“المسيرة” – رياض شرارة… ويبقى صوتاً وصورة

كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1681:

كان ذلك آخر أيام صيف 1994 حين رحل رجل الفرح، لكأن حزن الخريف ليس مكانه فمضى باكرا الى فرح أراده أبديا، وبقي في البال صوتا وصورة وحضورا زاهيا ما تمكن ربع قرن من إبهاته، هو رياض شرارة سيد المايكروفون والبث المباشر والبرامج الترفيهية، موسوعة متنقلة حيّة، رفيق الكبار وعلامة فارقة ضاحكة، راقية مثقفة من علامات زمن جميل، ونتذكره…

إبن مشغرة، جارة القمر، ما كان يعني له قمرها وسحرها الكثير، والحق كل الحق على والديه. في تلك البلدة البقاعية وفي إحدى ليالي شباط 1940 الباردة، فرحت عائلة شرارة بمولودها الجديد، كان ذكرا، وأسموه رياض، لكنه لم يعش في «ضيعته» سوى الثماني سنوات الأولى من عمره، ليسلخ عنها بداعي الدراسة متنقلا بين مدارس داخلية عدة من دير بلدة «مشموشة» الجنوبية، الى زحلة فبكفيا، ما حال دون تعلقه بضيعته ولتقتصر زياراته إليها لاحقا على الواجبات الاجتماعية لا أكثر.
على مقاعد الدراسة، بدأت بذور مواهبه الفنية والكوميدية تتفتق، ليشارك غالبا تمثيلا في المسرحيات والنشاطات الفنية في المدرسة شتاء كما في نادي البلدة صيفا، متلبسا غالبا الأدوار الكوميدية أو الشريرة.

وكبر الصبي، وصارت عينه على بيروت، ما أراد العمل في الضيعة مع والده التاجر نقولا شرارة، حزم حقائبه وتوجه الى عاصمتنا الحلوة، كانت يومذاك في عزّ أزمانها، وفي رحابها أراد إبن مشغرة ان يبني مستقبله وما كان ليعلم أنه سيصبح يوما رمزا من رموز عهدها الذهبي.

في بيروت، ذاك المراهق العصامي ما ترك عملا ليعتب عليه، عمل في حقل الكهرباء أولاً، وسرعان ما تركه ليعمل خطاط «آرمات»، وما صمد كثيرا، انتقل الى تصليح ماكينات «سينجر» للخياطة، نعم لن تصدقوا! وفي موازاة ذلك، كان أيضا يدرّس مادتي الأدب والفلسفة للصفوف الثانوية في مدارس عدة، وكان لا يزال بعد في الثامنة عشرة من عمره.

على أثير الإذاعة اللبنانية

لكن انشغالاته وأعماله مجتمعة، ما كانت لتمنع إبن مشغرة من الاستمتاع بسحر بيروت، ففي مقهى «اللاروندا» في ساحة البرج، كان يحلو له يوميا ارتشاف القهوة، وهناك التقى يوما بأحد الأصدقاء الذي أخبره بأن الإذاعة اللبنانية تبحث عن مواهب لاعداد البرامج وتقديمها، ونصحه بأن يجرب حظه.. وما تردد،  توجه رياض شرارة فورا الى مبنى الإذاعة اللبنانية، كان ذلك عام 1962، وكان رئيس دائرة البرامج يومذاك محمّد كريم، إستقبله في مكتبه بعد ان أُخضع لامتحان، ومنحه فرصة الإطلالة الأولى على مستمعي الإذاعة عبر إعداد وتقديم برنامج المسابقات «صفر أو عشرين» الذي استمر 12 عاما وعدّ أول برنامج من نوعه في لبنان والعالم العربي، وقد جذب اهتمام المستمعين ليحضر كثيرون منهم إلى الأستوديو للمشاركة.

نعم، نجح البرنامج باختراق قلوب الجماهير، صار من أحب البرامج إليهم، ونجح مقدمه الشاب بخطف قلب إحدى المشتركات فيه «رينه الدبس»، فتزوجها وأنجب منها أربعة أولاد.. مشوا على دربه، درب الفن: هنادي مساعدة مخرج، هادي المؤلف والموزع الموسيقي، نادين الممثلة وغدي المنتج الفني والمتخصص في علم الموسيقى.

وكرت سبحة أعماله الإذاعية، لينتقل رياض إلى برامج أخرى مماثلة أكثر دسامة»، من «فكر واربح» الى «أنا وعيلتي» وغيرها وغيرها، كما قدّم العديد من البرامج المتنوّعة في فترات البث المباشر الى جانب كبار نجوم الإعلام المسموع منهم إيلي صليبي، سعاد قاروط العشي، الدكتور فاروق الجمّال، محمد المشنوق وغيرهم… حققت معظمها نجاحا كبيرا وكرّسته أول إذاعي في العالم العربي ينطلق بفكرة البث المباشر، وهذا ما أكسبه شهرة ليعمل لاحقا مراسلا لراديو «بي بي سي» لبضعة أشهر.

“مذيع الارتجال المُحضّر”

كان رياض شرارة منذ بداياته الإذاعية لافتا بقدرته على الإرتجال وهي الصفة التي لازمته وطبعت كل أعماله، ليصفه جان كلود بولس يوما بـ»مذيع الارتجال المحضّر».

فيما روى محمد كريم في حديث صحافي يوما  ان «التلقائية التي كان يتحدّث بها رياض شرارة ما كانت وليدة اللحظة»، مؤكدا أنه ما كان ليحضر إلى الاستوديو «قبل أن يكون قد حضّر مادته جيّداً»، وبأنه  يظهر للناس «كأنه يرتجل»، كان «يعمل على تثقيف نفسه يومياً، وفي فترة البثّ المباشر كان يناقش زميليه، إيلي صليبي وفيكتور سحاب، في ما سيطرحه من مواضيع. فما من شيء كان يمر من دون تحضير مسبق».

الى عالم تلفزيون لبنان

شهرته الإذاعية، صوته، وسامته، ثقافته، خفة ظله وسرعة بديهته، كل ذاك فتح الأعين عليه، ليعرض عليه الانتقال الى الشاشة الصغيرة، الى عالم تلفزيون لبنان، وأيضا ما تردد، طلب منه الإعلامي والصحافي جان خوري ان يقدم نشرات الأخبار، وافق، فعرفناه مقدماً للأخبار السياسية على الشاشة الفضية الى جانب عادل مالك وعرفات حجازي وإيلي صليبي وجان خوري، لكنه ما كان ليصمد كثيرا.. ملك النكتة الحاضرة ما استهوته كثيرا رصانة تلك النشرات، وكانت تلك الحادثة التي قلبت كل شيء ورسمت قدرا تلفزيونيا جديدا له، هي إحدى النشرات، ورياض يقرأ خبراً عن انتخاب رئيس إحدى الدول الغربية، كان إسمه غريبا طويلا ومعقدا، تلعثم في قراءته، وليخرج من إحراجه ارتجل على الهواء مباشرة هذه الجملة: «إذ نهنئه على منصبه، لا نهنئه مطلقاً على إسمه»، ضحك زملاؤه كثيرا وضحك جمهور الشاشة اللبنانية أكثر وأكثر، وكان قرار إدارة تلفزيون لبنان سريعا، أدركت ان مواهب رياض شرارة لا يمكن أسرها وراء استوديو الأخبار، فأطلقته الى عالم جديد صار سيده، الى البرامج الحوارية الترفيهية والمنوّعات، ليتوّج رائد البث المباشر على الشاشة، وكانت البداية مع برنامج «صيف ونغم» عام 1970 للمخرج ألبير كيلو الذي كان يصوّر بين الناس،  ثم «نجوم ولقاء» الذي حاور فيه أهل الإعلام والأدب والفن في العالم العربي، وكرّت السبحة عبر عشرات البرامج التي تنوّعت بين برامج حوارية مع كبار الفنانين والمثقفين وبين برامج الألعاب والترفيه والتي كان سبّاقا إليها من تلفزيون لبنان إلى شاشات لبنانية أخرى.

الموسوعة الحية

عبر إطلالاته التلفزيونية المختلفة، احترف رياض شرارة لعبة العبور إلى قلب المشاهد، وأبرز ما ميّز إطلالاته التلفزيونية الى جانب حضوره الواثق وصوته وخفة ظله، كان ثقافته وحبه للناس وحرصه على نقل كل ما كان يتلقفه من ثقافة ومعلومات عبر مطالعته اليومية للكتب المختلفة الى جمهوره بطريقة مبسطة وسهلة، ذاك كان زاد جمهوره مع كل إطلالة له.. بسمة وضحكة ومعلومة، حتى أطلق عليه لقب «الموسوعة الحيّة»، نظراً لقدرته على تقاسم ما في جعبته مع المشاهد في قالب من الظرف لا مثيل له. واللافت أنه لم يضع يوماً السماعة في أذنه ليردد ما يلقّنه إياه المعدّ أو المخرج، خلافاً لكثيرين من نجوم الإعلام اليوم.

ويروى ان رياض شرارة كان يرفض ان يُقال عنه «مقدّم»، والسبب أنه كان يجد عمله وأداءه متمايزين عن عمل المقدمين، وعلى هذا كان يعتبر نفسه «سيد حفل» و«محيي برامج»، وهي مهنة نادرة جدا في العالم العربي، لأنها تتطلب شروطاً فطرية قوامها الموهبة وخفة الظل والثقافة والثقة بالنفس.

وبهذه المواصفات، وكما على أثير الإذاعة، لمع اسم رياض شرارة على الشاشة  في مجال تقديم برامج المسابقات والمغامرات في لبنان وكل الوطن العربي، وأيضا في دبلجة البرامج والمسلسلات الأجنبية، وكان أشهرها برنامج المسابقات الياباني المدبلج «الحصن»، والذي أذيع في الثمانينات والتسعينات على القنوات المصرية والعربية.

وما كان بعيدا عن عالم التمثيل، ففي العام 1975 رأيناه لأول مرة ممثلا في مسلسل «ناطور الحارة» مع إحسان صادق، وليعرض عليه لاحقا الوقوف الى جانب أيقونة السينما المصرية فاتن حمامة في دور مذيع يغرم بها، كما عرض عليه تأدية دور عن مسيرة حياة السيد درويش، لكنه تمنع مفضلا ان يلمع في مجاله.. وفعلها فعلا وحلَّق، وكانت أجمل إطلالاته مع ذاك البيت الرحباني..

مستشار الأخوين رحباني

ربطت رياض شرارة علاقات متينة مع عدد كبير من أهل الفن والثقافة وكان أبرزهم، كما يخبرنا نجله غدي شرارة: إيلي شويري، الياس الرحباني، غدي ومروان الرحباني، طوني حنا وسمير حنا، ويتوقف غدي عند صداقة ورفقة عمر جمعته أيضا مع دريد لحام، لكن ثمة علاقة متمايزة جدا جمعته بكل من عاصي ومنصور الرحباني اللذين احتلا مكانة عميقة في قلبه.

علاقته بالرحابنة بدأت فنيا من خلال مشاركته معهما أولا في برنامجين: «سهرية» و»ساعة وغنية» الى جانب هدى وكوكبة من الفنانين اللبنانيين وقد لاقى شهرة كبيرة لبنانيا وعربيا، وسرعان ما تطورت هذه العلاقة الى صداقة متينة ترجمت عبر جلسات يومية كان محورها الثقافة والفن وأيضا الأكل والطبخ، ومعروف عن الفنان الراحل الكبير منصور الرحباني شغفه  بالطعام، وهو شغف شاركه فيه رياض شرارة بامتياز، ولكم تذكره منصور الرحباني رفيقا في السهرات والصيد وأيام الحرب أيضا.

وما توقف الأمر هنا، سرعان ما أوكل الرحابنة إليه مهمة المستشار الإعلامي ليصبح رفيقا لأسفارهم مع الفرقة لتقديم حفلاتهم الفنية في مختلف أنحاء العالم.

ومن خلال هذه العلاقة، تمكن مروان وغدي الرحباني لاحقا من إقناعه بالمشاركة في مسرحيتهما «هالو بيروت»، وقد أدى خلالها أغنيته المفضلة «مين عذبك» لعبد الوهاب، وشارك عصام رجي وميريام غناء «هلق خلصنا».

في الصحافة

ولم يقتصر نشاط رياض شرارة على الإذاعة والتلفزيون، بل امتد إلى الصحافة المكتوبة، فهو تولى منصب سكرتير تحرير ثم مدير تحرير مجلة «الحوادث»، لينشئ بعدها أول مجلة عربية بالألوان أطلق عليها اسم «الجوال» التي كانت تعنى بأمور السياح والسفر والطرق، ثم أتبعها بمجلة «تيليسينما» مع الإعلامي الكبير الراحل جان كلود بولس، والتي توقف إصدارها مع اندلاع الحرب اللبنانية، ويسجل لرياض شرارة إدخاله لأول مرة فكرة الكتب المسموعة عبر ألبومات شعرية مزج فيها بين اللحن والكلمة، منها «السيدة حبيبتي» و»عاشق بالولادة» و»عاشق حتى الشهادة».

ومحيي البرامج الذي لطالما ردد «مطلوب شرطة للذوق العام وظيفتها ان تعتقل كل مذيع أو مطرب دون المستوى»، كان أبرز ما يخطط له قبل ان يداهمه الموت، إنشاء أكاديمية لتعليم أصول التقديم والظهور الإعلامي، إذاعيا وتلفزيونيا.

والراحل الكبير الذي أدخل الضحكة الى قلوبنا ومنازلنا في أحلك أيام الحروب وظلامتها لطالما كانت وصيته «إجعل كل يوم إنساناً سعيداً، حتى لو كان هذا الإنسان هو أنت بالذات»، وصية آمن بها ، أدمنها فعلا وقولا، ونقشها على باب منزله… ونسأل هل كان رياض شرارة سعيدا؟

يجيب غدي «كان سعيدا، لكن مثله كمثل كل اللبنانيين، كانت للأحداث اللبنانية تأثير كبير عليه، لكنه سعى لتبديد هذه الأجواء بنقل البسمة والفرح الى الناس عبر إطلالاته التلفزيونية».

وإطلالاته تلك ما توقفت حتى لحظة رحيله وكان آخرها عبر برنامج «باب الحظ» على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، خاتما بها مسيرة ربع قرن سجل خلالها نحو 3 آلاف حلقة تلفزيونية من برامج المنوّعات، بالإضافة إلى نحو 30 ألف ساعة إذاعية من البث المباشر.

«عندما تمطر السماء أشعر أنها تبكي عليّ»

كان ذاك في 24 أيلول 1994، الصحف تطالعنا بالخبر الحزين، صدمة كبيرة وحزن عميق لفّ لبنان.. أزمة قلبية حادة أدت الى وفاة رياض شرارة عن 54 عاماً، طاويا برحيله ثلاثين عاماً أمضاها بين أروقة المرئي والمسموع والمكتوب.. «عندما تمطر السماء أشعر أنها تبكي عليّ» كلمات أخيرة قالها لكأنه كان عالما بقرب رحيله، ومضى من كتب يوما «لن أعيشَ طويلاً… سأنتهي كما تنتهي الزهرة…»، صدق رياض شرارة انتهى كزهرة.. حلوة فواحة وترك لنا أريجه.. ثقافة وابتسامة وعرشاً اعتلاه وما وُجِد من يعتليه بعده.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل