“المسيرة” – بقوسة إجت الكهربا؟… لأ رِكِبْ العداد!

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1681:

 

كانت الحرب شرسة، بيوتنا الملاجئ، لا ماء، لا كهرباء والمونديال على الأبواب ماذ يفعل أهل المدينة؟ لا أنسى، الشموع للإنارة وبطاريات السيارات اقتلعت من مكانها وتحوّلت الى مولّدات كهرباء توصل الى التلفزيونات الصغيرة، وتوضع على أبواب المباني في الشارع، وأجمل مونديال بالحي بين البيرة والفول وهريبة تلتين المراجل من وقت لآخر، حين يهدر أزيز قذيفة. كانت تلك مولّدات الكهرباء وعداداتها وكانت الناس بألف خير على رغم الموت المنهمر فوق رؤوسنا… مرّت الأعوام، اندلعت الحرب من جديد، بيننا والدولة، بين الدولة وأصحاب المولّدات، بين أصحاب المولّدات ونحن، ووزراء الطاقة المتعاقبون يصرّون على استقدام البواخر وتشريع المولّدات والعدادات بدل إنشاء معامل توليد الكهرباء… بلد منكوب!

 

ليس تحقيقا اقتصاديا، لنقل هو كلام في القهر عن حكاية عمرها ما لا يقل عن ثلاثين عاما اسمها «الكهرباء»، عن دولة حتى اللحظة، حتى اللحظة و على رغم المصائب والدروس والعبر، لم تتعلم بعد كيف تحترم ناسها وتهتم بشعبها، دولة تمجّد التاجر الفاسد والسياسي الفاسق وتجعلهم في أعلى المراتب، وتحارب في الوقت ذاته من تبقّى من شرفاء يسعون الى جمهورية حقيقية ودولة قوية بشفافيتها وليس بحراميتها! لم يُكتب في التاريخ، لم يُكتب، لا في لبنان ولا في أسوأ البلدان لناحية التطور، عن دولة تشرّع المولّدات والعدادات بدل أن تسعى لتأمين الكهرباء، وهو حق بدهي بدائي تلقائي للمواطنين! لبنان في أسفل أسفل القائمة لناحية البلدان الأكثر تخلفا وتقهقرا بتأمين الطاقة الكهربائية، تسبقنا الموزمبيق وحتى السودان يا عالم!

تطوّرنا هالكم يوم بلبنان، تطوّرنا كثيرا والله، إذ لم نعد ندفع وحسب فواتير مباشرة لشركة الكهرباء على عدد ساعات التغذية القليلة، ندفع فاتورة أخرى من جهة ثانية لصاحب الموتور الذي يغطي ساعات تقنين الدولة، ودخلت بيوتنا معززة مكرّمة فاتورة جديدة الى قاموسنا الكهربائي الجديد، «العداد»!!!

يا سلام على لبنان. صار صاحب الجلالة العدّاد، أصحاب الفخامة مالكي المولّدات، اصحاب العظمة بواخر العثمانيين الرابضة على شواطئنا، ومن فاطمة غول الى رجب طيب أردوغان وكل الحاشية، غبرة رضاكم أفندم المهم أن تشرّفنا الكهرباء ولو وميضا متل البقوسة!!

قال، بلغة الاقتصاد، دعت وزارة الاقتصاد أصحاب المولّدات لتأمين عدادات إلكتروميكانيكية، أي تعمل بالكيلواط وحسب الساعة، شرط ان تكون تلك العدادات خالية من أي عيوب ومطابقة للمواصفات -على أساس هي وصفة طعام- وعلى ان تكون تلك المواصفات هي نفسها المعتمدة من قبل شركة الكهرباء والبدء بتركيبها لدى جميع المشتركين، وأمهلت الوزارة أصحاب المولّدات حتى الثلاثين من أيلول الماضي للانتهاء من هذه المهمة. عظيم. إنقضت المهلة ولم تنفذ المهمة كما يجب، إذ اندلعت الحرب بين وزارة الاقتصاد وأصحاب المولّدات بسبب العدادات، إذ لم تعجب التسعيرة المعتمدة من قبل الوزارة أصحابنا المناضلين على جبهات الموتورات، وبدأت حرب المؤتمرات الصحافية المضادة، في حين أكدت الوزارة ان أصحاب المولّدات يربحون أكثر مما يجب، يقول أصحاب الموتورات إن تسعيرة الوزارة مجحفة بحقهم، وبين حانا ومانا ضاعت لحانا نحن من نصنّف بخانة «المواطنين»… أقصد الشعب المنساق قطعانا الى أزماته إذ اضطر غالبية المواطنين ما غيرهم لخفض اشتراكاتهم من عشرة الى خمسة أمبير للتخفيف من طمع الفاتورة التي تلتهم الراتب قبل ان يصل الى جيوبنا. الراتب؟ هل ما زال اللبنانيون يتقاضون عن جد راتبا أم بقشيش ع الماشي من وقت لآخر؟!!

إذن، دولة الآن بأمها وأبيها مشغولة مشغولة مش فاضية، هي تفاوض أصحاب مولّدات الكهرباء على العدادات وتسعيرتها وما شابه، وفي الزوايا مافيات في كل الاتجاهات، رسمية وغير رسمية تلعب بالمسبحة سعيدة، إذ تعرف ان سبل الاحتيال والنهب هي الأسهل في لبنان، إذ إن غالبا حاميها حراميها، وفي هذا الوقت تتغندر بواخر الأتراك على شواطئنا، فاطمة غول رايحة وفاطمة أخرى جايي وبتكلفة باهظة ولا كهرباء في البيوت، وفضيحة شركة «سيمنز» الألمانية التي كانت تقدمت بعرض مغرٍ لوزراة الطاقة يقضي بتأمين معمل كهرباء في مهلة لا تتجاوز الستة أشهر، وكان من شانه أن يؤمن الكهرباء 24 على 24 ساعة للبنانيين، نام في الفضيخة بعدما رُفض ومن دون أي تبرير منطقي من قبل وزير الطاقة، الذي أنكر بداية تلقيه العرض وما لبث ان اعترف بعدما فضح مندوب الشركة الألمانية الأمر، وتحجج الوزير انه لم يكن عرضا جديا، إذ تعرفون ان المانيا دولة سطحية عابرة لا سلوى لديها سوى تقديم عروض بهلوانية للدول النامية مثل لبنان! كما لو أن العرض أتى في عتمة ليل، وأن مدير «سيمنز» لم يكن في عداد الوفد الذي رافق المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في زيارتها الرسمية الى لبنان حتى يضفي على عرضه الصفة الرسمية، وكما لو أن الأخبار لم تذكر ما فعلته «سيمنز» في قطاع إنتاج الكهرباء في مصر.

بقوسة، إجت إجت الكهربا!!! لا، هيدي مش الدولة هيدا الموتور، مشي العداد؟ مشي العداد وها هو يمرّك، ومشت الصفقات أيضا، عمر الضوء في البيوت من نَفَس العداد، غالي غالي الضوء في لبنان، سعره يفوق الأرقام، سعره كرامة لبناني، كرامة مهدورة منكوبة ميتة تحت وطأة ضربات الفاسدين ووطأة الصمت أيضا، وحتى اللحظة ما زال الفاسدون يصرون على استقدام البواخر بأغلى أغلى الأسعار، بدل إنشاء المعامل وتأمين حق بدهي بدائي من حقوق المواطنين. سعر فاتورة الكهرباء في لبنان؟ هي الأغلى في العالم، لأنها تُدفع من كرامة الإنسان قبل راتبه، أليس هذا هو الذل بعينه يا عالم ان يحكمنا عدّاد!!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل