
كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1683
كان من المفترض أن تكون هذه الحكومة حكومة العهد الأولى لاعتبارات أرادها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. هذا صحيح من الناحية النظرية ولكن عمليًا هي حكومة العهد الثانية لأن تاريخ العهد بدأ في 31 تشرين الأول 2016 ولم يبدأ في 7 أيار بعد الإنتخابات النيابية ولا بعد تشكيل هذه الحكومة ولأن الحكومة الأولى التي تشكلت سريعا بعد إنهاء الفراغ في قصر بعبدا انطلقت بقوة أكبر وبدفع أكبر قبل أن تبدأ مرحلة التراجع، ولأن هذه الحكومة ستنطلق من المستوى الذي بلغته التي سبقتها وهو أدنى بكثير مما كان عليه بعد إعلان تشكيلها.
في 18 كانون الأول 2016 تم الإعلان من قصر بعبدا عن تأليف الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس سعد الحريري. لم يكن مضى على انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية إلا 47 يومًا وعلى تسمية الحريري إلا 44 يومًا بأكثرية 112 نائبًا من أصل 126 نائبًا. في 3 تشرين الثاني 2016 بعد ثلاثة أيام على انتخاب عون ويومين من الإستشارات تمت تسمية الحريري. ذلك الزخم في عملية التشكيل انطلق من زخم عملية الإنتخاب في ما أُطلق عليه اصطلاحا “التسوية الرئاسية”.
ذلك الزخم كانت أساساته مبنية أولا على تفاهم معراب الذي فتح الطريق أمام انتخاب عون ثم على تأييد الرئيس سعد الحريري لهذا الخيار الذي كان مستندًا أيضًا على تمسك “حزب الله” به مرشحًا أولاً لرئاسة الجمهورية في ظل اعتراض الرئيس بري وتحفظ رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط والوزير السابق سليمان فرنجية وحزب الكتائب. كان واضحًا أن قوة الإنتخاب ستترجم سرعة في تشكيل الحكومة. وكان واضحًا أن تلك الحكومة ستكون بداية جيدة للعهد وللرئاسة ولاستعادة دور المؤسسات وهي كانت كذلك بالفعل. فقد انطلقت تحت عنوان أنها حكومة استعادة الثقة وتمكنت في المرحلة الأولى من إنجاز الكثير من الملفات واتخاذ العديد من القرارات التي كانت مؤجلة وصولاً إلى قانون الإنتخابات الذي كان يجب أن ينهي عملية التمديد للمجلس النيابي وأن يؤسس لمجلس جديد يستكمل عملية التجديد في دم السلطة بعد رئاستي الجمهورية والحكومة.
عندما تشكلت تلك الحكومة لم يعترف العهد بأبوته لها. اعتبر أنها ليست ربما الحكومة التي يريدها ويراهن عليها لكي يعلن أنه بدأ، بل أكد أن حكومته الأولى ستكون بعد الإنتخابات النيابية التي كان تم تحديد موعدها في 6 أيار 2018. كانت المرحلة طويلة بين بداية العهد وإجراء الإنتخابات ولكن هذا الأمر لم يكن حائلاً دون الرهان على بداية ثانية واستثنائية استنادًا على ما يمكن أن يحققه في المرحلة الأولى من إنجازات، ولكن في النتيجة حصل ما لم يكن في الحسبان.
على رغم أن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل كان وقّع على تفاهم معراب في شقه السياسي، إلا أن “القوات اللبنانية” لم تحصل في تلك الحكومة إلا على ثلاثة حقائب مع وزير حليف. ولم يكن من الوارد أن توافق “القوات” على مجاراة باسيل في كل سياساته على رغم الموافقة على ذلك التمثيل داخل الحكومة من دون التطرق إلى وجود ذلك الإتفاق. وإذ عملت على أن يبقى العهد منطلقاً بزخم لم تكن لتوافق على العديد من سياسات الوزير باسيل ومواقفه ومواقف وزراء التيار، خصوصًا ما تعلق منها بصفقة البواخر وغيرها من القضايا التي شكلت نقاط ضعف في قوة العهد وأثرت عليه سلبًا. وفي المقابل كانت “القوات” تظهر للرأي العام حقيقة ما يفعله وزراؤها داخل الحكومة وفي وزاراتهم الأمر الذي انعكس إيجابًا عليها وعلى حضورها المعنوي والسياسي والتمثيلي.
الرهان على حكومة العهد الأولى نظريًا كان ينطلق من الرهان على قلب المقاييس في الإنتخابات النيابية من خلال التمكن من الحصول على كتلة نيابية كبيرة خاصة بباسيل والتيار وحلفاء العهد المفترضين مقابل ألا تتمكن “القوات” من الحصول إلا على كتلة نيابية متواضعة لا تتجاوز في المطلق عدد النواب الثمانية الذين كانوا يمثلونها في مجلس 2009. وتحقيق ذلك الرهان كان يفترض التخلص من تفاهم معراب ومندرجاته التطبيقية، وبالتالي الحصول على تمثيل وازنا داخل مجلس الوزراء بما يتعدى الثلث المعطل، وبالتالي احتكار التمثيل المسيحي بنسبة كبيرة بما يتيح لاحقاً القول إن هذه الحكومة هي حكومة العهد الأولى، وقد ظهرت هذه الأهداف في مواقف باسيل من تشكيل هذه الحكومة، ولكن الحسابات أيضًا لم تكن على قدر الآمال نتيجة حصول «القوات اللبنانية» على 15 نائبًا، الأمر الذي عاكس التوقعات وقلب المقاييس، ولذلك وبدل السعي إلى أن تكون هذه الحكومة فعلاً حكومة العهد الأولى من خلال البناء على تفاهم معراب بحيث تكون قوة «القوات» مضافة إلى قوة العهد لتعطيه المزيد من القوة، تم العمل على إقصاء القوات وتحجيم تمثيلها وكأن المعركة هي ضد «القوات» وليست معركة انطلاقة جديدة للعهد.
إذا كانت حكومة العهد الأولى عمليًا قد انطلقت من مفاعيل التوافق على انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية، فإن آلية تشكيل الحكومة الثانية ترافقت مع ظروف مختلفة تمامًا. فقد دخل باسيل معركة التأليف وتحديد المعايير من خلال شن جملة من الحروب المجتمعة. من نبش ظروف حرب الجبل مع الحزب التقدمي الإشتراكي والوزير وليد جنبلاط ومحاولة الدخول إلى قلب الطائفة الدرزية من خلال فرض توزير النائب طلال إرسلان، إلى شن معركة على الرئيس نبيه بري، واستكمال الحرب على الوزير سليمان فرنجية وتيار “المردة”، إلى نبش الأحقاد ضد “القوات اللبنانية” إلى حد مهاجمتها في ذكرى هزيمة 13 تشرين مقابل التجاهل الكلي للنظام السوري، وصولاً إلى الإختلاف مع الرئيس المكلف سعد الحريري بعد محاولة البناء على أزمة استقالته في 4 تشرين الثاني 2017 من دون نسيان الجراح التي أصابت علاقته مع “حزب الله” في الإنتخابات النيابية.
انطلاقًا من هذه المقارنة بين ظروف ولادة حكومة العهد الأولى وحكومة العهد الثانية، يمكن القول إن الأولى كانت منطلقة بقوة أكبر وبآمال أكبر وبرهانات أكبر على أنها يمكن أن تكون حكومة استعادة الثقة. ولكن على رغم ذلك لم تتمكن من استعادة هذه الثقة بسبب محاولات الإنقلاب على التسوية الرئاسية التي تبقى كلاً متكاملاً لا يمكن تجزئته تماما كما كان تفاهم معراب كلاً متكاملاً لا يمكن اختيار ما يناسب منه فقط. بينما الحكومة الجديدة تنطلق من سلسلة أزمات توالدت ليس أقلها أزمة التأليف التي استمرت منذ التكليف السريع بعد انتخابات 6 أيار وهي تعكس أزمات علاقة الوزير باسيل مع أكثر من طرف سيشارك في الحكومة.
في ظل هذه الظروف كيف ستحكم هذه الحكومة وماذا ستنتج وهل ستتمكن من إعادة طرح مسألة استعادة الثقة؟ وبالتالي هل سيتمكن العهد من إعادة تثبيت دورها لكي تكون فعلاً حكومة العهد الأولى؟ وهل يمكن أن يبحث الوزير جبران باسيل عن بداية جديدة للعهد باعتباره رئيس تكتل العهد القوي بعد استهلاك عامين من عمر العهد من دون طائل؟ وهل هكذا تتم المحافظة على قوة “العهد القوي”؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
