زادت التعقيدات السياسية على غير صعيد، في ظل انهيار التفاهمات السياسية من تفاهم معراب إلى ارتفاع منسوب الإنقسامات داخل الطوائف والمذاهب، مما يعيق تشكيل الحكومة، إنما ما يبقي بعض الأمل يتمثّل بأجواء ومعلومات عن اتصالات جرت بين أوساط فرنسية وبعض المسؤولين اللبنانيين بغية إزالة العقبات التي عادت لتظهر من جديد، على أن يتولى الجانب الفرنسي تسهيل التأليف، كونه يدرك أنه، وفي حال تأخّر تشكيل الحكومة، يعني ذلك تحويل أموال «سيدر1» إلى دولة أخرى، وبالتالي حصول اهتزازات إقتصادية ومالية، وربما تتخطى ذلك، نظراً لحدة الإنقسامات داخل المجتمع اللبناني، كذلك، أن الأسابيع المقبلة تحمل بوادر غير مشجّعة على مستوى العقوبات الأميركية تجاه «حزب الله» وإيران، ومن الطبيعي أن ذلك سيكون له تأثير سلبي في الساحة اللبنانية في كل المجالات، وسيؤدي إلى إرباكات واتساع رقعة الخلافات في ظل المعسكرات السياسية القائمة في البلد.
من هنا، فإن أجواء الساعات الماضية تنبئ بإمكانية حلحلة العقد التي استجدت من سنّة المعارضة إلى حقيبة العدل، من خلال تبادل الحقائب أو تخلّي القوى السياسية الأساسية عن بعضها. من هنا، يؤكد مصدر وزاري بارز، أن الإتصالات الجارية حالياً تتمحور حول إيجاد مخرج لهذه العقد، على أن يليه فوراً إعلان المراسيم، ولا سيما أن زيارة الرئيس المكلّف إلى عين التينة من أجل بلورة هذا المخرج ودعم الرئيس نبيه بري ومساهمته في الحلحلة، إنما يصب في خانة السعي لتكون الحكومة جاهزة الأسبوع الحالي، وفق الدائرة الضيقة التي تتابع مسار الإتصالات وعملية التفاوض.
أما في حال بقيت الأمور على ما هي عليه من انقسامات وعدم التخلّي عن هذه الحقيبة وتلك من هذا الفريق وذاك، عندئذ قد تكون مهمة الحريري باتت مستحيلة لجملة اعتبارات وظروف، إذ سيتبيّن، وبما لا يقبل التأويلات، أن عناوين بارزة خرجت عن سيطرة الرئيس المكلّف، وكذلك، معظم القوى السياسية:
1 ـ مسألة الصحافي جمال خاشقجي وتداعياتها، وسعي البعض لتوظيفها في الداخل اللبناني، إذ لم يسبق للأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، أن شدّد، وخلال مفاوضات المسافات الأخيرة، أن طالب بتوزير سنة المعارضة، ما يعني أنه وفق الفريق الآخر المناوئ لفريق 8 آذار، ثمة توظيف سياسي واضح لهذه المسألة، أي خاشقجي، وبالتالي، قد تشهد في لبنان مدّاً وجزراً بين القوى السياسية، وتكون عاملاً إضافياً في الإنقسامات.
2 ـ العقوبات الأميركية على كل من إيران و«حزب الله»، والتي بدورها قد تكون من العناوين الرئيسة لإعادة خلط أوراق التأليف، لا سيما أن الفريق الحليف لـ«حزب الله» ومعه الحزب، يتّهمان بعض صقور 14 آذار بالرهان على هذه العقوبات لفرض السيطرة على خط تأليف الحكومة، ورفع منسوب شروطهم أكان على مستوى التوزير أو الحقائب.
من هنا، يبقى أن هذه المسائل الإقليمية والدولية، سيكون لها دورها ووقعها على مسار تأليف الحكومة، بينما ما يدفع جميع القوى إلى الإسراع في تشكيل الحكومة في أقرب وقت ممكن، فذلك يتمثّل بالأوضاع الإقتصادية المريبة بعد التقارير التي تصدر عن مؤسّسات مالية دولية إلى البنك الدولي والإتحاد الأوروبي والمانحين بحيث أن هؤلاء جميعاً لديهم مخاوف من انهيارات مريبة في لبنان، وعلى هذا الأساس تستعجل القوى السياسية التشكيل، على اعتبار أن الجميع سيتحمّل المسؤولية مجتمعين، ولكن ما يقومون به حالياً، يصب في خانة المناورات السياسية سعياً لأكبر كسب على خط الحقائب الدسمة.
وأخيراً، وإزاء هذه الأجواء الضبابية، فإن اللعبة مفتوحة على كافة الإحتمالات، وليس في وسع أي طرف أن يحسم ما يمكن أن يحدث خلال هذا الأسبوع وبعده، على أساس أن ثمة من يقول إن ما يجري في المنطقة قد يغيّر في لحظة معينة كل قواعد اللعبة الحالية، بما في ذلك، ما يحصل من مشاورات لتشكيل الحكومة. وبمعنى أوضح أن المفاجآت تبقى قائمة، ولكن إذا تبيّن أن الأوضاع ذاهبة إلى مكان صعب، أمام الرئيس المكلّف أمران، إما إعادة تفعيل حكومته الحالية، وهذا احتمال سيواجَه من القوى السياسية ولا يقبله رئيس الجمهورية، وإما الإعتذار، وليس هناك من خيارات أخرى.