والله العظيم… الليرة بخير   

لا يكاد يمرّ يوم دون أن تكون الليرة اللبنانية نجمة الإنشغالات المحلية بسلامة تسيّرها الشائعات بقوة قاهرة، نحو إنهيار محتم، فتمرّ هواجس تقضّ مضاجع اللبنانيين، عبر إتصالات ولقاءات مع معنيين وعارفين بأحوال النقد الوطني بحثًا عما يقي مدخرات العمر من غدرات الزمن.

 

لا يكاد يمرّ يوم دون أن يبادر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى دحض الشائعات التي تطول سلامة الليرة بمؤشرات نقدية ومصرفية إيجابية، وإلى التأكيد أن البنك المركزي يعمل لمصلحة الإستقرار والإقتصاد والنمو ولمصلحة إيجاد فرص عمل، واضعًا كل الوقائع برسم الرأي العام والمسؤولين عن إستمرار معضلة تأليف الحكومة وتأخير تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر”.

 

لا يكاد يمرّ يوم دون أن تتكرّر المطالبة بالإسراع لا التسرّع في تأليف الحكومة تمهيدًا لتنفيذ إصلاحات “سيدر”، لأنهما القاطرة الوحيدة لإخراج الإقتصاد من دائرة الركود المستمر منذ الـ2011، وهو ما تعبّر عنه المؤشرات بدءًا بمعدل النمو الذي ينكفئ عامًا بعد عام، ليستقرّ قبل أيام وفق توقعات البنك الدولي للعام 2018 على نسبة 1%

منذ أعوام، يناضل الوضع النقدي لإزاحة كل العوامل السلبية المؤثرة عليه، والتي تُترجم يوميًا بحلقات ضغوط تبدأ من المشهد السياسي العابق بمعارك على حصص الطبقة الحاكمة، ولا تنتهي بالمشهد المالي المزدحم بمؤشرات سلبية غير موعود تغييرها إلا بسلسلة إصلاحات معروفة عناوينها، ليختتم المشهد الإقتصادي حكاية مأساة يومية، حيث الأزمات تزيد أعباء اللبنانيين تراكمًا دون سقف لحلحلة أو إنفراج.

 

فهل تنجح السياسة النقدية حيث أخفقت السياسات المالية والإقتصادية حين سقطت في فخّ إنتظار الحلّ الدولي لأزمة المنطقة؟ وكيف يوفّق حاكم مصرف لبنان بين واجباته المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، وبين تطوّعه لدعم الإقتصاد في سياسة يعتمدها منذ الـ2013 على شكل رزمات دعم لقروض قطاعية شكّلت مخرجا للمحافظة على الإستقرار الإجتماعي؟

 

في المشهد العام، ثمة حرب ضروس تدور بين واقع تؤشر أرقامه إلى خسائر باهظة يتكبّدها الإقتصاد مجانًا نتيجة عوامل مشتتة للنمو الموعود، وبين قدرة هذا الإقتصاد على الصمود وتاليًا النهوض مستعينًا بمكوّنات ما تخلّت يوما عن دورة الإنتاج إلا قسرًا. والمؤشرات السلبية تبدأ من إرتفاع معدل التضخم إلى 6.2% تحت تأثير تراجع النمو مقابل إرتفاع ضغوط نجمت عن “إنجاز” سلسلة الرتب والرواتب. أما ميزان المدفوعات، فراكم عجوزاته لتبلغ 13.3 مليار دولار منذ إندلاع حرب سوريا عام 2011، وسجّل لهذا العام وحده، عجزًا تراكميًا بـ3.3 مليار دولار (مع إستثناء إحتساب سندات اليوروبوندز).

 

صحيح أن “سيدر” لن يشكّل الحلّ السحري لأمراض لبنان. فهو مؤتمر قروض الـ11 مليار دولار القادرة على ضخّ حركة في مناخ الأعمال والإستثمار، إن تمت المحافظة على مبادئه الأربعة وهي: رفع مستوى الإستثمار في القطاعين العام والخاص، ضمان الإستقرار الإقتصادي والمالي، إجراء إصلاحات في مختلف القطاعات وتحديث القطاع العام وقطاع الإدارة المالية، وتطوير إستراتيجية لتعددية القطاعات الإنتاجية وإمكانات التصدير.

 

هي منظومة متكاملة تنقصها “إرادة سياسية” بالعمل المضني، لإخراج الإقتصاد من أزماته، بدءًا بإستعادة ما تشتّت من ثقة بالأداء السياسي نتيجة الفوضى السائدة التي لم تفرج بعد عن حكومة دخل إنتظارها شهره الخامس. وتكتمل المنظومة إن قُطع سيل الشائعات التي تنتهك حرمة الليرة يوميًا، وتتجاهل أن مصرف لبنان رفع موجوداته الخارجية بنحو 3% بين آب 2017 و2018 ورفع إحتياطيه من العملات الأجنبية إلى نحو 43 مليار دولار، مما يتيح له وبسهولة، الدفاع عن الليرة حين تتعرض لضغوط مفاجئة تُترجم عمليات طلب غير مسبوقة قد تسبّب بها شائعات غير بريئة الأهداف.

 

أما القطاع المصرفي، فقد زاد ودائعه بنحو 4.2% من 178 مليار دولار إلى أكثر من 187 مليارا، فيما زادت ودائع القطاع الخاص لغير المقيمين بنحو 8%. ونمو الودائع في المصارف اللبنانية يؤكد عدم “هروب” الأموال، وخصوصا لفئة “غير المقيمين” التي تعكس إستمرار الثقة بالنظام المصرفي وبالهندسات التي يتخذها “أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم”، وتؤكد فاعلية سياسة الفوائد المطبقة.

 

فالفوائد إرتفعت بنسب معقولة مقارنة مع البلدان التي تحمل التصنيف الإئتماني نفسه للبنان. وبلغ متوسط إرتفاعها على فوائد ودائع الليرة من 5.6% إلى 7%، وعلى فوائد ودائع الدولار من 3.6% إلى 4.2%، أي بإرتفاع 1.5 نقطة خلال عام كامل للفائدة على الليرة وبأقل من نقطة على فائدة الدولار.

 

ولا تتسع الأرقام لإحتساب متوسط الفائدة على التسليفات بالليرة وبالدولار على السواء، طالما بقيت مرتبطة مباشرة بعوامل تنامي الدين العام الذي شارف الـ84 مليار دولار، وبعجز الموازنة الذي بلغ في موازنة 2018 نحو 1.91 مليار دولار في الربع الأول مقابل 844.73 مليونا للربع الأول من 2017. وتقع فائدة التسليف حتما تحت وطأة التأخير في تشكيل الحكومة، وإنعدام التدفقات الإستثمارية من الخارج، وإرتفاع أسعار الفوائد عالميا إنسجاما مع ارتفاع الفائدة على الدولار الأميركي.

 

وللقلقين على الليرة، مؤشر يطمئن إلى سلامتها، ويتمثل بإرتفاع مستوى الدولرة من 67.9% إلى 68.1%، وهي نسبة مقبولة جدًا في ظل الأوضاع السياسية التي يعانيها لبنان، وهي تنفي ما يتردّد عن موجات تحويل للودائع من الليرة إلى الدولار .

 

آخر كلام للحاكم سلامة قبل أيام يعلن بأن “مصرف لبنان مرتاح إلى إستقرار سعر صرف الليرة، ونتحكم بالسوق، والشائعات التي نسمعها لم تعد تؤثر في الناس والأسواق”. فهل يسمع مطلقو الشائعات الخبيثة؟ وللبنانيين لا يجوز إلا الحسم بالقول: والله العظيم، الليرة بخير!

المصدر:
AEN

خبر عاجل