
نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1683
السؤال الأساس الذي طرح بقوة في الأيام الأخيرة يتمحور حول الآتي: ماذا عدا مما بدا لينقلب مشهد التأليف فجأة من الفراغ المفتوح إلى التشكيل المحتوم؟ الانطباع الغالب لدى شريحة لبنانية وازنة ان الانفراج الحكومي مرده إلى كلمة سر خارجية، وأنه لا يوجد ما يفسر هذا التحول سوى أن الخارج اتخذ قرار الإفراج عن الحكومة.
وانطباع الناس يميل باستمرار إلى تحميل المسؤولية للخارج ونسب كل مشاكل لبنان إلى الخارج، وهذا الأمر غير دقيق لسببين أقله: لأن تدخل الخارج بشؤون البلد يتم بواسطة قوى محلية تُبدّي الأولوية الخارجية على المحلية، ولأن الخارج منشغل في هذه المرحلة بمشاكله ولا يعتبر ان هناك موجباً للتدخل في التفاصيل اللبنانية.
فمشكلة الفراغ الحكومي كما الرئاسي قبلها هي من طبيعة محلية، والفراغ الأخير شكل فرصة من أجل إظهار قدرة لبنان على معالجة مشاكله بنفسه، ولكن هذه الفرصة تم تفويتها لاعتبارات مختلفة، والاندفاعة نحو التأليف حصلت نتيجة تدافع وتقاطع عوامل عدة:
ـ العامل الأول والأساسي اقتصادي بامتياز في ظل تقارير دولية ومحلية تتحدث بالأرقام عن دقة الوضع الاقتصادي والذي في حال استمرار الفراغ يخشى جدياً من انهيارات مفاجئة وكبرى، وكلام البعض عن تخويف متعمّد ينم عن مكابرة، سيما ان هذا البعض تخوّف من ان يضطر للسير في المبادرة التي أطلقها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع لجهة تفعيل حكومة تصريف الأعمال في حال استمر الفراغ من خلال الاتفاق على جدول أعمال محدد يؤدي بته وإقراره إلى ضخ كمية من الأموال في شرايين الاقتصاد كفيلة بإعادة وضع الأمور على السكة الصحيحة.
فالتحدي الاقتصادي هو العامل الأبرز وراء التشكيل، وتجنباً للسير في مبادرة جعجع وإظهاره بالمنقذ تم تسريع وتيرة التأليف على قاعدة التوازن في التنازلات، ولكن ان تتهم “القوات” بالتخويف الاقتصادي فهذا قمة التضليل السياسي لسببين: لأن جميع المسؤولين على بيّنة وبالأرقام من حقيقة الوضع، ولأن البطريرك الماروني بشارة الراعي كان نقل عن رئيس الجمهورية ميشال عون تخوفه الكبير على الوضع الاقتصادي قبل ان يطلب من البطريرك توضيح كلامه خشية من تداعياته على الأسواق كونه صادر عن أعلى مرجعية رسمية، فيما كل ما فعلته “القوات” هو رفضها ان تكون شاهد زور على انهيار البلد فبادرت انطلاقاً من حسها الوطني بتخيير الجميع بين التأليف السريع أو عقد اجتماع الضرورة للحكومة على غرار تشريع الضرورة، فسرِّعت مسارات التأليف، وبالتالي بين دقة الوضع الاقتصادي الذي لم يعد يحتمل المزيد من المناورات والتسويف، وبين مبادرة جعجع الإنقاذية، تم الإفراج عن الحكومة.
ـ العامل الثاني فرنسي بامتياز حيث شكل اللقاء بين الرئيسين ماكرون وعون بحضور الوزير جبران باسيل محطة حاسمة على طريق التشكيل في ظل تلويح باريس برفع الغطاء عن لبنان وسحب رعايتها لمؤتمر “سيدر” وترك اللبنانيين يتدبرون أمرهم، خصوصاً ان العقد التي تعرقل تأليف حكومة، بالنسبة إلى باريس، هي عقد محلية ويمكن حلها بتنازلات متبادلة. ولا شك ان التلويح الفرنسي قد فعل فعله.
ـ العامل الثالث تلويح “حزب الله” بالخروج عن صمته، وقد أبلغ السيد حسن نصرالله الوزير باسيل ان لا مبرر لاستمرار الفراغ، وان الحزب لم يعد بمقدوره السكوت وغض النظر عن الواقع الحالي.
ـ العامل الرابع فشل كل محاولات تقليص حجم “القوات” أو إخراجها من الحكومة أو الحصول على الثلث المعطل، وبالتالي الرهان على الوقت لفرض توازنات جديدة لم يكن في محله، وهذا الوضع كان يمكن ان يستمر على هذا المنوال طويلا، سيما ان كل محاولات فصل الرئيس المكلف سعد الحريري عن الدكتور سمير جعجع باءت بالفشل.
وحيال كل ما تقدّم من عوامل انقلب المشهد رأساً على عقب، وما كان مستحيلا أو متعذراً أصبح ممكناً، والتنازل الذي كان مرفوضاً بات مقبولا، وهكذا دواليك، فيما لو طبِّقت قاعدة التوازن في التنازلات او الالتقاء في منتصف الطريق لكانت تشكلت الحكومة في الأسابيع الأولى على التكليف، فضلا عن ان حراجة الوضع ودقته على أكثر من مستوى تتطلب حكومة فعالة وقادرة، ما يعني حكومة تمثيلية ومتوازنة، لأن خلاف ذلك سيبقى الوضع في حال انزلاق مريب ومن دون كوابح.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]