18 ألف إصابة بالسرطان و9000 حالة وفاة

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1681

18 ألف إصابة بالسرطان و9000 حالة وفاة

وزير الصحة رفع الصوت… ورد الصدى ما في حدا

 

هو ذاك الخبيث… هيداك المرض الذي ينهش خلايا الإنسان ويدمرها من دون رحمة ولا استئذان، ولا يبقى إلا الأمل المتوقف على دواء وعلاج قد يكون كفيلا في إعطاء المريض جرعات إضافية من إكسير الحياة. لكن حتى دواء السرطان بات الحصول عليه صعبًا في وطن أقل ما يقال فيه إنه البلد الرائد في ارتفاع معدل الإصابة بالسرطان بنسبة 5،8 في المئة سنويا، ومن 100 حالة لكل 10 آلاف مواطن في العام 2006 الى 300 حالة في العام 2013 للعدد نفسه و17 ألف حالة جديدة في 2018.

 

ماذا عن السنوات المقبلة؟ لا شيء مطمئن طالما أننا نتنشق الموت يوميًا في ظل وجود 940 مكبًا عشوائيًا للنفايات وأكثر من 150 موقعًا تُحرق فيه في الهواء الطلق أسبوعيًا. لكن من قال إن صفة “الخبيث” لا تنطبق إلا على هيداك المرض؟ ماذا عن المسؤولين عن حياة الناس الذين يشطبون قانونا معجلا مكررا لتأمين اعتمادات إضافية لتأمين الدواء للأمراض المستعصية والمزمنة؟ وهل يجوز وضع وجع الناس على ميزان الإجتهادات والنكايات والحسابات السياسية الضيقة؟

في بلد بات الحصول على الدواء مستعصيًا للأمراض المستعصية كل شيء مسرطن وخبيث. يبقى الأمل في أن يتسلل وجع مرضى السرطان إلى آذان النواب في الجلسة التشريعية المقبلة ويكون بند قانون المعجل المكرر الذي تقدم به عضو كتلة الجمهورية القوية النائب إدي أبي اللمع على قائمة البنود، لتأمين الدواء للمرضى وليس مجرد مرضى عاديين… فلنعترف: إنهم مرضى ذاك السرطان الخبيث.

 

25 ألف لبناني ينتظرون عند أبواب مستشفى الكرنتينا الحكومي للحصول على أدوية السرطان التي باتت شبه مقطوعة وغير متوافرة إلا للحالات الأكثر إلحاحا. 25 ألف صرخة وجع من أشخاص يتعايشون مع ذاك الخبيث انتظروا بعيون مكحلة بسواد الوجع ما سيصدر عن تلك الجلسة التشريعية التي طرح فيها نواب تكتل “الجمهورية القوية” القانون المعجل المكرر الذي تقدم به أحد أعضائه النائب ماجد إدي أبي اللمع لتأمين 75 مليار ليرة لبند أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة بهدف إقفال العجز القائم وتغطيته. إنتظروا كما سواهم من اللبنانيين أن يكون لذاك الخبيث صدى في آذان المعنيين . طار البند وطارت الجلسة وبقى الأمل. نعم وحدهم مرضى السرطان يعرفون سر التكيف مع ذاك الأمل الذي يشرق عليهم مع كل طلعة شمس…

 

جرس الإنذار الذي أطلقه نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني لم يكن الأول. في 31 آب الماضي أطلق صرخة مدوية وقال: “لا يمكن الإستمرار في تأمين ادوية الأمراض السرطانية والمستعصية التي يستفيد منها مجانا 25 ألف مواطن لبناني بشكل منتظم ما لم يتم تأمين أموال إضافية لبند الدواء الذي يعاني من عجز مزمن منذ أعوام عديدة. هذه الصرخة أطلقها منذ توليه وزارة الصحة في  22 كانون الأول 2016. يومها قال أمام سلفه الوزير السابق وائل أبو فاعور ومدراء الأقسام في الوزارة: “وزارة الصحة هي وزارة  الإنسان والإنسانية قبل كل شيء، ولا تدخل فيها السياسة والمحاصصات بل العمل الإنساني”.

 

لعل أحدهم لم يسمع أو لا يريد أن يسمع ويتوغل في قراءة وجع الناس الذي حمله الوزير غسان حاصباني من لحظة توليه مهامه في الوزارة. قالها وفعلها. “من غير المسموح التلاعب بصحة المرضى وعدم توفير الدواء لهم، وجع الناس أهم منا جميعا، لذا يجب مقاربة المسألة بعيدا من أية اجتهادات أو تأويلات أو تفسيرات”. كان حازمًا وجازمًا بأن هذه القضية إنسانية بالمطلق. وعلى هذه القاعدة رفض الوزير حاصباني الدخول في اللغط الذي حصل في جلسة تشريع الضرورة، علما أن الرئيس نبيه بري كان ذكر خلال الجلسة أن القانون المعجل المكرر الذي تقدم به النائب إدي أبي اللمع لتامين 75 مليار ليرة لبند الدواء لتغطية العجز وإقفاله سيُبحث في خلالها. لكن تبين أن الإقتراح لم يكن مدرجا على جدول أعمال الجلسة وكانت هناك نقاشات متعددة وفي أمور عديدة إنعكست غموضا في المقاربة وعدم حماسة لإقرار الموازنة، مما دفع بنواب تكتل “الجمهورية القوية” إلى الإنسحاب من الجلسة ولحق بهم نواب كتلة تيار المستقبل وآخرون لنفس الأسباب. وكان يمكن استكمال الجلسة وإقرار باقي المشاريع على ما صرح به وزير المال علي الخليل مما ينفي كل التفسيرات والتأويلات عن وجود نية مسبقة لدى نواب الجمهورية القوية في تعطيل الجلسة . في اي حال ما حصل يبقى تفصيلا أمام الحاجة الملحة لتامين الدواء.

 

مصادر مقربة من وزير الصحة غسان حاصباني أكدت أنه تلقى وعودا بأن يكون بند القانون المعجل المكرر المتعلق بالدواء على قائمة البنود التي ستطرح في أول جلسة تشريعية. لكن الثابت أن الأزمة ليست وليدة اللحظة فبند موازنة الدواء يعاني من عجز سنوي منذ العام 2016 أي منذ تولي الوزير حاصباني مهامه إذ بلغ عتبة 85 مليار ليرة خصوصا مع إدخال أنواع جديدة من أدوية السرطان والأمراض المستعصية. وعلى رغم كل الظروف لم ينقطع الدواء.

 

ثمة كلام وتفسيرات وتأويلات تتجاوز خبث هيداك المرض لكن الحقائق المقرونة بالمستندات والأرقام تبقى الدواء الشافي أقله للرأي العام إذ لا أولوية في أي تشريع أو حكم يعلو على أولوية تأمين الدواء للمرضى الذين يستفيدون من العلاج على حساب وزارة الصحة. وإذا باتت عملية صرف الأموال على حياة الناس وتحديدا المرضى الفقراء بالطريقة العادلة والمستحقة تهمة، فهذه شهادة تعطى لوزير الصحة ونواب تكتل “الجمهورية القوية” الذين ما زالوا يصرون على تمرير القانون المعجل المكرر لإنقاذ حياة مرضى السرطان.

الصرخة مدوية ووحدها صرخة مريض السرطان تبقى الأكثر حرقة ووجعا. صحيح أنها لا تحرق إلا صاحبها لكن إذا عدنا إلى الأسباب التي أدت إلى ارتفاع معدل الإصابات بالسرطان نرى أنها من صنع سياسات أهل الحكم واستخفافهم بأبسط حقوق الإنسان في وطن وصفته منظمة هيومن رايتس واتش بـ”كأنك تتنشق موتك”. فاللبنانيون بحسب التقرير يتنشقون السرطانات جراء حرق النفايات وهذا ما عكسته إحصاءات السجل الوطني للعام 2015 إذ تبين أن 1212 مريضًا مصابًا بسرطان الرئة وأكثر من 1090 شخصًا مصابًا بسرطان الكولون. وبحسب مصادر وزارة الصحة شكلت أدوية السرطان في العام 2017 حوالى 53 مليون دولار على نفقة وزارة الصحة، مع ارتفاع نسبة الإصابات إلى 12 في المئة سنويًا منذ العام 2008. وبلغ معدل كلفة الدواء لمعالجة المريض المصاب بسرطان الرئة حوالى 13 ألف دولار في العام 2017 فيما كانت لا تتجاوز 5 آلاف دولار في العام 2012 نتيجة ارتفاع أسعار الأدوية المتطورة.

هذا الإرتفاع في عدد المصابين بمرض السرطان من شأنه أن يستمر بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى أن كل زيادة بنسبة 1 في المئة من الجسيمات الناتجة عن حرق النفايات في الهواء الطلق تزيد احتمال الإصابة بسرطان الرئة بنسبة 14 في المئة كما يتعرض من يعيش في المناطق الملوثة لزيادة في نسبة الوفيات بسرطان الرئة بحوالى 20 في المئة.

 

كل هذه الأرقام وكل الكتب التي رفعها الوزير حاصباني لوضع الحلول حيز التنفيذ ووضع أولوية وطنية لتأمين العلاج لمن تضرروا من فشل الدولة لسنوات عديدة في تامين البيئة السليمة لم تلق الآذان الصاغية إلى أن حصل الإنفجار في سنة 2018 وكل ذلك بحجة التقشف على حساب حياة الناس. صدقوا.

 

أمام مبنى مستشفى الكرنتينا الحكومي المشهد وحده يحكي عن وجع الناس عن يأسهم عن غضبهم وثورتهم على مسؤولين لم يتذوقوا وجع مريض بالسرطان داخل بيوتهم ولم يشعروا بوخز الحقن والأمصال والأعراض الناتجة عن علاجات مرضى السرطان فكيف بصرخات مريض لم يوفق بعبوة إكسير الحياة وانتظرها بحجة أن الدواء مقطوع أو عليه الإنتظار حتى يتم تأمينه بعد أسبوع أو أسبوعين أو بعد إقرار القانون المعجل المكرر؟

 

أرقام وزارة الصحة  واضحة: نسبة المصابين بمرض السرطان في لبنان زادت 5،6 في المئة في العام 2018 والوزير حاصباني أعلنها في أكثر من مناسبة أن هناك صعوبة في إمكانية تحصيل ادوية السرطان والأمراض المزمنة من الوزارة وقد أبلغ لجنة الصحة النيابية بذلك. والحل؟

 

مصادر في الوزارة أكدت أن العجز في بند الدواء مزمن ومستعصٍ من أعوام والوزير حاصباني حمل معه هذا الإرث الثقيل، لكن مع إدخال أدوية جديدة متقدمة لمرضى السرطان بين العامين 2014 و2015 ارتفعت قيمة الفاتورة الدوائية بالتزامن مع ارتفاع عدد المصابين بهذا المرض لأسباب تتعلق بالبيئة الملوثة والموبوءة في لبنان إضافة إلى ارتفاع مستوى الوعي عند الناس لجهة الكشف المبكر على امراض السرطان. ومنذ وصول الوزير حاصباني الى الوزارة وجهنا أكثر من كتاب ودعوة بضرورة تأمين زيادة في بند الدواء للحؤول دون الوصول إلى هذا الدرك من الشح الذي بلغناه هذه السنة، وعملنا على أكثر من اتجاه لتطويق الأزمة ومن أبرز النقاط التي تم تطبيقها:

 

*تخفيض الإستثناءات أي الطلبات الإستثنائية غير المرصودة لقوانين والتي يمكن لوزير الصحة التوقيع عليها لمريض الضمان مما ساهم في تخفيضها بنسبة 63 في المئة في العام 2017 ووصلت إلى 37 في المئة في العام 2017 وتم توقيفها كليا إبتداء من شهر تموز 2017 ومنها المتعلقة بمرضى جهات ضامنة أخرى كالضمان أو غيرها وتأمين الدواء الذي تمت الموافقة عليه من قبل اللجنة  للحؤول دون حصول أي خلل إلا في الحالات الإستثنائية.

 

*وضع بروتوكولات جديدة يتم في ضوئها وصف الأدوية مع اعتماد الطلبيات الفصلية لمنع تكديس أي صنف منها في المخازن في مقابل فقدان أصناف أخرى وفق البروتوكول المعتمد سابقا. وساهمت هذه الخطة في خفض العجز من 80 مليار ليرة تقريبا إلى حوالى 38 مليار ليرة.

وعلى رغم كل هذه الخطوات بقي ثمة من ينخر في عقول الناس موهما إياهم بأن كل الخطط التي وضعتها الوزارة لا تسد خابية. عظيم. من قال إن هناك إمكانية لإلغاء العجز في وزارة الصحة وتحديدا في أدوية السرطان طالما أن نسبة زيادة المرضى وصلت إلى 5،8 في المئة هذه السنة؟ وهل يمكن تجاهل صحة مريض السرطان ومعالجته بأدوية قديمة في حين أن هناك أدوية جديدة تمنحه إكسيرا جديدا للحياة؟

حتى الساعة لا تزال وزارة الصحة تعوّل  على هذه التدابير والمخارج التي ساهمت في تخفيض نسبة العجز وتعمل مع شركات الأدوية لتستمر في توفير الدواء. إلى متى؟

قد تكون جلسة لجنة الصحة النيابية «الاستثنائية» هي الإكسير الذي سيحصل عليه مرضى السرطان في عبوات من خلال إقرار القانون المعجل المكرر الذي تقدم به النائب إدي أبي اللمع وإلا…صدقا لن يبقى»الخبيث» هيداك المرض….ثمة سرطانات كثيرة متفشية في البلد لكن الأمل الذي يشع من عيون مرضى السرطان كفيل في مدنا بإكسير محاربة كل مكامن الفساد.

 

· 17 ألف إصابة جديدة بالسرطان في 2018

صادما جاء تقرير منظمة الصحة العالمية بعد الدراسة التي اجرتها الوكالة الدولية لابحاث السرطان حول واقع انتشار المرض في العالم . الارقام مخيفة خصوصًا  في ما يتعلق بلبنان الذي احتل المرتبة الاولى في عدد الاصابات بين دول غرب آسيا.
وأشار التقرير الى ان هناك 242 مصابا بالسرطان من بين كل 100 الف لبناني. وسُجلت في العام 2018 أكثر من 17 ألف إصابة جديدة في حين بلغ عدد المصابين بالمرض في الأعوام الخمسة الماضية نحو 41 ألفاً و843 شخصًا؛ 22 ألفًا و250 منهم من النساء و19 ألفاً و593 من الرجال.
المؤلم في الموضوع انه من بين 17 الف اصابة بالمرض في لبنان سجل 8976 حالة وفاة انقسمت على الشكل التالي: 3983 من النساء و4993 من الرجال.
واحتل سرطان الثدي النسبة الأكبر التي بلغت 18.6 في المئة  من إجمالي 3219 اصابة جديدة يليه سرطان المثانة بنسبة 10.5في المئة، ثم سرطان الرئة بنسبة 9.5 في المئة، فسرطان البروستات بنسبة 8.7 في المئة وسرطان القولون بنسبة 8.5 في المئة. أمّا عالميًا فقد أشار التقرير الى تسجيل نحو 18.1 مليون إصابة جديدة في عام 2018 فيما سجّل وفاة 9.6 مليون شخص.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل