هل تقطع التحذيرات الخارجية طريق “المعطّل”؟

إشارات التفاؤل في ما يخص تشكيل الحكومة العتيدة تسابق مواقف التعطيل والتصعيد التي يتربع على عرشها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من دون منازع، الأمر الذي أكد عليه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، في دردشة مع الصحفيين، أمس الثلاثاء، باعتباره أن موقف باسيل الأخير ليس إيجابيا.

لكن ثمة معطى دخل على خط الأزمة الحكومية الممتدة، بحسب المعلومات التي توافرت، عن تدخل فرنسي يدفع باتجاه الإسراع بالتأليف، مرفقا بتحذيرات تتعلّق بمؤتمر “سيدر”، والتي أشار اليها الحريري ايضا في دردشته المسائية، مكررا بأنه لا يزال متفائلا بتشكيل الحكومة، ان لم يكن خلال عشرة أيام فلا بأس ان اخذت القليل من الوقت أكثر.

وبين الجدل المسيحي ــ المسيحي والآخر الدرزي، يصعّد حزب الله لتسريع تشكيل الحكومة، الأمر الذي اعتبرته مصادر مطلعة أنه نابع من قلق حزب الله من العقوبات الأميركية المرتقبة على إيران. وغمز حزب الله إلى وزارة الصحة، في الوقت الذي بعث فيه الحريري برسالة إليه، مفادها أنه يجب على الحزب مراعاة المصلحة الوطنية في ما يخص أية وزارة خدماتية مرتبطة بالدعم الدولي.

وحول آخر المعطيات المتوافرة، يؤكد القيادي في تيار المستقبل النائب السابق مصطفى علوش لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن الحريري يأخذ التوازنات السياسية الداخلية في الاعتبار، نافياً علمه بوجود اتفاق مباشر بين الحريري وحزب الله في ما يخص “الصحة”، لكنه يشير في المقابل إلى أن الحريري يدرك أن حزب الله يطالب بوزارة الصحة ويصرّ عليها.

وفيما يلفت إلى أن المحاذير التي أعلنها الحريري واضحة وقد تعرّض وزارة الصحة لوقف الكثير من المساعدات التي تتلقاها، يرى علوش أننا “في النهاية نعيش في بلد كناية عن ائتلاف بين مجموعات من الأحزاب والطوائف، علما أن على حزب الله ان يدرك أن تسلمه الصحة سيؤدي إلى هذه الاشكالية”.

لكن الحريري لا يضع هذا الأمر عقبة على طريق تشكيل الحكومة، إذ صحيح أنه هو من يشكلها، لكنه عمليا يأخذ موازين القوى والتوازنات الداخلية في الاعتبار، وفق علوش.

أما بالنسبة للموقف التصعيدي لباسيل تجاه الحريري، يعتبر علوش أن الأول ينطلق في مواقفه التصعيدية من أفكار عدة أساسية بالنسبة إليه ويسعى لتحقيقها خدمة لأهدافه، منها، إمكانية الالتفاف على “اتفاق الطائف” من خلال إعادة قدرة تعطيل الحكومة إلى رئيس الجمهورية، محاولا الحصول على الثلث المعطل في الحكومة، أي أحد عشر وزيرا.

أما الإشكال الثاني الأساسي والمهم جدا بالنسبة لباسيل، هو أنه يخوض معركة مجلس النواب المقبل مبكرا، خصوصا أن هذا المجلس سينتخب رئيس الجمهورية المقبل. ومشكلته الأساسية هنا تكمن مع حزب القوات اللبنانية، لأنه بحسب منطق باسيل فإن الأكثر تمثيلا مسيحيا يكون رئيسا للجمهورية.

ويضيف أن “القوات” وخلال فترة قصيرة تمكن من تحقيق انجازات أساسية: فهو أولا ضاعف عدد نوابه في مجلس النواب. وثانيا على المستوى الشبابي والطلابي والجامعات، ففي كل المعارك الانتخابية التي يخوضها حزب “القوات” يكسبها في مواجهة التيار الوطني الحر، ما يعني بوضوح أن الجيل المقبل سيكون بأغلبيته “قوات لبنانية”.

وبالتالي، يتابع علوش، يحاول باسيل بقدر ما يستطيع أن يضعف من وجود “القوات” على مستوى الإنجاز الحكومي، خصوصا أن الوزراء الذين انتُدبوا من قبل “القوات” لتمثيله في حكومة تصريف الأعمال الحالية، ومن الناحية الشعبية و”صيتهم” العام، تمتعوا بسمعة جيدة. أما في المقابل، هناك علامات استفهام على الوزارات التي تولاها “التيار”. وبالتالي، هذه المنافسة هي السبب الرئيسي بعملية التصعيد باتجاه الرئيس الحريري من قبل باسيل لكونه يتفهم مطالب “القوات” المحقة.

لكن المحلل السياسي قاسم قصير، المقرب من حزب الله، يكشف من جهته في حديث إلى موقع “القوات” الإلكتروني، أن هناك تفاهما بين الحريري وحزب الله على تولي الأخير وزارة الصحة، وعدم التأثر بالتحذيرات الدولية، لافتاً إلى استراتيجية جديدة يعتمدها الحزب تجاه الوضع الداخلي.

وفي قراءة لما بلغته أزمة التأليف، يعتبر قصير أنه للمرة الأولى يبذل جهد حقيقي لمعالجة العقد المحيطة بالعملية، لافتا إلى ان اللقاء الأخير بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة المكلف سعد الحريري، أشاع موجة التفاؤل هذه، ذلك ان عون، كما نقل عنه، لا يمانع بان يستلم حزب القوات اللبنانية موقع نائب رئيس الحكومة مع 4 حقائب. وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط، الذي يعمل على تراجع معين بالنسبة للحقيبة الدرزية الثالثة.

وبحسب المعطيات من داخل حزب الله، اعتمد الأخير منذ الانتخابات النيابية استراتيجية جديدة، وخاض الاستحقاق على هذا الاساس، وتوجّه بكمية من الوعود للناخبين بأنه بصدد الدخول في الوضع الداخلي الى الحد الأخير، بحيث أن الاهتمامات الداخلية لم تعد تأتي في المرتبة الثانية بالنسبة اليه، وهذا ما دفع الحزب لاعتبار أن تشكيل الحكومة ضرورة.

وبالتالي، يضيف قصير، هذا قرار اتخذه حزب الله قبل ملف العقوبات الأميركية الجديدة على إيران- المقرر البدء بتنفيذها في الرابع من تشرين الثاني المقبل مع امكان تقريب الموعد الى الربع الأخير من الشهر الحالي بحسب بعض المعلومات. ويجزم أن نسبة اهتمام الحزب بالوضع الداخلي اللبناني إلى ازدياد، إذ بات يوازي لديه الاهتمام بالمقاومة.

وفيما لم ينف أن يكون للظروف الخارجية الضاغطة دوراً في تثبيت هذا الوضع الجديد لدى حزب الله، على الرغم من أنه لم يتأثر مباشرة بالعقوبات بعكس إيران، يعتبر قصير ان العقوبات لم تعد محصورة بالحزب بل تطاول اللبنانيين.

ويرى أن الحزب حريص ومعني بتحصين الوضع اللبناني لمواجهة أي تداعيات، معتبرا ان وزارة الصحة هي اقل وزارة تتلقى مساعدات من الأميركيين مقارنة بالجيش اللبناني والمؤسسات الاخرى، وهي أقل اشكالية من غيرها.

ويشير المحلل ذاته إلى أن ما أربك الوضع مجددا بعد موجة التفاؤل جاء نتيجة تصريحات وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، ما اثار تساؤلات حول هدف رئيس التيار الوطني الحر من مواقفه التصعيدية. ويضيف، من هنا دعوة جنبلاط بالأمس إلى ضرورة العودة الى التسويات والتنازلات لان وضع البلد لا يحتمل التصعيد.

وعلى الرغم من ذلك، يوضح قصير أن جو التفاؤل الان أكبر، في ظل عدم إمكان الحسم كليا، الا انه يتقدم، وهناك جهد مكثف لمعالجة العقبات، معتبرا أن التحذيرات الفرنسية للسرعة في تأليف الحكومة، قد تكون هي العنصر الذي يدفع الى الاستعجال في التشكيل. ويضيف، الأمل لم ينقطع والتفاؤل لم يتراجع، وعلينا انتظار عودة عون من زيارته الى أرمينيا وخلاصة لقائه مع الرئيس الفرنسي فرنسوا ماكرون، وعودة الحريري من زيارته الى العاصمة البريطانية لندن، فضلا عن جولة باسيل الخارجية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل