“المسيرة” – تركيب العدادات من الحل الى المشكلة

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1683

بدأت مسألة تركيب العدادات للمولدات الكهربائية الخاصة لكي تكون حلّا، فتحوّلت إلى مشكلة، بل ولّادة مشاكل، منها بين أصحاب المولدات والوزارات المعنية، ومنها بينهم وبين المشتركين. تساءل أحد المواطنين الذين التقتهم «المسيرة» لاستيضاح رأيهم بالأمر: «هل تنقص اللبنانيين مشاكل لتضاف إليها أخرى؟ وهل قدرهم أنهم حيث يتفاءلون بالخير يجدون الأزمات؟ تجلت هذه المشاكل التي يشكو منها المواطنون على مستويات عدة، حيث تبين بعد المفاوضات أن الوزارات المعنية رضخت لتهديدات أصحاب المولدات فرفعت التسعيرة ما جعل فرق الفاتورة قليلا ولا يفي بالغرض من المشروع، خصوصا أن هناك تكاليف لم تكن مرتقبة أضيفت إلى ما سيتكبده المشترك. يضاف إلى ذلك أن ثمّة من فضّل عدم الإشتراك أصلا، إذ تبين لديه أن المبلغ المقطوع بحسب ساعات التقنين وسعر الكيلووات، سيكون أوفر من تسعيرة العداد، فوقّع على إقراره بالقبول بعدم  تركيب عداد. وبعد حوالى 3 أسابيع على انتهاء المهلة المحددة من قبل وزارة الإقتصاد، هناك من لم يحسم أمره بعد، ولم تُتّخذ في حقه أية إجراءات…

بات معلوما أن قرار تركيب العدادات صادر منذ سنوات ولم ينفَّذ، وأن وزير الإقتصاد في حكومة تصريف الأعمال رائد خوري أصدر في تموز الماضي بلاغًا (رقم 4/1/ أ.ت) يقضي بإلزامية تركيب عدادات لدى المشتركين بالمولدات الخاصة ومراقبة التسعيرة التوجيهية لتلك المولدات. هذا البلاغ أطلق فور صدوره موجة من السجال العالي النبرة بين أصحاب المولدات الخاصة ووزارات: الإقتصاد والتجارة، والطاقة والمياه، والداخلية، كل بحسب اختصاصها. وكذلك بين هذه الوزارات قبل أن تعلن التعاون لتنفيذ القرار، ولكن عندما بات القرار مقبولا من المعترضين ولا خلاف على تطبيقه.

على ضوء ذلك، كيف هي صورة الواقع اليوم؟

الشكوى صوت الجميع

تُبين جولة ميدانية على أكثر من منطقة لبنانية، ألّا وضع موحدًا يسود هذه المناطق. فمنها ما انتهى فيها تركيب العدادات، ومنها ما يتم حاليًا، وأخرى اتفق فيها فريقا الإنتاج والإستهلاك على إبقاء الوضع كما هو، وصولًا إلى مناطق لم تشهد بعد أي إجراء، وكأن الجميع فيها لم يسمع بالقرار، أو أنه يتصرف على هذا الأساس.

اللافت في الأمر، أن الجميع يبادر إلى الشكوى، ما يشي بأن خللًا ما يشوب المسألة برمّتها. أصحاب المولدات يشكون من محاولات «قطع أعناقهم» من قطع الأرزاق، واصفين القرار بأنه جائر ويسلبهم أرباحهم، فبأي دافع يواصلون إذن تشغيل القطاع؟ والمواطنون يشكون من المدفوعات التي تترتّب عليهم عند كل خطوة، بغض النظر عمّن قام بها أو الغاية المتوخاة من جرائها. وهم بدورهم يتساءلون عن التوفير الذي وُعِدوا به بنتيجة تركيب العدادات وماذا بقي منه بعد رضوخ الوزارة والقبول برفع تسعيرة الكيلووات، وتحميل المواطن بدل التأمين وكلفة التمديدات، وغيرها من أبواب الدفع.

المواطنون يعتبرون أن الفاتورة مع العداد والتسعيرة العالية، باتت تساوي تقريبا المبلغ المقطوع السابق. وبدل أن تدعو الوزارة أصحاب المولدات الخاصة إلى التعاون مع المشتركين ما دام أساس القرار التخفيف عن كواهلهم، دعت المواطنين إلى «التعاون التام مع أصحاب المولدات وتأمين العدادات في حال ارتأوا ذلك، وكذلك تأمين مكان مخصص لتركيب العدادات في الأقسام المشتركة للمبنى، حيث يمكن لصاحب المولد أن يصل إليه في أي وقت». وأشار بلاغ وزارة الإقتصاد إلى «أن كلفة تركيب العداد تقع على عاتق صاحب المولد». لكن عند التركيب تبين أن التفافا ما حصل وبات على المواطن تقريبًا دفع كل التكاليف المترتبة عن هذا القرار.

بدورهم أصحاب المولدات الخاصة يرفعون الشكوى معتبرين أن الإجراءات تستهدفهم دائما وكأنهم سبب لمشكلة، في حين أنهم عامل حل لمشكلة قصّرت الدولة عن حلها، وهي تأتي اليوم لتحميل أصحاب المولدات الخاصة تبعاتها. نحن استثمرنا في هذا القطاع ولم نسطُ على ما ليس لنا، ونوظف فيه آلاف العائلات ونؤمن حاجات المواطنين من جهة ودورة الإنتاج من جهة ثانية. وتساءلوا: تخيلوا كيف كان الوضع لو لم نطوّر هذا القطاع؟ نحن متهمون دائما من الوزارات المختصة التي تلكأت عن تأمين الكهرباء للمواطنين، كما من المواطنين أنفسهم الذين يستفيدون من خدماتنا، بأننا نتسبب بتلويث البيئة ونسرق الناس. ونحن نقول تخيلوا الوضع قبل تنظيمنا للقطاع، ألم يكن هناك تلويث للبيئة بتشغيل مولد على كل شرفة وتحت كل مبنى؟ وبالتالي ألم تكن كلفة تأمين الكهرباء على المواطنين أعلى مما نستوفيه نحن اليوم، فلماذا إذن الهجوم علينا عند كل منعطف؟

أصحاب المولدات يُقرّون، من غير قصد ربما، بما أكده المواطنون من أن فاتورة المولدات مع العداد ستكون مساوية تقريبا لما كانت في السابق. المواطنون قالوا ذلك انطلاقا من الثقة المفقودة بقرارات السلطات الرسمية التي «آخر همها المواطن». أما أصحاب المولدات الخاصة فيقولون ذلك بهدف التأكيد أن الفاتورة السابقة كانت عادلة وأن اتهامهم بسرقة الناس باطل وغير صحيح. وهم يعتبرون أنه إذا كان الهدف الحقيقي هو تنظيم القطاع، فنحن مع الدولة ولكن ذلك يحتاج إلى دراسات معمّقة، مؤكدين أنهم لن يؤمنوا الكهرباء من دون تعرفة عادلة.

بين التقرير والتنفيذ

وزارة الإقتصاد المعني المباشر بهذه القضية نفى مصدر مسؤول فيها لـ«المسيرة» أن يكون القرار شرّع عمل المولدات الخاصة وأن تكون التسعيرة بقيت على حالها كما يروِّج أو يعتقد البعض. ويضيف: نحن استكملنا وأصررنا على تنفيذ قرار متخذ سابقا، والهدف منه فقط مصلحة المواطنين، وتنظيم القطاع ريثما يكون تم إنجاز المشاريع التي تؤمن الكهرباء 24/24 ساعة للمواطنين والقطاعات المنتجة. وبالسؤال عن رفع التسعيرة يوضح المصدر أنها ابتداء من أول تشرين الأول الحالي هي 343 ليرة عن كل ساعة تقنين عن إشتراك الـ 5 أمبير، و686 ليرة عن كل ساعة تقنين عن إشتراك الـ 10 أمبير، و410 ليرات بدل الكيلووات/ساعة بعد تركيب العدادات. وهذا على سعر 20,023 ألف ليرة لصفيحة المازوت الأخضر، وعلى احتساب ساعات القطع (في أيلول) 317 ساعة. وهي تسعيرة عادلة لطرفي القطاع: أصحاب الموالدات والمواطنون. ولكن ماذا لو زادت ساعات التقنين في الشتاء كما في كل عام؟

أما عن الملحقات التي توجّب على المواطن دفعها عند تركيب العداد، فيوضح أنها لمرة واحدة وكان لا بد منها للوصول إلى حل وسط ينظّم القطاع ولا يظلم أحدا. وأكثر من ذلك في النهاية تُرِك الخيار للمواطنين بين أن يقبلوا بتركيب العداد أو يبقوا على الوضع الحالي في حين أرادوا هم ذلك، وليس رغما عنهم. وهناك مناطق اتفق فيها أصحاب المولدات مع المشتركين وأبقوا الوضع على ما كان عليه من دون تغيير لا تقني ولا مادي. وبسؤاله عن أن هناك مناطق لم يلتزم فيها أصحاب المولدات بعد، تطبيق قرار الوزارة من دون الإتفاق مع مشتركيهم، يجيب أن تنفيذ القرار لا يتم عادة بين ليلة وأخرى والإجراءات العملية تتخذ وقتا، خصوصا أنه عند التنفيذ تبيّن أن هناك بعض العقبات الموضعية والتي نعمل بدأب على تذليلها. والمهم في الأمر أن الجميع سيلتزم بتطبيق القرار في النهاية، وأن الوزارة تتابع الأمر وفرقها تواصل الكشف على الأرض وقد نظمت في الأيام الأولى لتطبيق القرار أكثر من 60 محضر ضبط بالمخالفين.

ودعا أصحاب المولدات إلى «التقيد حصرًا بتسعيرة الكيلوات/ساعة التي تصدر عن وزارة الطاقة والمياه بشكلٍ شهري»، والتي يمكن الاطلاع عليها عبر وسائل الإعلام أو على الموقع الالكتروني لوزارة الطاقة والمياه. مع الإشارة إلى أن هذه التسعيرة تتضمن فقط سعر الكيلوات/ساعة اعتبارًا من الأول من تشرين الأول الحالي.

وفي ما يتعلق باحتمالات تنصّل أصحاب المولدات من مهامهم، كشف المصدر أن الوزارة طالبت جميع المواطنين بالتبليغ عن أي صاحب مولد لم يتقيد بمضمون هذا البلاغ عبر الاتصال على الخط الساخن 1739 أو عبر التطبيق الالكتروني Consumer Protection Lebanon. وأكد أن مديرية حماية المستهلك تتشدد بمراقبة مدى التزام أصحاب المولدات بتركيب عدادات لدى المشتركين، كما أنها تتأكد من التزام صاحب المولد بالتسعيرة الصادرة عن وزارة الطاقة، على أن يصار إلى إحالة محاضر الضبط المنظّمة في حق جميع المخالفين على القضاء المختص ومتابعتها مع وزارة العدل من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في شأنها. ولفت المصدر إلى أن الوزير رائد خوري كان وجّه كتابًا إلى وزارة الداخلية طلب فيه التعميم على البلديات الالتزام بتسعيرات المولدات المحددة من قبل وزارة الطاقة.

من المعامل إلى العدادات

خلاصة ما يقوله الخبراء والمتابعون على هذا الصعيد أنه مهما كانت الإجراءات وحتى لو تم التوفير على المواطنين في الظاهر، تبقى الكلفة عليهم عالية من دون الحصول على قدرة كافية من الكهرباء على مدار الـ 24 ساعة. ويشيرون من زاوية أخرى إلى أن لوزارة الطاقة نظرتها الخاصة لتشغيل قطاع الكهرباء وتطويره، التي رسمتها لنفسها منذ العام 2010، والقائمة على مشروعيّ مقدمي الخدمات وبواخر الطاقة، علمًا أن المشروعين أثبتا فشلهما. ويتساءلون هل بات دور الوزارات المعنية تنظيم الحالة المفترض أنها موقتة، أم تأمين الكهرباء عبر خطة متكاملة تضمن التوفير على المواطن والخزينة العامة في آن، وتأمين الكهرباء بالكامل وليس بالشراكة مع قطاع عشوائي؟

ويشيرون في هذا المجال إلى الإجتماع الأخير بين وزارة الطاقة ووفد شركة سيمنز الألمانية التي تحمل مشروعا متكاملا وحلا جذريا لمعضلة الكهرباء في لبنان. مبدين تخوفهم من أن يصر الفريق السياسي في وزارة الطاقة على الاستمرار بالنهج ذاته، الذي يتضمن على المستوى الإداري عدم تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، ولا السعي لإنشاء الهيئة الناظمة للقطاع. وبالتالي الإبقاء على البواخر والمولدات الخاصة. ويتساءل هؤلاء عمّا إذا كان فتح الطريق أمام سيمنز للعمل في لبنان، سيفضح حجم الهدر الذي يلف المشاريع المنفّذة حاليًا في قطاع الكهرباء وسوء الإدارة والرؤية معا. وهم يرجحون إضاعة الوقت بلقاءات قد تتكرر مستقبلًا، لكنها لن تؤدّي برأيهم إلى أية نتيجة.

وتخلص الآراء إلى استعراض الخطة التي كانت أقرّتها وزارة الطاقة في العام 2010 لتأمين الكهرباء خلال 5 سنوات، وكانت تقضي برفع القدرات الإنتاجية من نحو 1600 ميغاوات إلى 4000 ميغاوات في نهاية 2014، وأكثر من 5000 ميغاوات ما بعد 2015 بكلفة إجمالية قدرت يومها بنحو 4.8 مليارات دولار، ما يجنّب لبنان ارتفاع الخسائر الناجمة عن العجز الكهربائي إلى 9.5 مليارات دولار في العام 2015. فلماذا لم تنفذ هذه الخطة وهل تمخّضت كل تلك الوعود لتلد عدّادا لمولد الحي؟ وهل هكذا يكون الإصلاح؟

– سيمنز: عرض جدّي بانتظار رد جدّي

خلص لقاء وفد شركة سيمنز مع وزير الطاقة سيزار أبي خليل يوم الاثنين 8 تشرين الأول، بالتأكيد على التعاون لوضع نظام طاقة فعّال يؤدي إلى خروج لبنان من أزمة الكهرباء. وتأتي هذه الخلاصة بعد تقديم الوفد عرضًا تقنيًا عن أعمال الشركة في مجال الكهرباء.

أهمية العرض الحالي أنه بات رسميًا، على عكس إعلان الشركة سابقا، في شكل غير رسمي، الاستعداد لمساعدة لبنان. وتضمّن العرض تأهيل وتطوير شبكات النقل والتوزيع، بالإضافة إلى بناء معامل لإنتاج الكهرباء، منها معملان بقوّة 1200 كيلووات لكلّ معمل وخلال 6 أشهر ونصف فقط. وأمّا عن كيفيّة تحصيل كلفة إنشاء هذين المعملين من الدولة اللبنانية، فيقوم الاتفاق على اعطاء الشركة 35 في المئة من أموال جباية الكهرباء على 7 سنوات، بينما تأخذ الدولة اللبنانية ال 65 في المئة المتبقية، شرط أن تكون الجباية بنسبة 100 في المئة.

وقد سبق وأتمّت سيمنز إنشاء معامل توليد الطاقة في مصر وليبيا والسودان وأفريقيا بكلفة متدنية لا تتجاوز 600 ألف يورو لكل ميغاوات، وسرعة التركيب التي لا تتجاوز 25 شهرًا لمعامل عملاقة، وتوفير التمويل للدولة المصرية التي تعاني هي أيضا من صعوبات مالية واقتصادية كبيرة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل