عرقلة تمويل أدوية السرطان: والله حرام

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1681

عرقلة تمويل أدوية السرطان: والله حرام

وزارة الصحة قامت بواجبها والكرة في ملعب مجلس النواب

 

عندما يحل لبنان في المرتبة الأولى بإصابات السرطان في المنطقة، وعندما تُبيِّن الإحصاءات أن نسب الإصابة بهذا المرض الخبيث تتزايد باطّراد، يكون التوقف الجدّي عند هذه القضية الحياتية أكثر من ضروري ومعالجتها بأقصى سرعة أكثر من ملحّة. المسألة لا تحتمل المماطلة بحسب خبير ومستثمر في قطاع الأدوية في لبنان والعالم العربي. وتساءل: هل يجوز إدخال المرضى في لعبة التجاذب السياسي الضيقة، خصوصًا مرضى السرطان؟ وكيف يمكن أن يلجأ مسؤول إلى حجب التمويل عن مسألة حيوية كأدوية الأمراض المستعصية، فقط لضرب مصداقية مسؤول آخر؟ وفي هذا السياق، زيارة قصيرة لمستشفى في بيروت كانت كافية للوقوف عن قرب على مدى معاناة مرضى السرطان وذويهم على هذه الجلجلة التي باتوا يخشون أن يفتقدوا فيها من يُعينهم على حمل الصليب. فأين باتت القضية اليوم؟ وهل تستمر مسيرة التمويل بعد المؤشرات الإيجابية التي لاحت الخميس الماضي؟ أخبار مطمئنة تنتظر النفاذ إلى التطبيق…

 

معلوم أن بند موازنة الدواء يعاني من عجز سنوي مزمن بلغ 80 مليار ليرة في العام 2016 خصوصًا مع إدخال أنواع جديدة من أدوية السرطان والأمراض المستعصية. وللحد من هذا العجز، كانت وزارة الصحة قد عمدت الى وضع بروتوكولات علمية لوصف الأدوية، وتخفيض الأستثناءات 63 في المئة في العام 2017 مقارنة مع العام 2016، علمًا بأن بعض هذه الإستثناءات كان ناجمًا عن عدم تأمين الضمان الإجتماعي أدوية لمرضاه متوفرة في وزارة الصحة ولدى جهات ضامنة أخرى.

 

وزارة الصحة قامت أيضا بترشيد طلبيات الأدوية في الكرنتينا عبر تحديدها بشكل فصلي لا سنوي تحاشيا لتكدّس أنواع من الأدوية وانقطاع أنواع أخرى، فخفضت العجز من 80 مليار ليرة سنويًا الى 38 ملياراً. الا أن هذه الخطوات لم تكن كافية وحدها لحل العجز المزمن في بند الدواء، فطالب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني تكرارا خلال مناقشة موازنتي العامين 2017 و 2018 بزيادة الموازنة، ولكن ظهرت معوقات كثيرة حالت دون ذلك، وهي ما زالت قائمة ومستمرة على الرغم من خطورة وضع العديد من المرضى في المستشفيات.

 

بوادر حل للأزمة

هناك أكثر من 25 ألف مريض من جميع المناطق والإنتماءات يحصلون على دوائهم للأمراض المستعصية والمزمنة من وزارة الصحة العامة، علمًا أن عددًا كبيرًا منهم يكون مرفوضا من جهات ضامنة أخرى لا تؤمن الأدوية المدرجة على وزارة الصحة. في حين أن قدرة وزارة الصحة تتراجع أمام تلبية هذه الطلبات ضمن الأطر القانونية السليمة من دون أن يكون هناك اعتمادات وموازنات في المكان الصحيح.

 

ولذلك كان موقف تكتل “الجمهورية القوية” حاسما في المجلس النيابي في جلسة تشريع الضرورة باعتبار أن لا ضرورة أكثر إلحاحا من تأمين الدواء لمريض مهدد بالموت. وهو يستند في ذلك إلى اقتراح قانون معجل مكرر كان تقدم به نواب “القوات” ولم يناقش. وقبل هذا الموقف الذي قوبل بالرفض أو التسويف، كان الوزير حاصباني طالب مجلس الوزراء بنقل اعتماد لزوم بند الدواء من احتياطي الموازنة العامة الى موازنة وزارة الصحة أربع مرات: بتاريخ 21 تموز2017، و24 كانون الأول، و9 آذار و13 آب 2018. وعلى رغم ذلك وعلى رغم المطالبة المتكررة والملحة، لم يدرج بند تمويل الدواء على جدول أعمال مجلس الوزراء.

 

عضو تكتل “الجمهورية القوية” الدكتور فادي سعد كان كشف لـ”المسيرة” عن اجتماع لجنة الصحة النيابية الذي انعقد الخميس في 4 تشرين الأول الجاري إستثنائيا لمناقشة بند الموازنة الإضافية لتأمين الأدوية السرطانية، وإرساله إلى اللجان المشتركة، بناء على توجيهات من الرئيس نبيه بري.

ولفت النائب سعد إلى أن جميع الكتل متفقة على معالجة هذه المسألة. ولمن يضلل الناس بالقول إن موازنة وزارة الصحة بقيت كما كانت في الأعوام السابقة ولم تُخفّض، فلماذا ظهر النقص اليوم؟ وكأنه يرمي إلى اتهامات في غير محلها، يوضح سعد أن الموازنة لم تُخفّض، صحيح، ولكن تجدر الإشارة إلى عوامل عدة مهمة تؤثر في هذا الموضوع، منها أن عدد مرضى السرطان زاد عن السنوات الماضية وهو يرتفع باطراد، وثانيا هناك هيئات ضامنة باتت لا تغطي كل علاجات السرطان وأدويته ما حوّل هذه الشريحة من المرضى إلى وزارة الصحة التي لا يمكن أن ترد طالب دواء، إضافة إلى أن هناك أدوية جديدة تدخل السوق باستمرار وغالبا ما تكون أعلى ثمنا كونها أكثر فعالية من سابقاتها. ومن الطبيعي أن يؤدي تضافر كل هذه العوامل إلى زيادة إنفاق وزارة الصحة وبالتالي زيادة العجز، علما أن الوزير حاصباني اتخذ إجراءات ناجعة كثيرة حدّت من الإنفاق غير المجدي.

 

ولفت سعد إلى أن الموازنة هي بين 40 مليار ليرة و60 مليارا، وهي غير كافية، فنسبة الإصابات ترتفع حوالى 6 في المئة سنويا، وكذلك أسعار الأدوية. ولذلك لا مفر من أن تتحمل الدولة مسؤولياتها فعلاج مرضى السرطان ليس ترفا بل المسألة هي مسألة حياة أو موت. والدواء هو ملاذهم الوحيد، لذلك لا خيار عند الدولة إلا إقرار ملحق موازنة إضافية لتأمين الدواء لمحتاجيه وإلا نكون أمام مشكلة كبيرة. لا يمكن أن نبقى متكلين على كرم أخلاق شركات توزيع هذه الأدوية التي تمهلنا أسبوعا وراء أسبوع على أمل تأمين التمويل. فهذا الأمر يعني كل الناس وكل الأطراف. ليس هناك جهة سياسية ليس لديها مرضى سرطان. فأقله ألا نُدخِل هذا الموضوع في التجاذبات السياسية.

 

على الخط الصحيح

عضو كتلة “الجمهورية القوية” النائب إدي ابي اللمع كان تقدّم باقتراح قانون معجل مكرر موقّع من عدد من النواب لتأمين 75 مليار ليرة لبند الدواء بهدف إقفال العجز القائم وتغطيته. وقال: “من غير المسموح التلاعب بصحة المرضى وعدم توفير الدواء لهم، فهذه القضية إنسانية بالمطلق، ووجع الناس أهم منا جميعا. لذا يجب مقاربة المسألة بعيداً عن أي اجتهادات أو تأويلات.

 

وأوضح أبي اللمع ان فريقًا متخصصًا لدى وزارة الصحة قام بدراسات عملية للسوق واطّلع عليها النواب قبل إعداد إقتراح القانون، مؤكّدًا أن سياسة بند الدواء بحاجة الى هيكلية جديدة من أجل تجنّب الوقوع في هذه المشاكل. ووصف الإقتراح بأنه يؤمّن نوعًا من الإستدامة في العلاج، ومن الممكن ان ننقذ العديد من الأرواح، معوّلًا على وعي المسؤولين اللبنانيين في الإسراع بإقرار هذا القانون. وإذ أوضح أن تزايد الحالات المرضية غير طبيعي، وهو أمر يتعلق بعدد من الإدارات التي عليها تحديد أسباب ازدياد المرض، ختم قائلًا: «لا نعتقد أن أحدًا يريد أن تتردّى الأحوال الصحية للمواطن اللبناني وأن يعارض هذا الإقتراح”.

“المسيرة” سألت عن هذا الموضوع أحد الخبراء في هذا المجال سواء في قضايا الدواء أو التجاذبات اللبنانية وهو مستثمر في صناعة الأدوية في لبنان والعالم العربي، فقال: “للحقيقة والأمانة لم أصادف في حياتي العملية على مدى حوالى نصف قرن من العمل في مجال الدواء صناعةً وتجارة، صراعاً سياسياً وقوده مرضى ملتاعون متألمون. وللأمانة أيضا سوف أتكلم عن الوزير غسان حاصباني كوني أعرفه عن قرب، لإنصافه بأنه عمل بجد وكفاءة عالية لإدارة الوزارة”.

وتابع “يا سادة كيف تعالجون أموركم في لبنان؟ وهل وصل بكم الأمر إلى حد استخدام المرضى سلاحا من قبل مسؤول رسمي لضرب مصداقية أو تشويه صورة مسؤول رسمي آخر؟ يوم فكرت بالإستثمار في لبنان، كنت أتطلع إلى مستقبل واعد. كان هناك من حاول ثنيي عن هذه الخطوة بحجة عدم الإستقرار، وكان جوابي دوماً أن اللبناني مقدام وقادر دائما على تخطي الصعاب. اليوم وبعد أكثر من عقد من الزمن، أنا متفاجئ حقا من الطريقة التي تُدار بها الأمور من أرفع المستويات حتى أدناها. لماذا وصلتم إلى هذا الوضع؟ هل لأن الحكومة لا تمويل لديها والخزينة فارغة؟ هذا غير صحيح لأن مسؤوليكم يتصرفون كأن البلاد في عزها، ويصرفون كأن هناك فائضاً، لا تراكماً خطيراً من الديون. ولماذا تتأمن الأموال لأمور ثانوية، ولا تتأمن لأمور ملحّة وضرورية كتوفير علاجات للسرطان”؟

 

وأضاف “بلغني أن بعضهم سعى الى قطع الطريق على الكثير من البنود المتعلقة بوزارة الصحة عبر عدم إدراجها على جدول أعمال مجلس الوزراء، وعدم قبول إدخال الزيادات المطلوبة خلال نقاشات الموازنات. وأن بند موازنة الدواء يعاني من عجز سنوي مزمن لا من عجز مستجد. وما فعله الوزير حاصباني أنه خفّض العجز من 80 مليارا قبل سنتين الى 38 مليارا حاليا، وهذا أمر يُشكر عليه”.

 

شهادات من قلب المعاناة

في معاناة مرضى السرطان أكثر ما يصح قول: “الحكي مش متل الشوفة». وإن زيارة ولو سريعة لمستشفى، تعطى صورة مريرة عما يعانيه المرضى وذووهم والفريق الطبي والتمريضي المواكب لهم. ويعطي شعورا أيضا لا يمكن وصفه عن المتاجرة بهذا الموضوع من أجل مناكفات رخيصة. فشهادات المعنيين وذوي المرضى في المستشفيات تضيء على جانب آخر من الموضوع. ويقول أحد الأطباء المعالجين في أحد مستشفيات بيروت أن طالبي الدواء كانوا يحصلون في السابق من الوزارة على أكثر من عبوّة في الطلب الواحد، أي ما يمكن أن يكفي لفترة أطول. وكان الهدف من ذلك تخفيف الأعباء والضغوط على الوزارة والمواطنين في آن. لكن تبيّن مع الوقت أنه عند مفارقة بعض المرضى الحياة بسبب حالاتهم المستعصية، يترك الأهل ما تبقّى من أدوية وأحيانا يكون بينها أكثر من عبوّة مختومة. وفي هذه الحال يذهب الدواء غير المستعمل إما إلى النفايات وإما يضع الطاقم التمريضي في المستشفى يده عليه، ويباع لاحقا لمرضى آخرين. وفي الحالين تكون وزارة الصحة قد تكبدت تكاليف عالية، نظرا لارتفاع أسعار علاجات السرطان، من دون أن يستفيد منها المرضى ممن ليس لهم القدرة للحصول على هذا الدواء إلا عبر الوزارة. وهذه كانت خطوة إصلاحية رائدة لدولة الرئيس حاصباني الذي أعاد تنظيم توزيع الأدوية منذ تسلمه الوزارة وضبط التفريط بالدواء”.

 

وتابع الطبيب المسؤول أنه “في بادئ الأمر نتج عن هذا الإجراء بلبلة في التسليم، لكنه وفر على الوزارة مليارات الليرات من جهة، وأبقى هذه الأدوية متوفرة لمستحقيها إلى أبعد قدر ممكن من جهة ثانية. وتساءل، ماذا يفعل الوزير إذا كانت الإصابات تزداد وأسعار أدوية السرطان تزداد أيضا، علما أن معظم هذه الأدوية لا يمكن تصنيعها محليا للتخفيف من كلفتها العالية”؟

وتابع: “الحق يقال أن استخدام هذا الأمر في التجاذب السياسي على حساب وجع الناس وحياتهم هو أكثر خبثا وفتكا من السرطان نفسه، ولدي في هذا المجال ما لا يُقال ولا يُنشر. وعند الإلحاح عليه بالسؤال قال: أكتفي بكلمة «والله حرام». فليأتِ أصحاب المشاريع السلطوية لزيارة أقسام مرضى السرطان في المستشفيات، وعندها فليحدّثونا عن انطباعاتهم وقرارهم في شأن تمويل العلاجات من عدمه”.

 

في الواقع مهما يحاول المرء نقل الصورة الأقرب إلى واقع المشاهدات في المستشفيات، يبقى عاجزا، فالألم لا يشعر بمرارته إلا من يعانيه، والجمرة كما يقول المثل، لا تحرق إلا مكانها، ولكنها في حال لبنان المتردية بلغت من الحرقة ما قد يأتي على ما تبقّى من أمل في النهوض المنشود.

 

إحدى المريضات هناك، اختصرت كل الكلام بنظرة، كانت أبلغ من أي كلام. وبعدها… فليصمت كل المتاجرين بمرض الناس، فلا ضرورة لتشريع الضرورة أكثر من موضوع أدوية السرطان. فمتى سينعقد مجلس النواب لحل هذه المسألة؟.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل