“المسيرة” – “شوية تقدير” ترمّم علاقة الشباب بالخالق

كتبت كريستين الصليبي في مجلة “المسيرة” – العدد 1683:

ما أهمية الكنيسة إذا فرغت من المؤمنين والمصلّين؟ ما أهمية الإحتفال بالقداديس إن لم يشارك فيها الناس؟ ما أهمية حياتنا من دون وجود الله فيها؟ يا للأسف، هذا ما بتنا نلمسه اليوم وسط الهموم الإقتصادية والحياتية اليومية التي تُغرق اللبنانيين يوماً بعد يوم فتُبعدهم عن الكنيسة وتهدم علاقتهم بالخالق.تضيق فسحة الأمل بالشباب اللبناني فيسيطر عليهم اليأس وتخذلهم محاولاتهم البائسة في إيجاد عمل.من هنا يقدم بعضهم على الإنتحار من دون تردد أو خوف، وقد ارتفعت نسبة هؤلاء مؤخراً.فيما يلجأ آخرون لتعاطي المخدرات أو ترويجها أو حتى العمل بما هو منافٍ للأخلاق بحثاً عن جني المال.كل ذلك يؤدّي إلى تخلّي الناس عن يسوع بسبب عدم تقديرهم لذاتهم ولأهميتهم بالنسبة للخالق، كما يؤدّي إلى خلق نوع من الشكّ لدى البشر سائلين “أين هو الله من كل هذه المشاكل التي نعيشها؟”.لكن “شوية تقدير” لذواتنا قد تكون أكثر من كافية لإعادة بثّ الفرح العميق في قلوبنا وخلق أمل جديد بالحياة والتأكيد أن الإرادة والتصميم وطاقة الإبداع أقوى بكثير من أي ظرف صعب قد يعصف بنا.هذا هو هدف الحركة الشبابية المعاصرة التي أطلقها الأب أنطوني كريم مع مجموعة من الشباب الذين قرروا تقوية وإعادة تحفيز علاقة الناس بالله لكن بطريقة جديدة ومختلفة عن كل ما هو تقليدي.فماذا عنها؟ كيف ولماذا انطلقت نشطاتها؟

على أحد شواطئ منطقة العقيبة كان اللقاء، وفور نزولك الدرج نحو مكان الإحتفال تطالعك لافتة كُتب عليها: “أهلاً وسهلاً يا كبير، يا مهم، يا إكسبنسيف (expensive)، يا حلو”.تتساءل “هل هنا فعلاً سيُقام النشاط الديني؟”، “هل ما هو مكتوب على اللافتة صحيح؟”.

ما أن تطأ قدماك رمال الشاطئ حتى تسمع صوتاً يقول: “أهلا وسهلا فيك، نعم هنا سنقيم نشاطنا”.إنّه الأب أنطوني كريم، مؤسس حركة “شوية تقدير”، الذي يرحب بكل شخص آت للمشاركة بنشاط “بتشك”.

يؤكد الأب كريم لمجلة “المسيرة” أنّ “الحركة أتت نتيجة نقص لدى اللبنانيين؛ بعد أن قمت، مع بعض الشباب، بأبحاث علمية وقراءة الكتب وإختبارات لناس ولقاء أشخاص ناجحين في العالم، تبيّن لي أن الناس يعانون من نقص في مكان ما.هم غير مدركين لأهميتهم بالنسبة لله، وأنهم يتمتعون بقيمة كبيرة ويستأهلون العيش بفرح وسلام، وفيهم من البركة ما يكفي”.

إكتشف الأب كريم مع الوقت “أنّه لا يجب إخبار الناس كيفية الإبتعاد عن الخطيئة والتقرّب من الله، إنما يجب إقامة نشاطات تشبههم وتجذبهم فنعرّفهم من خلالها على الله، وعلى أهمية نسج علاقة معه”.

من هنا كان إنطلاق عمل “شوية تقدير”، وهي حركة رسولية ابتعد فيها أعضاؤها عن كل ما هو تقليدي، “ليس لأن التقليدي لا ينفع إنما لأنه لا يعمل في أيامنا هذه، لذا كان القرار باستعمال وسائل حديثة”.

تُعتبر وسائل التواصل الإجتماعي من أهم الطرق لإيصال رسالة ما إلى الناس، إذ نمضي معظم يومنا نقلّب بين مختلف الحسابات لنتتبع أهم الأخبار وأحدث الأمور.من هذا المنطلق إختار أعضاء “شوية تقدير” مختلف وسائل التواصل الإجتماعي لإيصال رسالتهم وأفكارهم، رأوا ما هو نافع بهذه الوسائل في الوقت الذي يعتبرها الناس مصدر إلهاء وتسلية وشيء عاطل.إذاً تنظر “شوية تقدير” إلى المنفعة من كل شيء في الحياة، ويستفيدون مما هو إيجابي لعملهم.

يلفت الأب كريم: “التحضير لإطلاق الحركة أخذ حوالى السنتين ونصف، إذ بدأ الأعضاء بعرض ونشر صور وفيديوهات عبر صفحاتهم الخاصة.ومنذ ستة أشهر خلقوا الحساب الرسمي للحركة والذي جذب للآن حوالى 8000 شخص يتجاوبون معنا ويعلّقون إيجابياً على نشاطاتنا”.

على رغم أنّ أوّل نشاط نظّمته الحركة لم يجذب عددا كبيراً من المشاركين، لأنها لم تكن بعد معروفة، إلّا أنّ “شوية تقدير” لم تستسلم أبداً بل أكملت المسيرة ونظّمت نشاطاً آخر كان عدد الحضور فيه لافتاً ومفاجئاً.

يقول الأب كريم: “صدمني تجاوب الناس معي في النشاطات اللاحقة، إذ في النشاط الثاني استضفنا حوالى 200 شخص، أما في المخيم الذي أقيم في عيون أرغش فقد استقبلنا 85 شخصا، واليوم نتوقع حضور الكثير من الناس في هذا النشاط الذي أطلقنا عليه عنوان “بتشك”.

لماذا اختيار هكذا عنوان؟ ولماذ يُقام على الشاطئ؟ يجيب الأب كريم: “العنوان أتى من خلفية الشك لدى الناس، كل شخص منا يشكّ بنفسه أو بالآخرين أو حتى بالله، وللمناسبة أطلقت الحركة فيديو تسأل فيها الناس “هل تشكّ؟”.أما الشاطئ فاختياره أتى مشابهاً لفعل الشك في البحر، ولأننا في فصل الصيف حالياً والناس يحبون حفلات الشاطئ (beach party)”.

وأضاف: “بنظرنا ما من مكان عاطل أو إنسان عاطل، الناس يرون العاطل في الأشياء التي تحيطهم، أما نحن فنرى ما هو خير ومفيد في كل شيء.والشاطئ هو جميل ومفيد للسباحة وتنقية الذهن”.

اللافت أن المشاركين أتوا من مختلف المناطق اللبنانية وتختار الحركة لكل نشاط منطقة مختلفة عن السابقة بهدف إشراك سكان المناطق بالنشاطات.

الإيمان، بالنسبة للأب كريم، “يأتي نتيجة حتمية لنوعية الحياة التي يتبعها الأشخاص؛ لذا نحن نساعد الشباب اللبناني على أن يحب ويثق بنفسه وألّا يتأثر بما يحصل حوله.إذا وصلنا لهدفنا هذا بالطبع سنقلب معادلة الإيمان لدى الشباب وسيحبون الله وسيقوى إيمانهم”.

أما شعار الحركة فيشرحه العضو المؤسس ماريو مسعود قائلاً: “يعتمد الشعار على العينين الكبيرتين لرؤية الجمال، واليد المرفوعة لفوق لتدلّنا على الوجود، أي الله، والبسمة لنفرح بكل شيء.إضافة إلى كلمة تقدير وكلمة “شوي” لأن يسوع عمل بالقليل وكل منا لديه هذا القليل ليقوم بالأعمال الحسنة”.

ويشير مسعود إلى أن “الحركة انطلقت من خلال إقامتنا لأعمال بسيطة نساعد فيها المحتاجين، مثل تنظيف بيوت المسنين، تقديم بعض المساعدات للفقراء، دعم المرضى معنوياً.من هنا بدأنا مسيرة جديدة أقرب إلى الله وأعمال يسوع، وقد استطعنا من خلالها جذب الكثير من الناس.من شيء بسيط جدّاً أخرجنا ما هو مهمّ لمجتمعنا”.

– مارك بجّاني:

لطالما كان الشاب مارك بجاني عضوا في فرقة فرسان الكنيسة وفي الكشافة، لكنه مع الوقت ابتعد قليلاً عن الكنيسة والصلوات ليعود لاحقاً إلى بناء علاقة متينة مع الله من خلال حركة “شوية تقدير”.

يخبر مارك: “لم نفكر يوماً أن الناس لن يتجاوبوا معنا لا بل نحن نعمل بإيجابية كبيرة وعلى يقين بأن عدد المشتركين معنا سيزداد يوماً بعد يوم.نحن نؤمن بأننا لسنا وحدنا بل إن الروح القدس يعمل معنا، وقد لمسنا ذلك من خلال أشخاص غيروا مسار حياتهم بالعمل معنا”.

أكثر ما جذب مارك لنشاطات الحركة “الأفكار القريبة منا والتي تشبهنا إلى حدّ بعيد، هذا ما يحتاجه اللبنانيون اليوم أن يتقرّبوا من الله بطريقة عصرية”.

– هبة أبو صعب:

عاشت هبة أبو صعب سنتين من الجفاف الروحي ابتعدت خلالهما عن الكنيسة وما عادت تصلّي كثيراً.“عندما أنظر اليوم إلى تلك المرحلة أجدها الأصعب في حياتي” بحسب تعبيرها، وتضيف: “جذبتني طريقة عمل أعضاء حركة “شوية تقدير” وأفكارهم القريبة منا جدّاً، أحب كيف يحاولون تقريب الناس من الله.أشارك في جميع نشاطاتهم وبدأت حالياً أعمل معهم على تنظيمها”.

منذ أوّل نشاط دعت هبة أصدقاءها للمشاركة فما كان منهم إلّا أن لبّوا النداء فأصبحوا ملتزمين بالحركة.وتلفت: “من لا يلتزم بالصلاة لن يشعر بالجفاف الروحي، أما من هو ملتزم فسيخاف من الوقوع بسهولة في الخطيئة مجدداً”.

– أنطوني نحّول:

تضمن النشاط قراءة إنجيلية لكن بطريقة مختلفة، وعرض رقص، إضافة إلى الاستمتاع بالموسيقى الراقصة.وقد تخلله شهادة حياة لأنطوني نحّول، شاب على رغم خسارته لأطرافه الأربعة منذ ولادته، أبى الإستسلام لصعوبات الحياة ليثبت أنه قادر على العيش كأي شخص آخر طبيعي من دون حاجته الى يدين ورجلين.

أتت مشاركة أنطوني في نشاط “بتشك” لتذكّر بقدرة الشباب على “استطاعتهم التغلّب على كل أوضاعهم وظروفهم لينالوا شهادة جامعية ويباشروا بالعمل”، كما قال.

وأضاف: “الصعوبات التي تواجهونها بالحياة هي التي تجعل منكم ما أنتم عليه اليوم.عندما يضعنا الله في وسط الصعوبات كونوا على يقين أنّه يعلم أن كلاً منا قادر على مواجهة وتحمّل وتخطي هذه الصعوبات، هو فقط يمتحن صبرنا وإيماننا به”.

يعيش أنطوني حياته اليومية بشكل طبيعي جدّاً، إذ يقود سيارته بنفسه متوجّهاً إلى عمله، ويخرج مع أصدقائه للسهر والتسلية.حديثه عن تفاصيل حياته اليومية أعاد الحلم لكل شاب يحبطه واقع البلد وأعطى أملاً لغد أفضل؛ “تعاملي مع وضعي الخاص جعلني أثبت نفسي في عالم مليء بالتحديات، وما يراه الباقون صعوبات أراه نعمة من الله تكفيني لمواجهة كل ما أمرّ به”.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل