“المسيرة” – نصب شهداء الفرزل في قلب الفرزل

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1682

نصب شهداء الفرزل في قلب الفرزل

النصب الأساسي محتجز في مستودع والثاني في أمانة الأوفياء للشهادة

 

لعلهم أرادوا أن يدقوا مسماراً في الجذور التي ارتوت بدماء شهداء بلدة الفرزل، أو لعلهم أرادوا أن يختبروا من جديد حجم قاعدتهم الشعبية بعدما صدمتهم نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة.

لكنهم أخطأوا في العنوان. فالشهادة محفورة في قلب كل لبناني وفي كل بيت، وصور شهدائنا مؤطرة في عيون امهات قدمن أولادهن قرابين على مذبح هذا الوطن  لنبقى. فهل يكون نصب الشهداء في بلدة الفرزل الذي كان مقررا تثبيته وراء إشعال فتيل الحرب الباردة بين أبناء البلدة الواحدة، أم هي قصة كيدية وقلوب ملآنة؟ ما هي خلفيات هذا الإشكال ومتى كان نصب الشهداء مصدر إزعاج للبعض؟ لماذا سمح النائب في كتلة لبنان القوي ميشال ضاهر بإيصال الأعمال المقررة لتثبيت النصب إلى خواتيمها، وإشعالها كيدياً عند الوصول إلى نقطة الصفر؟ هل يدرك النائب ضاهر أنه لولا هؤلاء الشهداء لما كانت هناك أمتار مربعة ينعم في العيش على مساحتها مع عائلته؟ ومن قال إن كرامة الشهداء مؤطرة بالأمتار المربعة؟… خلاصة الكلام كرامة شهدائنا فوق كل اعتبار.

 

 

لم يتوقع أحد أن يحصل ما حصل في بلدة الفرزل في قضاء زحلة ويتحول حدث تكريم شهداء البلدة من خلال وضع نصب لاستذكارهم إلى قضية رأي عام وحريات مع توقيف 6 شباب من أبناء الفرزل ومن بينهم رئيس مركز حزب “القوات اللبنانية” يوسف سيدي لساعات فقط لأنهم اعترضوا على قرار النائب في كتلة “لبنان القوي” ميشال ضاهر بمنعهم من تثبيت النصب التذكاري بحجة أنه يقع على مسافة قريبة من منزل العائلة مما يسبب إزعاجا لأفرادها بسبب عجقة السير أمام مدخل المنزل. هكذا فسر النائب ضاهر أسباب منعه وضع النصب التذكاري ضاربا عرض الحائط المزاج الزحلاوي وكرامة الشهداء ووفاء ابناء الفرزل لمفهوم الشهادة.

 

 

ما حصل في بلدة الفرزل ليس وليد الصدفة وقصة إقامة النصب التذكاري لشهداء البلدة في نفس المكان تعود إلى أكثر من 7 أعوام على ما يقول منسق زحلة في “القوات اللبنانية” ميشال تنوري “لكن فضلنا التريث، إلى أن تم التوافق على تثبيته بعد الإنتهاء من الإنتخابات النيابية في أيار الماضي. لكن مشهد التحالفات السياسية والحزبية اختلف وكذلك الأمر بالنسبة إلى رئاسة البلدية”.

 

 

فالنائب ميشال ضاهر لم يكن على خصومة سياسية مع “القوات اللبنانية” قبل الإنتخابات النيابية التي أفرزت عن حصوله على 1044 صوتا على لائحة “لبنان القوي”، في مقابل 1000 صوت لنائبي تكتل “الجمهورية القوية” جورج عقيص وسيزار المعلوف. هذه النتيجة لم ترضِ حتما النائب ضاهر ولم يكن يتوقع أن يعطي أبناء الفرزل 1000 صوت للنائبين عقيص والمعلوف من دون أية وسيلة ضغط مادية أو معنوية. فأصوات الفرزليين لمرشحي «الجمهورية القوية” كانت عن قناعة والتزام بخط “القوات” ومشروعه السياسي وأداء نوابه ووزرائه في الحكومة.

 

وتشير الأوساط إلى العلاقة التي تربط رئيس البلدية الحالي ملحم الغصان بالنائب ضاهر الأمر الذي يفسر أسباب تراجع الغصان عن الرخصة وإحالتها إلى محافظ البقاع بحجة التريث وعدم حصول أي إشكال بين أبناء البلدة الواحدة. لكن الوقائع التي سبقت الحادث تؤكد أن الهدف لا يتعدى الكيدية السياسية وعدم إدراك المزاج الزحلاوي والعلاقة المعنوية التي تربط أبناء الفرزل بمفهوم الشهادة.

 

قبل شهر ونصف حصل شباب الفرزل على الرخصة القانونية الموقعة من رئيس البلدية لإقامة النصب في المكان المحدد سلفا والذي يبعد عن منزل النائب ضاهر العائلي حوالى 25 مترا يفصل بينهما صفٌ طويل من الأشجار إضافة إلى تواقيع مالكي العقار، وبدأ عمال تابعون لبلدية الفرزل بناء جدار الدعم ووضع القاعدة لتثبيت النصب. بعد الإنتهاء من الأعمال حضر الشباب لتثبيت النصب فاعترض النائب ضاهر بحجة أن المشهد على الأرض يشكل استفزازا لأهل المنزل وزواره ويؤدي إلى حصول عجقة سير وإقفال مداخل البيت.

 

يومها دخلت المفاوضات لكن تحت الأضواء بين نائبي تكتل “الجمهورية القوية” والنائب ضاهر ورئيس البلدية إلى أن تقدم رئيس البلدية بطلب إلى المحافظ بوقف الأعمال لأنها ستؤدي إلى حصول شرخ وخلافات بين أبناء الفرزل. وأوعز إلى المحافظ بأن الأهالي يرفضون إقامة نصب تذكاري لشهدائهم!! ولتفادي سريان مفعول الطلب الذي تقدم به رئيس البلدية إعتبارًا من صباح الإثنين عمد شباب الفرزل إلى تثبيت النصب فجر الأحد.

 

ومع وصول الشاحنة التي كانت تقل النصب خرج النائب ضاهر ومعه مجموعة من الشبان المسلحين وطلب منهم وقف الأعمال والإنسحاب.  فاعترض الشباب وأبرزوا له ولعناصر المخابرات التابعة للجيش اللبناني التي حضرت إلى المكان الرخصة القانونية الموقعة من رئيس البلدية ومالكي العقار. فجأة سُمع صوت إطلاق النار من داخل منزل النائب ضاهر. حاول الشباب استكمال الأعمال لكن قرار المنع طٌبق بالقوة وتم توقيف 6 شبان من بينهم رئيس مركز الفرزل يوسف سيدي واقتيدوا إلى ثكنة أبلح وأطلق سراحهم بعد ساعات باستثناء سيدي الذي أطلق سراحه في اليوم التالي بعد مفاوضات تولاها النائبان جورج عقيص وسيزار المعلوف مع الأجهزة الأمنية، خصوصا أن الأمور كانت متجهة نحو مزيد من التصعيد  نتيجة إصابة عدد من القواتيين بجروح وتوقيف الشبان الُعزَل، في حين لم يتم توقيف أي من العناصر المسلحة وحتى مطلق النار، الأمر الذي شكل تحديًا لمشاعر فئة كبيرة من أهالي الفرزل. لكن هل أدرك النائب ضاهر والمراجع التي «يمون» عليها أن المسألة تحولت إلى قضية رأي عام وحريات؟ فتكريم الشهداء حق مكرّس بمعزل عن الموقع المتفق عليه والبلدية منحت الرخصة القانونية، حتى النائب ضاهر على اطلاع بكامل التفاصيل ويدعي أنه تبرع بمبلغ مالي معين. فلماذا حصل ما حصل؟

 

النائب في تكتل “الجمهورية القوية” جورج عقيص الذي دخل على خط المفاوضات مع زميله في التكتل سيزار المعلوف أكد أن ما حصل هو أمر مستهجن و”كنا نتمنى وضع كل الحساسيات والرواسب الإنتخابية وتموضع النائب ضاهر السياسي جانبا لأن المسألة تتعلق بشهداء الفرزل الذين استشهدوا منذ العام 1975 ودافعوا عن أبناء البلدة والقضاء وليس عن حزب معين”. أضاف» ليست المرة الأولى التي يحصل فيها إشكال مماثل بين شباب “القوات” ومناصريه في الفرزل وبين النائب ميشال ضاهر. فقبل شهر كانت هناك محاولة لوقف أعمال تشييد القاعدة التي سيثبت عليها النصب فقمنا بعدة مفاوضات تحت الضوء “وقلنا مرقت على خير”. لكن بعد تقدَم رئيس البلدية بطلب سحب الرخصة من المحافظ وتراجع أحد مالكي العقار عن موافقته المسبقة وهي الذريعة التي استندوا إليها، علما أن تفويض باقي المالكين يعطي الشباب أحقية وضع النصب التذكاري، حصل ما حصل. وكان الأجدى إحالة أية شكوى أو اعتراض قانوني إلى المحاكم المختصة لكن ليس على طريقة التهويل وإطلاق النار على الشباب وتوقيف المعتدى عليه بدلا من المعتدي”…

 

 

القيادي في حزب “القوات اللبنانية” ابراهيم الصقر أكد لـ”المسيرة” أن النصب التذكاري الذي كان سيتم تثبيته في الفرزل هو في مكان آمن وليس “محتجزا” في أحد المستودعات كما يروّج البعض. وكشف أن هذا النصب هو الثاني بعد منع صاحب النصب الأول الذي صُمم لتكريم شهداء الفرزل من إخراجه من المستودع. لكن من قال إن كرامة الشهداء مؤطرة بأمتار مربعة وبنصب تذكاري يدور في فلك النكايات والكيديات السياسية؟ ومن قال إن وضع نصب تذكاري لشهداء المقاومة اللبنانية في  الفرزل سيمهد الطريق أمام الحزب السوري القومي الإجتماعي من إقامة نصب مماثل للمجرم حبيب الشرتوني؟ “هذا تهويل على الشباب وبدعة يهددون بها أبناء الفرزل الأحرار بعد صدور نتائج الإنتخابات النيابية التي فاز فيها النائبان في تكتل «الجمهورية القوية» جورج عقيص وسيزار المعلوف ب1000صوت من أصل 2615 ناخب صوتوا في الفرزل “بس لأنن “قوات” ولأنو في قائد على راس هالحزب إسمو سمير جعجع” في حين نال النائب ضاهر 1044 صوتاً.

 

حتى الساعة لا تزال المفاوضات جارية لإعادة وضع النصب التذكاري ويتولاها عن حزب “القوات اللبنانية” النائبان جورج عقيص وسيزار المعلوف الذي أكد أن كرامة الشهداء فوق كل الإعتبارات، والنائب ميشال ضاهر ورئيس بلدية الفرزل ومحافظ البقاع القاضي كمال أبو جودة. وتشير المعلومات إلى دخول مطران زحلة للروم الكاثوليك عصام درويش على خط المفاوضات لحياكة الحل ونسجه. وبحسب مصادر وثيقة هناك حلول تطرح على قاعدة “تكبير نفوس ولا تكبير رؤوس” وتقضي إما بإزاحة النصب مسافة 15 مترا عن المكان المحدد أساسا بحيث يبقى في نفس العقار أو سيتم اختيار موقع جديد لكن هذا الحل لن يكون حتما مرضيا لكرامة شباب الفرزل الذين يصرون حتى الساعة على إقامة النصب في نفس الموقع وعدم إزاحته مترا واحدا.

 

مصادر زحلاوية استغربت موقف النائب ضاهر من إقامة نصب تذكاري لشهداء البلدة في المقاومة اللبنانية وهو الذي كان على تحالف سياسي مع “القوات اللبنانية” قبل أن يصبح مرشحا على لائحة «لبنان القوي» ويفوز بفارق 44 صوتا فقط عن نائبي تكتل «الجمهورية القوية». مما شكل له صدمة معنوية وهو يحاول التعويض عنها في افتعال بعض الإشكالات مع “القوات اللبنانية” ومناصريها ظنا منه أنه في ذلك سيستعيد جزءا من القاعدة الشعبية التي خسرها في الإنتخابات النيابية الأخيرة. لكن جهله للمزاج الزحلاوي ومفهوم الشهادة لدى أهالي الفرزل خصوصا والزحلاويين عموما أفقده الكثير مما تبقى من رصيده الشعبي الذي يؤمن أن كرامة الشهداء غير محددة بأمتار “ولبنان القوي” أكبر من مساحة العقار الذي يسعى إلى سحبه من تحت بلاطة نصب شهداء الفرزل. وتضيف المصادر: “القوات ليست في وارد استفزاز أحد والوقائع ثابتة ودامغة والضغوط التي مارسها النائب ميشال ضاهر على بلدية الفرزل تحمل في طياتها خلفيات سياسية مفادها أنه لا يريد أن تزيد “القوات اللبنانية” من حضورها في الفرزل. وهو يحاول تعبئة فراغه السياسي من خلال الظهور بمظهر الندّ لـ”القوات اللبنانية” وكل ما حصل بعد صدور الترخيص عن بلدية الفرزل هو من قبيل الضغط المكشوف الذي مارسه النائب ضاهر طيلة أسابيع واقتراحه بنقل النصب إلى مكان آخر يعكس بدقة حجم حقده، علما أن المكان المخصص هو ملك خاص وتم ترخيصه وليس هو من يحدد أساساً مكان إقامة نصب الشهداء. أكثر من ذلك لا “القوات اللبنانية” ولا شباب الفرزل ينتظرون مكرمة النائب ضاهر والأرض التي يريد تقديمها لهم، وهم يصرون على إقامة النصب في المكان المقرر والذي حاز على موافقة البلدية.

 

قرار إعادة النصب رهن بالمفاوضات التي يجمع المعنيون أنها لن تطول أكثر من عشرة أيام. والعقدة الأساسية في حسابات النائب ضاهر و”المحسوبين” عليه تتوقف على المكان. لكن كرامة شهدائنا أكبر من أن تؤطر بمكان وأمتار مربعة. كرامة شهدائنا فوق كل الإعتبارات وأسماؤهم مؤطرة بدموع أمهاتهم ووفاء من آمنوا وما زالوا أنه لولا شهدائنا لما كان هناك وطن إسمه لبنان.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل