“المسيرة” – حوّلوا دولاراتكم الى ليرات مع فائدة 15% لمدة 5 سنوات

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1682:

 

يحدث يوميا ومنذ فترة أن يتصل متموّل مودِع بالليرة في المصارف اللبنانية ليسأل صديق، خبير إقتصادي أو مصرفي أو حتى ملم بقضايا النقد وتقلبات الأوضاع، عما إذا كان من الأفضل تحويل ودائعه إلى الدولار أو اليورو، أو ربما سحب تلك المبالغ وإيداعها في مصرف أجنبي تخوفا من حدوث أي أزمة أو انهيار في سعر العملة. مصدر الضياع الأكبر في هذه المسألة أن لا رأي موحدا حول الموضوع، فهناك من هو متخوف ولمخاوفه تبريرات يومية واضحة. وهناك من هو واثق من متانة النقد وثبات الليرة على الرغم من سوء الوضعين الإقتصادي والسياسي، ويأتيك بعشرات الحجج الداعمة منطقيا لهذا الرأي. لكن انطلاقا من مقولة «إن الرأسمال جبان» فإن الكثير من المتخوفين باتوا يشكلون واقعا ضاغطا حتى لو كانت التطمينات موثوقة وكافية. ويواصلون الإجراءات، وطرح الأسئلة عن وضع النقد والقروض والإقتصاد… والمستقبل؟ خصوصا أن في الأفق أكثر من غيمة تُنذر بخريف ملبد بينها تشديد، وربما تقريب موعد، العقوبات الأميركية على حزب الله وما يرافق ذلك من تداعيات… فماذا يقول المصرفيون؟

 

يسعى لبنان للحفاظ على نظام ربط الليرة بالدولار القائم منذ 20 عاما، بعرض عوائد مرتفعة على الزبائن المستعدين لتحويل مدخراتهم بالعملة الصعبة إلى ودائع طويلة الأجل بالليرة اللبنانية. وهذه إحدى مؤشرات تصميم لبنان على الحفاظ على الاستقرار النقدي، وسط تحذيرات محلية وخارجية من أزمة إقتصادية، وهو ما أطلق شائعات دفعت المصرف المركزي إلى تقديم تطمينات متكررة في شأن متانة الربط وقوّة الليرة.

وتشتري البنوك الدين الحكومي، الذي يمول المديونية العامة الضخمة والعجز في الخزينة.
لكن هناك من الإقتصاديين من يرى أن لبنان، ثالث أكثر الدول مديونية في العالم، يحتاج إلى تقليص الإعتماد على عمليات البنك المركزي، التي يصفها صندوق النقد الدولي بأنها غير تقليدية. وذلك فضلا عن إصلاح مالي عاجل لمساعدة الاقتصاد.

ومع انخفاض النمو، وتراجع تدفقات النقد الأجنبي من مصادر مثل السياحة والعقارات والاستثمارات، جراء سنوات من التوتر الإقليمي، يعتمد لبنان الآن بشكل متزايد على مليارات الدولارات التي يودعها اللبنانيون لا سيما المغتربون منهم في البنوك المحلية. لكن أسعار الفائدة المرتفعة التي وضعها المصرف المركزي لضمان استمرار تدفق الأموال إلى البنوك، باتت تشكل مخاطر متزايدة داخل النظام المالي وتضغط على الإقتصاد المزداد تباطؤاً.

 

تبادل الحيرة… والأسئلة

يشعر اللبنانيون بتأثيرات ضعف الإقتصاد. ومع أنهم في السابق كانوا يدّعون حسن قراءة التطورات ومعرفة الإتجاهات المستقبلية، إلا أنهم باتوا اليوم يتبادلون الحيرة والأسئلة بشأن الوضعين النقدي والإقتصادي، في ظل غموض الأوضاع وتشوّش الرؤية. فالإقراض منخفض، ونشاط الشركات يتراجع. وإن زيارة قصيرة لأي مصرف، أو حتى خارجه، يمكن أن تعطي انطباعا عن القلق المتنامي لدى اللبنانيين من بلوغ الوضع المتردي نقطة اللاعودة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن معدلات النمو السنوي في لبنان وصلت خلال السنوات الماضية إلى ما بين 1 في المئة و2 في المئة، هبوطاً مما بين 8 و10 في المئة خلال السنوات الأربع التي سبقت اندلاع الحرب في سوريا. ويزيد في ضعف النمو وتباطؤ الإقتصاد، غياب الحكومة والتشنج السياسي وسوء الإدارة عموما.

ويقول مصدر في المصرف المركزي إن الأولوية اليوم لدى المصرف هي رفع الفائدة لجذب الرساميل والحفاظ على المتوفر منها بالعملة الأجنبية في لبنان، بهدف ضمان القدرة على الإستمرار وسط الضغوط المتزايدة، لأن تثبيت سعر الليرة هو أولوية. ويلفت إلى أن المرة السابقة التي رفع فيها مصرف لبنان أسعار الفائدة كانت في نهاية 2017، حينما زادها بمقدار نقطتين مئويتين. ويضيف أن المركزي يعمل على التوفيق بين الحفاظ على ثبات الليرة وتأمين السيولة لتمويل الإقتصاد في هذه الظروف الصعبة، وعدم انعكاس ذلك سلبا قدر الإمكان على الإستثمار.

لكن منذ فترة، بدأت البنوك تتصل بعملاء وتعرض عليهم تحويل ما لديهم من عملة صعبة، داخل لبنان أو خارجه، إلى ودائع بالليرة اللبنانية لأجل 5 سنوات بفائدة تصل حتى 15 في المئة. وهناك عروض أخرى من بينها فائدة 10 في المئة على ودائع لأجل عام، و11 في المئة لأجل عامين، على أن يُراوح الحد الأدنى للودائع بين 20 ألفا و50 ألف دولار. وبلغ المتوسط المرجح لسعر الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية أعلى مستوياته منذ بداية العام 2010. وبلغ المتوسط المرجح لسعر الفائدة على الودائع بالدولار أعلى مستوى له منذ بداية العام 2008.

وتدفع المصارف اللبنانية حالياً، أعلى معدلات الفائدة على الودائع خلال نحو 9 سنوات، نظرًا لسعيها إلى دعم رأسمالها للتغلب على حالة عدم الاستقرار السياسي، وتلبية الاحتياجات المرتفعة للحكومة للاقتراض، حسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية. وقد يرتفع العجز في الميزانية إلى 10.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهو أعلى معدل منذ العام 2015 على الأقل. ومن المحتمل أن تصل ديون لبنان إلى 180 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 5 سنوات بدلاً من 150 في المئة في العام 2017 وفقًا لصندوق النقد الدولي.

وتظهر حاليا منافسة محتدمة بين البنوك لجذب الودائع، وهي تطرح منتجات جديدة للحصول على الدولار وتحويله إلى الليرة اللبنانية بمعدل فائدة مرتفع جدا على الليرة. في حين أن البنك المركزي يحاول امتصاص الدولار المتوافر في السوق. لكن في المقابل، فإن الاعتماد المتزايد على الودائع المصرفية لتمويل الحكومة، يجعل لبنان ومصارفه أكثر تأثراً بالصدمات السياسية، كما يقول مدير الدراسات في «بلوم إنفست» مروان مخايل.

 

أسباب تراجع الإقراض

ربما ما يعني اللبنانيين في شكل أساسي هو مسألة القروض، لأن معظمهم يعتمد عليها لتيسير أموره الحياتية نظرا لضعف القدرة الشرائية وتعاظم الركود الإقتصادي. وفي هذا الإطار يشير مسؤول مصرفي إلى أن الإقراض تراجع في الفترة الأخيرة لعدة أسباب منها ارتفاع أسعار الفائدة التي وضعها المصرف المركزي لضمان استمرار تدفق الأموال إلى البنوك، فبات من مصلحة المصارف إقراض المركزي بدلا من إقراض الأفراد. في المقابل فإن الفائدة المرتفعة لا تناسب القطاع الخاص فيُحجِم عن الإقتراض مما أدى إلى إقصاء القطاع الخاص عن السوق.

وهنا يوضح الخبير مروان مخايل لـ«المسيرة» أن السبب الأساسي لتراجع نسبة القروض هو توقف قروض المؤسسة العامة للإسكان. أما السبب الآخر المهم أيضا فهو تحديد مصرف لبنان في التعميم 503 عدم جواز تخطي التسليفات بالليرة اللبنانية نسبة 25 في المئة من الودائع، وهناك مصارف كانت متخطية فعلا هذا السقف ما دفعها إلى عدم منح قروض جديدة عند انتهاء القروض الحالية، وذلك بهدف العودة إلى السقف المحدد. ويقلل مخايل من تأثير تردي الوضع الإقتصادي على نسبة القروض، وكذلك من نسبة القروض المتعثرة أو المشكوك في تحصيلها. لكنه يلفت إلى إنخفاض القروض عموماً بنسبة 1,5 في المئة خلال الفترة المنقضية من العام الحالي.

غير أن هناك من المصرفيين من يعتبر أنه بالإضافة إلى تراجع حماسة المصارف على الإقراض الشخصي، فإن ثقتها باتت أقل بقدرة المقترضين على السداد بسبب تراجع حركة الأعمال ومداخيل الأسر. وإن كانت نسبة القروض المشكوك في تحصيلها ما زالت قليلة وتحت السيطرة إلا أنها تشكل عبئا على المصارف لأنها تميل إلى عدم ملاحقة المتخلفين قضائيا مراعاة لأوضاع المواطنين من جهة، باعتبار أن للمسألة جانباً إنسانياً لن نتغاضى عنه، ونظرا لكلفة الملاحقة القضائية وضعف القدرة على التحصيل من جهة ثانية. لكن هذا لا يعني وقف الإقراض، بل هو متاح وتستمر به المصارف التي لم تبلغ حد الـ 25 في المئة من ودائعها بالليرة، وفي حال توافرت الضمانات المطلوبة من المقترض والشروط المحددة لذلك، بما يضمن مصلحة الطرفين.

وتقوم البنوك بتحويل أموال العملاء إلى العملة المحلية، وتُودع الدولارات لدى المصرف المركزي، الذي يجري بدوره عمليات معقدة ليعطي البنوك في وقت لاحق عائدات أكثر جاذبية. وبلغت الأصول الأجنبية للمصرف المركزي، باستثناء الذهب، 44.4 مليار دولار في نهاية تموز الماضي، متعافية مما فقدته دفاعا عن الليرة. وارتفعت تكلفة الاقتراض للبنانيين العاديين أيضا منذ بدأ المركزي، الذي يقلقه حجم السيولة بالليرة في السوق، في تشرين الثاني الماضي في التخلي عن برامج الحوافز والدعم، التي استخدمها لسنوات بهدف دعم الإقراض المصرفي للإسكان وقطاعات اقتصادية أخرى.

 

مخاطر ارتفاع الفوائد

شهدت السوق المصرفية اللبنانية مؤخرا شحا في توافر السيولة بالليرة، الأمر الذي رفع أسعار فائدة الانتربنك الى 15 في المئة صعودا من 2.75 في المئة. وقد وجدت المصارف نفسها غير قادرة على تلبية حاجاتها من العملة الوطنية لأسباب متعددة. ومع تسارع ارتفاع أسعار الفوائد، بدأت الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً بسبب التأثير السلبي للفوائد العالية على الإقتصاد والإستثمار. وفي اللقاء الشهري الأخير بين جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، برّر الحاكم هذا الارتفاع في الفوائد على الودائع بأنه يوازي مردود سندات الخزينة بالدولار (يوروبوندز) البالغ 9 في المئة، وتضاف إليه كلفة التأمين على الدين اللبناني البالغة 6 في المئة، أي ما مجموعه 15 في المئة… كل هذا يعني أن الفوائد على القروض ارتفعت بدورها إلى مستويات عالية. على سبيل المثال، لا تقل معدلات الفوائد على القروض الشخصية بالليرة عن 15 في المئة، وقروض السيارات الجديدة بالدولار لا تقل عن 6 في المئة، والفائدة على التسهيلات المصرفية للشركات بالدولار لا تقل عن 9 في المئة.

مصدر في المركزي أكد لـ«المسيرة» سعي مصرف لبنان الى تمرير هذه الفترة بالمحافظة على استقرار أسعار الفائدة، لأن في ذلك مكسباً للإقتصاد اللبناني. لكنه أشار إلى أنه كلما زادت المخاطر في لبنان سياسيا أو إقتصاديا، كلما زاد الضغط على أسعار الفوائد، وهذا ما هو حاصل حالياً. ويضيف أن الحاكم رياض سلامه يسعى للمحافظة على أسعار الفائدة لأن أسعارها مرتبطة بأسعار سندات الخزينة. وفي حال ارتفعت أسعار الفائدة على سندات الخزينة في ظل حاجة الدولة الى التمويل، سينعكس ذلك حكماً على مستوى أسعار الفوائد في الأسواق ومن ضمنها القروض المدعومة.

في ضوء هذه المعطيات المتداولة، تروّج بعض التحليلات لقرب حصول «الأسوأ» بالاستناد إلى أسباب ارتفاع أسعار الفوائد وأثرها المالي والاقتصادي والإجتماعي، وارتباطها بالفوائد العالمية والعوامل المحلية. ويعلق المصدر على ذلك بالقول إنه بالإضافة إلى العوامل الخارجية هناك عوامل أخرى متصلة بالأخطار السيادية للبنان بعد ارتفاع الأخطار السياسية والأمنية محلياً وإقليمياً، الأمر الذي كان له أثره الواضح على ارتفاع أسعار الفوائد المحلية، إضافة إلى سياسة مصرف لبنان النقدية والمالية. علاوة على ذلك يقول مخايل إن ارتفاع أسعار الفوائد عالميا وتحديدا في الولايات المتحدة بمعدل نقطتين وكذلك في الأسواق الناشئة ومنها تركيا مثلا، جعل لبنان مجبرا على رفع الفوائد بالنسبة عينها على الأقل.

في المقابل، لطالما كانت إحدى نقاط القوة التي يتمتّع بها الإقتصاد اللبناني في السنوات الماضية، القدرة على تحديد أسعار فوائد متدنية نسبيا، تماهياً مع تصنيفه الائتماني. لكن منذ نحو سنة ونصف السنة، بدأت أسعار الفوائد في لبنان ترتفع في شكل متسارع. فما هي النتائج المتوقعة في المرحلة المقبلة جراء ارتفاع بنية أسعار الفوائد في لبنان؟

جوابا عن هذا السؤال يرى الإقتصاديون أن ارتفاع سعر الفائدة ينعكس على كل السوق لأنه سيؤدّي الى ارتفاع في نسبة التضخّم الذي من شأنه أن يأكل من الانتاج. وعندها تصبح أسعار العملة وهمية، مع ما لهذا العامل من انعكاسات اجتماعية سلبية على الرواتب واحتياجات اللبنانيين. ويؤكدون أن ما توحي به المؤشرات القائمة حاليا، هو أن أسعار الفوائد قد تكون مرشحة للارتفاع أكثر في الفترة المقبلة، خصوصا اذا تأخر تشكيل الحكومة الجديدة. في هذه الحال، ستصبح الفوائد هي الوسيلة الأقل كلفة والمتاحة لتحاشي الاسوأ. لكن ارتفاع الفوائد، وإن حمى الاقتصاد من الانهيار، إلا أنه يقدم فاتورة عالية سيضطر اللبنانيون الى تسديدها، ومن ضمنها على سبيل المثال، ارتفاع سريع في كلفة الدين العام. فكل 100 نقطة إضافية في سعر الفائدة، تزيد كلفة خدمة الدين بمقدار 820 مليون دولار سنويا. كذلك ستتراجع المشاريع الاستثمارية بوتيرة أسرع، لأن إيداع الأموال في البنوك يصبح مجدياً أكثر من حيث الأرباح. كما أن القروض المدعومة محلياً ستتعثّر. لكن ذلك لن يمنع استمرار تدفق القروض المدعومة من الخارج.

في المحصّلة، وعلى رغم ترحيبه بالجهود التي يبذلها مصرف لبنان للحفاظ على تدفقات الودائع في مواجهة ضغوط عديدة على البلاد، قال صندوق النقد الدولي إن دين لبنان «لا يمكن استمراره، وهناك حاجة ملحة لإصلاح مالي كبير». لافتا إلى أن لبنان، وهو ثالث أكثر الدول مديونية في العالم، يحتاج إلى إصلاح مالي عاجل لمساعدة الاقتصاد وتقليص الاعتماد على عمليات البنك المركزي، التي يصفها الصندوق بأنها غير تقليدية. والرسالة الأساسية من كل المرجعيات الإقتصادية مفادها أن كل الإصلاحات تبدأ أولا وحكما بالإصلاح السياسي والإداري ووقف الهدر والفساد… وهو ما لم يبدأ به لبنان بعد، على رغم المخاطر وسوء المؤشرات!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل