.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1682:
هي صفحات صفحات وكلمات غالبا ليست كالكلمات. تويت تويت، غرّدنا زقزقنا قولوا أعلنا الحرب والحب والإيمان والتوتر العالي في آن واحد عبر تويتر. «اللايك باللايك والكومنت بالكومنت والبادي…» الكلمة بذيئة، أما الإمضاء: #هاشتاغ شريعتي الفايسبوكية…هكذا حدد أحد الناشطن الفايسبوكيين مبادئه الواضحة عبر صفحة الفايسبوك.
هنا ليست صفحات إخبارية إعلانية وحسب، هي صفحات تنضح فعلا بما في قلب صاحبها، والإناء ليس دائما طيب المذاق انما على العكس تماما، هل صفحاتنا هي ما نحن عليه فعليا ام هي غالبا ما نطمح ان نكون عليه طالما المواجهة لا تقتصر الا على كلام كلام كلام بس؟! نعلن لكم حرب التواصل الاجتماعي غير الاجتماعي في لبنان!!
لم ينسَ العالم حتى اللحظة يوم 25 كانون الثاني 2011، يوم اعلان الثورة في مصر على نظام الرئيس السابق حسني مبارك، قائد المعركة يومها كان الشاب وائل غنيم، الذي فجّر الثورة وادار بلاد الاكثر من 82 مليون نسمة من صفحته الفايسبوكية، دعواته للثورة والتغيير وللقاءات الحاشدة وسط القاهرة كانت انطلاقا من صفحته الصغيرة، قيل عنه يومذاك إنه «قائد ثورة الشباب» لكنه وبكل تواضع رفض التسمية وقال عن نفسه انه «مناضل كيبورد» نظرا لإنه كان مدير صفحة «كلنا خالد سعيد» على فايسبوك، وتلك الثورة الفايسبوكية أدت لاحقا لتغيير جذري في مصر، والى محاكمة الفاسدين ووصول الرئيس عبد الفتاح السيسي الى سدّة الحكم، بعد التجربة الفاشلة في السلطة لقيادات الإخوان المسلمين والتي نقلتهم من قصر الرئاسة الى غياهب السجون.
في سوريا أيضا لعبت صفحات الفايسبوك ما لم يكن متوقعا في تحريك الثورة التي اندلعت ضد نظام بشار الاسد ولا زالت، وما كان يسمى «بالربيع العربي» كانت منصته الرئيسة صفحات الثوار عبر فايسبوك، ولا يهم اين اصبح ذاك الربيع وما اذا كان ربيعا فعليا ام خريفا، المهم ان التغيير الكبير كانت شرارته مواقع التواصل الاجتماعي.
في لبنان، لم تكن تلك الصفحات انطلقت بعد حين اندلعت أجمل الثورات على الاطلاق، ثورة الأرز العام 2005، وحصل التغيير الكبير الذي أدى الى جلاء الاحتلال السوري عن لبنان وإسقاط عهد الوصاية والنظام الأمني اللبناني ـ السوري الذي كان يتحكم بمفاصل السلطة. اليوم لبنان تحت احتلال من نوع آخر، اشد قسوة وبأسا، السلاح غير الشرعي من جهة، وسطوة الفساد من كل الاتجاهات، وها نحن نتحارب نتعارك نطلق الشعارات والثورات عبر صفحاتنا الكثيرة، والمفارقة ان لا تغيير على الاطلاق، لا تغيير!! نعيش ثورات افتراضية، نحن اكثر الشجعان بأسا وسطوة وقوة انما، افتراضيا وليس اكثر، شو صار؟ هالقد خسرت صفحاتنا من سحرها ام لعلنا نحن المتراجعون الثرثارون؟ ام ان طبقة الفاسدين تحديدا أدمنت الانتقادات العابرة ولعلها صارت تفرح بانزعاجنا واستيائنا وتسكر على فشلنا ويأسنا؟!
«انا ضد الإسفاف والشتيمة والتسرّع على مواقع التواصل الاجتماعي» يقول وزير الاعلام ملحم الرياشي الذي يرفض قطعيا التعرّض لفكر الآخر المتناقض مع أفكارنا «فينا نكون عقلانيين وإجرينا ع الارض وأي مشكل بيسوى ينحل بطريقة لبقة وفينا نعبّر عن آرائنا باحترام على مواقع التواصل الاجتماعي لان بالنهاية هالصفحات بتعكس حقيقتنا في مكان ما»، الوزير الشهير بهدوئه ولباقته ودماثته مع خصومه قبل حلفائه، لم يسجّل له يوما انه تعرّض بالسوء لاحد عبر تويتر او فايسبوك، رغم الحملات الكثيرة التي تحاول النيل من «القوات اللبنانية»، او من زملائه وزراء «القوات» في الحكومة، ويوم كان الرياشي مسؤول جهاز الإعلام والتواصل في «القوات»، أنشأ مع رفاقه ما كان يُعرف بـ «الكتيبة 33» التي كان هدفها التصدي فايسبوكيا لمهاجمي «القوات». «نحنا بـ«القوات» كنا اول من أوجد فكرة الجيش الالكتروني وكان هدفه التسويق لفكرة الحرية والدفاع عن الحقيقة والحق انما بأساليب حضارية وكنا نتصدى لمن يسيء الى «القوات»، بمعنى آخر الجيش الاكتروني هو جيش للدفاع عن حقوق الناس كل الناس لاي فئة وطائفة انتموا، وليس جيشاً للشتيمة التي أرفضها من أي طرف أتت».
وللتصدي للإسفاف الكبير المستشري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تقدّم الرياشي بمشروع قانون سيصدر قريبا ومن شأنه ان يتصدى للمسيئين والشتّامين عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ويتضمن عقوبات وغرامات مالية مرتفعة للمخالفين، في حين الغى نهائيا عقوبة السجن للصحافيين يقول حدا إنو برا كل الناس بتشتم وبتسبّ وهيدي حرية تعبير. لأ هيدي قلة ادب ومش حرية تعبير، ونعم نحنا مش متل برّا، نحنا وطن الرسالة ورسالتنا هي الحفاظ على قيمنا الحلوة وتقاليدنا اللبنانية القائمة على الاخلاق، الاخلاق، وما بدنا نخسر هالرسالة وهالقيم لاننا لا نملك سواها والمطلوب انو كلبنانيين نحافظ على هالقيم الاخلاقية الى ابعد الحدود» يقول الرياشي.
صفحاتنا التي تتحول أحيانا الى مذبح في كنيسة أو مصلّى في جامع، هي نفسها وفي الوقت عينه، منابر شتيمة لا تقارَب، أي تناقض هذا؟ هي نحن ما عليه بكل تناقضاتنا، مثلا كتب أحدهم على صفحته «ليك فخامة الرئيس قوم ضبّ زعرانك وفوت نام ع بكير لأن جبرانك داير بالليالي وطمّن بالك ما رح يترك خزنة ما يسرقا»، وانهالت عليه الشتائم من كل الاتجاهات والثناء من اتجاهات أخرى، دقائق ونشر الناشط إياه صلاة للعذراء مريم تحكي عن الغفران والمسامحة وما شابه، دقائق قليلة أخرى ظهر بوست آخر «هددوني الشباب بالحبس، روحوا ما فيكن إلا ع المعترين، نحنا قدا وقدود». لكن المراجل هنا لم تظهر بوضوح، إذ إن الناشط اياه محى البوست الأول واختفى حسّه لأيام ليعود ويكتب «صباحكن كيف النضال اليوم؟» فيجيبه أحدهم ساخرا «شو عمّو وين عم تناضل اليوم ع جبهة الجلي أو الطبخ؟»…
هي حكايا وكلمات وتغريدات وصفحات بعض كثير منا وما نريده في أحلامنا وطموحاتنا، وأحيانا أخرى هي عكس ما نبغي ونحلم، انما نختلق شخصيات لنا تعبّر عن المستحيل الذي نركض خلفه ويهرب منا كالسراب، في وطن حتى اللحظة، حتى اللحظة صار مدمنا على الثورة والمقاومة وكل أنواع النضال المفترض والشتائم الواقعية انما… في عالم مفترض لم يغيّر شيئا ولم يصل بعد الى أول سطر، أول حرف، أول كلمة لتغيير منظومة الفساد التي تجتاحنا كأنفاسنا، وان نجح في مكان آخر بالتأكيد في تسليط الضوء على الكثير من المصائب التي تعيشنا… تويت تويت، إسرعوا غرّد الوزير… ولما أسرعوا كان الوزير أطلق تغريدة جديدة وصارت التي سبقتها بثوان من الماضي، وها نحن في سباق محموم مع كل ما هو مفترض…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
