“المسيرة” – طوني كوميتي مصوّر الحرب اللبنانية: عدت الى لبنان الذي أعشقه

كتبت نهاد طوباليان في “المسيرة” – العدد 1861:

بعدما خبر لبنان بحربه التي غطى فصولاً دموية منها في ثمانينات القرن الماضي، وانصرف لتغطية حروب وأحداث مصيرية في عدد من بلدان العالم، عاد كبير المراسلين الفرنسيين طوني كوميتي إلى لبنان، بعد غياب عنه إمتد لإكثر من عقدين، ولكن بصفة زائر، حيث جال على المواقع والأحياء التي شهدت معارك وكان العين الثالثة التي نقلت الحدث والمأساة بالكلمة والصورة، والتقط بعدسته ما أمست عليه اليوم من إعادة إعمار.

زيارة كوميتي للبنان لم تمر مرور الكرام، إذ نظمت كلية الأداب والعلوم الإنسانية في جامعة القديس يوسف، قسم الماستر في الإعلام والتواصل الذي يرأسه الأستاذ نصري أنطوان مسرة، وقسم التاريخ والعلاقات الدولية الذي يرأسه كريستيان توتل، لقاء حوارياً مع عدد من الطلاب وأساتذة الكلية ومهتمين، تقدمهم إلى نائب رئيس الجامعة كارلا إده، عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية كريستين بابيكيان عساف، وكريستيان توتل ونصري مسرة، والأب اليسوعي بيار ويتوك، ومندوب مجلة «إيستوريا» ألان سكيماما الذي يحضِّر لعدد خاص عن بيروت.

في هذا  اللقاء المرفق بعرض مجموعة من صور إلتقطها خلال الحرب اللبنانية، بدا طوني كوميتي بعد جولته متأثراً جداً بما شاهده من إعادة إعمار، لكنها لم تمحُ من ذاكرته مشاهدها المدمرة، ولا القتلى الذين نقل صورهم الى العالم عبر مؤسسته الإعلامية حينذاك، تلفزيون « ت أف1» (TF1).

وبعد كلمة ترحيب لرئيس قسم التاريخ كريستيان توتل، إستهل كوميتي كلمته بشرح الأسباب التي دفعته الى مغادرة لبنان، وقال: «كنت مرغمًا على مغادرة هذا البلد في العام 1986، إثر إختطاف مجموعة من الصحافيين الأجانب. وها إنني عدت اليوم إلى لبنان الذي أعشقه، على رغم كل الذكريات الصعبة التي أحتفظ بها بين العامين 1982 و1986».

وفي إستعادة للمرحلة التي وجد فيها خلال الحرب اللبنانية، قال: «طُلب مني بصفتي مصورًا في فريق تلفزيون ال»ت أف1» الإنتقال إلى بيروت في العام 1982، لتغطية الحرب. يومها، كان المطار مغلقاً، فإنتقلنا بحراً من قبرص، ووصلت إلى مكتبنا الواقع بالقرب من مكاتب وكالة الصحافة الفرنسية. أذكر أن ليلتي الأولى في الفندق لم تكن ممتعة، إذ شهدت على عملية خطف مواطن كان بثياب النوم».

وأشار كوميتي في معرض كلامه إلى أنه كان يتوجه الى ساحات القتال مع مجموعة من الصحافيين اللبنانيين، لتغطية المعارك». وتوقف عند معاينته للقناصة الذين كانوا «يتلهون في اصطياد أرواح الناس، ليعودوا ويتصافحوا مساء مع المقاتلين الذين كانوا يوجهون إليهم رصاصاتهم وقذائفهم نهارًا». وبين كل صورة لمشهد من مشاهد القتال التي إلتقطتها عدسته، كان يعلق: «لن أنسى هذه الصور. إنها تعيش معي، كيف لا وقد فقدت سمعي في لبنان إثر إنفجار بالقرب مني».

أمام صور لجولات من القتال ومقاتلين عرضت على شاشة، شرح  كوميتي بعضًا منها، معلقاً «إنها ذكرياتي من حرب لبنان، والتي غطيتها لإشهر عديدة، لا بل لسنوات، قبل أن أغادر نهائياً البلد، مع بدء مرحلة خطف الصحافيين الأجانب، وتعرضي وفريقي للمراقبة والملاحقة». وروى بهذا السياق: «تمت دعوتنا كفريق تلفزيوني لتصوير صلاة في أحد المساجد، وعندما هممنا في الصباح للتوجه الى المكان المقصود، أخبرني أحد الزملاء الصحافيين أن سيارة تجول حول المكتب مما يطرح أكثر من علامة استفهام. وعندما وصلنا المسجد، وكان هناك شخص يراقبنا، أدركنا أن ثمة أمرًا مريبًا».

ومن الذكريات الأليمة التي توقف عندها كوميتي، «زيارة إحدى الزميلات في تلفزيون TF1 لبنان خلال عطلتها لرؤية خطيبها. توجهت إلى صيدا، وبعيد دخولها إلى أحد البيوت، قصف الطيران الإسرائيلي السيارة التي كانت فيها حينما كان أحد الزملاء يفتح صندوقها، فقتل على الفور». وتوقف عند محطة مرافقته زوجة الصحافي الفرنسي المخطوف آنذاك ميشال سورا.

وبعد جولة على ذكريات الحرب الأليمة التي شهدها في بيروت، قال طوني كوميتي: «تصوير مشاهد الحرب والعيش في الخطر كانا مهنتي التي أعشقها. فمراسل الحرب يجد نفسه لا شعوريا في قلب الصراع، ومن منطلق إنساني، نتعاطف مع الضحية عند سقوط القنابل والقذائف. كنت أرى بعيون الضحايا  والجرحى نظرات الحزن وفقدان الأمل. كنا نصوّرهم ونظهر تلك النظرات للعالم».

وتوقف كوميتي عند ظروف تلك المرحلة المأساوية لجهة إيصال رسالته لمحطته، فقال: «في تلك الفترة لم يكن هناك من وسيلة إتصال سوى التلكس، وكان علينا بعد يوم طويل من تصوير الأحداث، إرسال الشريط إلى التلفزيون السوري في دمشق، وضمن موعد محدد، نظرًا الى وجود مراسلين أجانب غيرنا لبث رسائلهم». وأضاف: «كانت الظروف صعبة جداً، عكس اليوم حيث أن وسائل التواصل الإجتماعي جعلت من كل مواطن مراسلاً، تصل معه الصورة كما الحدث بسرعة فائقة».

وختم كبير مراسلي الحرب الفرنسي طوني كوميتي لقاءه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اليسوعية بالإشارة إلى تقاعده من المهنة التي يعمل فيها اليوم نجله الذي غطى حرب تموز 2006، ومتميناً للبنان واللبنانيين دوام السلام، ومجدداً تأكيد عشقه للبنان وبيروت.

وبعد المحاضرة كان لـ»المسيرة» حوار مع طوني كوميتي تحدث فيه عن مخاطر مهنة المتاعب والمتغيّرات التي طرأت عليها:

إنطلاقاً من تجربتك الطويلة في تغطية الصراعات والحروب والنزاعات المسلحة منذ سبعينات القرن الماضي حتى التسعينات منه، كيف تغيّرت طبيعة نقل الحدث والخبر بين الأمس اليوم؟

مما لا شك فيه أن أسلوب تغطية الحروب والصراعات تغيّر بين الأمس واليوم. فالمراسل الحربي خلال مرحلة السبعينات والثمانينات كان بمثابة طبيب إنقاذ. وكان يكفي أن نرفع راية بيضاء على السيارة للتنقل من مخيم إلى آخر. حتى الصحافيون المعتمدون لتغطية حرب فييتنام كانوا بمثابة ضباط، وكانوا يتمتعون بالحماية.

أضف إلى ذلك، إن الصور التي كانت تخرج الى العالم عن تلك الحرب، ساهمت إلى حد كبير في وقف النزاع، ونتجت عنها صحوة ضمير لدى الدول المعنية بالصراع، نظراً لأهمية هذه الصور وأبعادها. وعندما اندلعت الحرب في لبنان، تحوّل عمل المراسل الصحافي الأجنبي والمصوّر إلى مهمة سياسية وإقتصادية، وباتت مسألة إختطاف فريق فرنسي أو أميركي موضع مفاوضات سياسية على أعلى المستويات في البلدان المعنية، وبالتالي الى مادة نقاش في إدارات التحرير الصحافية،  نظرًا الى وجود موانع تحول دون إرسال مراسلين إلى مناطق النزاع.

لكن هذا الأمر لم يحل دون وجود مراسلي حرب أمثالك في لبنان؟

لحسن الحظ ، أنه في ظل صعوبة وصول الإعلام للمعلومات، كان هناك صحافيون مستقلون يتمتعون بشجاعة كبيرة، عملوا ميدانياً على رغم إنعدام الأمان، وأرّخوا للأحداث بشكل مستمر عبر صورهم. ويكفي حصول الصحافية فيرونيك فيغوري على جائزة « التأشيرة الذهبية» عن تحقيق نشر في مجلة «باري ماتش» حول الحرب في اليمن للتأكيد على أهمية المراسل الحربي والصورة التي يلتقطها.

ألا تعتقد أن ظروف المراسل الحربي تغيرت اليوم بفعل تطور التكنولوجيا وتوفر ما يعرف بشبكة التواصل الإجتماعي، لا سيما لجهة إيصال الصورة بسرعة قياسية؟

الأمر صحيح. هناك المواطن الصحافي كما الضحية والمسعف والشعب والمقاتل. جميعهم تحوّلوا الى مراسلين يرسلون الصور عبر مواقع التواصل الإجتماعي. لكن المشكلة تكمن في غياب الرقابة الصحافية على هذه الصور، والتي يستخدمها فريق ما ضد فريق آخر. علينا التنبّه من التلاعب بالصور. فالتقنيات ما هي إلا وسيلة يستخدمها المراسل الحربي والمصوّر، ومهما كانت الزاوية التي يلتقط منها الصورة، تبقى المهمة الأساسية تقديم شهادة حية وحقيقية عن الحدث من خلال الصورة.

كيف يمكن لمراسل أو مصوّر حربي نقل صورة أو خبر بدقة وتقنية تحول دون كشف معلومات أو صور للعدو؟

إن مثل هذا الأمر لم يعد يسبب مشكلة، لأن كل شيء مراقب عبر الأقمار الاصطناعية وطائرات ال»درون».

بعدما غطيت حرب لبنان بين العامين 1928 و1986، وما أظهرته من صور مدمرة ومآسٍ، كيف وجدت البلد اليوم؟

هي المرة الأولى التي أزور فيها لبنان منذ غادرته عام 1986، لكن مدة الزيارة التي تستغرق 3 أيام لا تكفي لزيارة الأماكن التي عملت فيها وتلك التي كانت مسرحاً للحرب. لكن على رغم ذلك، تكوّن لدي إنطباع قوي، إذ إن ما دمر أعيد  إعماره وتأهيله في هذه المدينة الرائعة. كنا نقول في زمن الحرب «يجب وضع بيروت تحت جرس من الزجاج، لنشهد يوماً على جنونها الإنساني». ولقد نجح اللبنانيون في إعادتها إلى الحياة.

لقد أشعرني اللبنانيون على مدى ثلاثة أيام بحرارة حقيقية، ورغبة قوية لأن أعيش كل لحظة من الحاضر. عدت إلى فندق «لوكافالييه» في الحمراء، حيث أمضيت ليال طويلة نائما في ممراته المظلمة مع زملاء، محتمين بالفرشات فقط. وعندما عرفت عن نفسي عند نقطة الإستقبال، تذكرنا تلك اللحظات المعقدة، وطلبت مني المديرة العودة إلى لبنان على أن تقدم لي حسماً  خلال إقامتي في الفندق. ضحكنا كثيراً . إنها بيروت.

 

كوميتي في سطور

طوني كوميتي صحافي ومصور فرنسي مستقل، يعتبر من بين كبار مراسلي الحرب في العالم. غطى معظم الأحداث والحروب والصراعات التي إندلعت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. فقد غطى الإنقلاب الذي حصل في تشيلي في أيلول 1973، والإنقلابات المتعددة في بوليفيا بين 1978 و1980، وفي فنزويلا بين 1989 و1992. كما وغطى حرب التشاد بين 1978و 1987، والحرب الأهلية في السلفادور بين 1979 و1992، والصراع الإيراني – العراقي في ثمانينات القرن الماضي، والصراع في سيريلانكا والحرب اللبنانية بين 1982 و1986، وغيرها من الأحداث في العالم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل