
أطلّ وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل ليتحف اللّبنانيّين باجتهاداته الدستوريّة التي حاول بواسطتها أن يضرب دستور البلاد بعرض حائط المصالح الشّخصيّة. وفي حديثه شيء من الخطورة ينبئ بأنّ مرحلة ما بعد الحكومة ستكون مرحلة نزاع دستوري قد لا تكون رئاسة الجمهوريّة الملفّ الوحيد فيها.
صرّح باسيل بأنّه يريد علانيّة وزارة الأشغال. وفي تسميته هذه لكأنّه يردّ على التّقارب الذي يحصل بين حزب القوّات اللبنانية وتيار المردة، كونه من المعروف في وسط تداول أسماء الحقائب الوزاريّة، “المردة” هو الذي صرّح برغبته بتولّي هذه الوزارة. وبرّر باسيل مطالبته هذه بغياب الخطط والحلول التي لم يضعها تيّار المردة أثناء تولّيه هذه الوزارة. لكأنّ خطط الطاقة والخارجيّة والاتصالات قد فاض عبيرها ليعطّر المسكونة السياسيّة كلّها.
وردًّا على الكتلة الارسلانيّة المستولدة، ضرب الوزير بهذا الملف مسألتين بحجر واحد لكنّه فشل بالاثنتين. لقد أوحى بأنّ الكتلة تمّ الاعلان عنها قبل الانتخابات في حين أنّها ظهرت بعدها. والمسألة الثانية، وهي الأخطر، عندما عاد وفتح ملف المصالحة والعودة السياسيّة إلى الجبل. لكأنّه يحاول تغيير ذاكرة الناس الجماعيّة في الملفّين. في الأوّل المسافة الزّمنيّة ليست بعيدة، نحيل القرّاء إلى استرجاع التسجيلات لاستبيان الحقيقة كما هي. أمّا في الثّاني، فمصالحة الجبل التي حقّقها الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير مع “القوّات اللّبنانيّة” والحزب التقدمي الاشتراكي هي التي حقّقت العودة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة للمسيحيّين إلى الجبل.
ومن الجيّد أن يتحدّث باسيل عن وحدة المعايير في ملفّ التّأليف، لكن ما ليس جيّدًا أن يضع معايير تناسب وضعه السياسي فقط. أمّا في مسألة توزيع الحقائب الوزاريّة، فليسمح لنا معاليه، فهذه مسألة ترتبط فقط بالرئيس المكلّف بالتنسيق مع فخامة الرئيس. ولا فيتوهات على أحد.
أمّا من يضع فيتو على “القوّات اللّبنانيّة”، فالأخير لن يقبل به. وما أقدم عليه التيّار الوطني الحر بعد المواقف الايجابيّة التي أطلقها الرّئيس المكلّف الأسبوع الماضي لا يوحي اليوم بأنّ رئيس هذا التيّار صار بوارد التّعاون في ملف التّأليف. وفي إشارته إلى أنّ رئيس الحكومة يضع مهلة على نفسه، ليخضع نفسه لثقة المجلس النيابي التي وحدها تسقط التكليف، عمليّة انتزاع غير مباشر لصلاحيّات الرّئيس المكلّف. وهذا بالطّبع ما نحن بغنى عنه في بلد كلبنان، وفي هذه المرحلة بالذّات.
وفي ملف النّازحين، نوافق مع الوزير على ضرورة تحوّل هذا الملفّ إلى أولويّة الحكومة المقبلة. ولكن من دون الضغط على الدولة اللبنانيّة لتصبح بسبب سياستها الخارجيّة في عداوة مع المجتمعين العربي والدولي. والمطلوب عدم الرّضوخ للابتزاز الأسدي- البعثي.
أمّا في المصالحة المسيحيّة – المسيحيّة، سنحتكم إلى آراء النّاس في المجتمع المسيحي، هؤلاء الذين صوّتوا لمن رفض أن يتحالف مع “القوّات” ولا حتّى في دائرتي الزّهراني- صور أو مرجعيون. من المعيب جدًّا قلب الحقائق والوقائع الانتخابيّة التي لم يجفّ حبر أوراق اقتراعها بعد. اكتفينا استخفافًا بعقول النّاس فالإنجاز الوحيد الذي حقّقه باسيل سياسياً بدا واضحًا في نتائج تصويت الذين أعلنوها للملء بأنّ المعرقل والمعطّل هو هو، من حاول أن يبرّر نفسه وفشل.