو الواعد في المنطقة، لا يزال يبحث عن سبل لتدعيم الثقة بأدائه السياسي لا الإقتصادي، وهو ما يمكن أن يستهل المشوار الطويل بدءا من تشكيل حكومة منتجة وقادرة على ترشيد الإنفاق العام والعجز والدين وخدمة الدين العام وتفعيل النمو ودورة الإنتاج، على أمل أن يساعد ذلك إقتصاده المنهك بأعباء الفساد الذي يحول دون تنفيذ سلة إصلاحية تؤهله لدخول مرحلة “سيدر” مع ما يحوطه من إستحقاقات مستقبلية.

 

حتى الآن، لا مؤشرات إيجابية تبشّر بقرب الإنفراج الحكومي. وأكثر، يتردّد أن الفراغ الحكومي باق حتى تنفرج أسارير المنطقة عن حلٍ لم يترجمه بعد إتفاق إدلب الدولي. وهذا يعني المزيد من الفراغ على ما أفرغ لبنان من مفهوم الدولة، والمزيد من الضغط على المضغوط من حسابات المواطنين الفارغة والمتعطشة إلى قرش حلال، وأيضا المزيد من قلاقل وثرثرات تهدف إلى إلهاء الناس وإثارة مخاوفها بقصد تحقيق مكاسب شخصية لبعض ممَن لا يفقهون في مبادئ الوطنية والإنتماء ما يحررهم من تبعات الإستزلام والتبعية والمحسوبية.

 

في زمن الفراغ، تكثر الأزمات وتعصى الحلول. مطار بيروت و”سيمنز” الكهرباء وأدوية السرطان، ثلاثة نجوم فضائحية حاولت سرقة الأضواء من الليرة اللبنانية وقروض الإسكان. نجحت في أحيان وأخفقت في أخرى، لتعود “حليمة” إلى عاداتها القديمة، متوعدّة بخراب البصرة المحتجة بعدما أخلته قنصلية أميركا نهاية الأسبوع هربا من ضغط الفساد والبطالة.

 

في زمن الفراغ، يترجم الفشل في تأليف الحكومة بمعدل النمو الذي كان متوقعا أن يبلغ 2% ليقارب مستويات إقتصادت المنطقة. كما ينعكس على معدلات الفائدة المحلية التي تلحق بما يصيبها من ارتفاع عالمي لتضيف إليها زيادات يفرضها ارتفاع منسوب المخاطر السيادية. ويصيب أيضا تنامي الدين العام إلى 83 مليار دولار، بما يفوق وتيرة النمو الإقتصادي، وهذا ما لا يساعد في تحريك الإقتصاد بل بوقف إنفلاش القطاع العام مع التوظيفات العشوائية والبحث عن سبل تحفيز النمو عبر القطاع الخاص. ومعه أيضا (الفراغ)، يستحيل حل معضلة الكهرباء والدعم السنوي المخصص لها بمقدار ملياري دولار، لتبقى البواخر المستأجرة حلا مؤقتا مفروضا بقوة “الظروف القاهرة” التي أسقطت طرح “سيمنز” المخفض التكاليف!

 

في زمن الفراغ، تضغط الخلافات السياسية على سمعة لبنان وعلى إقتصاده. فالحكومة إن وُلدت، يُفترض أن تحدّد رؤية لمستقبل البلاد إقتصاديا وماليا، وتقرّ علانية برغبتها في إنجاز الإصلاحات المالية المشروطة بمليارات “سيدر”، وتعتمد الشفافية المطلقة والإفصاح في ملفات الكهرباء والنفط والغاز والنفايات والأدوية السرطانية وأحقية التعليم وغيرها من أدنى الحقوق التي يعجز المواطنون وحدهم عن تحصيلها.

 

إعلان النوايا الحكومية في برنامج تنفيذي خال من “الكليشيهات” المعدّة مسبقا والمنسوخة عن بيانات وزارية بالية، هو وحده يكفل للبنان بإستعادة ما بدّده بنفسه. الثقة أولا هي المسلوبة من الداخل والخارج على السواء، ورؤوس الأموال هي التي تكفل تمويل العجز وضخّ فرص عمل جديدة يحتاجها الإقتصاد ليعيد إنتاج ليرات لبنانية لم تهتزّ منذ ربع قرن، ولن تهزّها ضغوط أو شائعات.

 

شكل الحكومة العتيدة هو موضع الخلاف لا طبيعة عملها المستقبلية ومضمون برنامجها. وفي ذلك مضيعة للكثير من وقت العهد القوي، والإمعان في دفع لبنان نحو زمن الفراغ القاتل.

المصدر:
Arab Economic News

خبر عاجل