
منذ حوالي العام، خرج الى العلن مشروع صحي شغل اللبنانيين وباتوا بانتظار تطبيقه والسير به. لسان حال المواطن يقول: “إذا أصبحنا قادرين على تأمين الرعاية الصحية الشاملة وبكلفة متدنية، نكون قد أزلنا هماً اساسياً من هموم يومياتنا الكثيرة”.
من ضمن استراتيجية “صحة 2025” التي وضعها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة في حكومة تصريف الاعمال غسان حاصباني تنظيم الرعاية الصحية الشاملة او ما يُعرف بالبطاقة الصحية. وحمل لواءه من معراب بشعار #صحتك_حقك، إذ تم ادخال تعديلات عدة على اقتراح القانون الذي طرحه رئيس لجنة الصحة النيابية النائب السابق عاطف مجدلاني، وبقي عالقاً لسنوات لأنه لحظ صندوقاً مستقلا جديداً يوازي الضمان الاجتماعي.
تعديلات حاصباني اتت لتضع إدارة المشروع داخل الوزارة، معدلاً الخدمات للتناغم مع وجود جهات ضامنة متعددة، كالضمان وتعاونية موظفي الدولة والجيش والقوى الأمنية وغيرها، كما وتأمين قاعدة ملف صحي يستفيد منه الجميع. كذلك طوّر الاقتراح الخدمات المقدمة من وزارة الصحة لمن لا جهة ضامنة له.
وبعد دراسته وتعديله وإقراره في لجنتي الصحة والإدارة والعدل بصيغته النهائية، واصل اقتراح القانون طريقه وناقشته في أوائل تشرين الاول الحالي لجنة المال والموازنة، فأقرّت المواد الأساسية منه. لكن بعض مواد اقتراح القانون عُلّقت على أن تستكمل لاحقاً في النقاش، لا سيما تلك المتعلقة بمصادر التمويل على المدى البعيد ومرجعية إدارة الإجراءات التنفيذية.
وأشرف وزير الصحة على مراحله كافة، فحضر جلسات اللجان مقدماً الدراسات الاكتوارية والاستراتيجية. حاصباني علّق على وصول مشروع القانون الى مراحل متقدمة تمهيداً لبدء العمل به، لافتاً الى أن وزارة الصحة بدأت بتطبيق المبادئ الاساسية لتعزيز الرعاية الصحية الأولية وتأمين التمويل لخمس سنوات من البنك الدولي، “نجحنا بالحصول عليه خلال تولينا الوزارة وبإقراره في مجلس النواب في الجلسة الأخيرة. إضافة الى الانطلاق بالعمل بإتاحة الفحوصات الخارجية في المستشفيات الحكومية”.
يشدد وزير الصحة في حديث لموقع “القوات” الالكتروني على أن التمويل يتم من الخزينة كما يحصل الآن، إضافة الى إمكان وضع اشتراكات تتماشى مع القدرة المالية لكل مواطن لدعم التمويل.
عندما عمل حاصباني على هذا المشروع، فنّد الوضع الاجتماعي – الصحي برمته. كان الهدف الاساسي إيجاد رعاية صحية شاملة للمواطن الذي لا يملك أي غطاء آخر يعتمد عليه في مرضه، كما تخفيض الفاتورة الاستشفائية. فالبطاقة الصحية لا تقتصر على أمراض أو حالات معينة.
ويقول حاصباني إن “اقتراح القانون هذا يلحظ تخفيض نسبة مساهمة المريض في فاتورة الاستشفاء من 15% الى 10% وتعفى من هذه المساهمة الفئات الأكثر فقراً وذوو الاحتياجات الخاصة وفئات اخرى تُحدد لاحقاً بمراسيم، كما من شأن هذا القانون ان يضبط الزيادة بكلفة الفاتورة الصحية على الدولة والمواطن”.
والبطاقة لا تُجدد، ولا تصبح خارج الخدمة إذ تدخل في سجل المواطن تماماً كبطاقة الهوية، وتتميز بأنها قد تشمل 4 ملايين لبناني، متضمنة تاريخهم الصحي، من دون الحاجة الى تقديم المريض تقارير طبية في كل مرة، ما يسهّل العلاج ويسرّعه.
ومن ميزات اقتراح القانون أيضاً انه يخلق إطاراً تنسيقياً بين جميع الصناديق الضامنة، محدداً المستفيدين من كل قطاع، فلا يختلط حابل “الضمان” بوابل “الوزارة”، إنما يكون لكل مريض الحق الطبيعي في إنزال همّ الاستشفاء وفاتورته المرتفعة عن كاهله، في وضع اقتصادي مزرٍ وحالات مرضية باهظة تفوق قدرة الفرد على تحملها.
إذًا ما هو مطروح لا يلغي أي جهة ضامنة ولا يتناقض أيضاً مع عملها، اما المريض فله الحق بتلقي علاجه عند شبكة مزوّدي الخدمات الصحية كافة.
وفي هذا الإطار، يوضح حاصباني أن “هذا القانون يغطيّ كل المواطنين الذين لا تغطية صحية لهم من جهات ضامنة أخرى، بما يتعلق بخدمات الاستشفاء، والفحوصات الخارجية والادوية، كما يؤمن قاعدة للتناغم والتنسيق بين الجهات الضامنة كافة تحضيراً للمستقبل، عندها سيمكننا تحقيق خطوة أكبر بعد وهي توحيد الجهات الضامنة”.
ويشدد على أن هذا القانون ينظّم الملفات الصحية الرقمية للمواطنين بحيث سيكون هنالك بطاقة استشفائية للبنانيين جميعاً بغض النظر عن الجهة الضامنة لهم، كما يؤمن الولوج الى الرعاية الصحية الاولية لكافة المواطنين اللبنانيين لإجراء فحوصات سنوية وتحديث الملف الصحي، إضافة الى تنظيم العمل الذي تقوم به وزارة الصحة لناحية الاستشفاء والفحوصات الخارجية والأدوية التي تقدم من قبلها.
ويلفت الى أن عاماً تقريباً مرّت على إعلان القوات اللبنانية من معراب نيتها تقديم مشروع القانون هذا، “واليوم يكاد الحلم يصبح حقيقة وسينعم المواطنون كافة بفوائد هذه البطاقة”، مشدداً على أن أكثرية الكتل داعمة للمشروع.
انتصر المسنون، انتصر المرضى وانتصر الفقراء في البطاقة الصحية، فحاصباني عمل من خلال إنجاح هذه البطاقة والسير بها، على تجاوز الإجحاف الطبقي والمجتمعي والطائفي.
وإذا كانت البطاقة الصحية اليوم قيد الإنجاز، فإن البدء بالعمل بها سيكون نقلة طبية نوعية ومدماكاً أساسياً يضاف الى مداميك الصيت الصحي المُشرّف للبنان الذي صُنف في عامي 2014 و2016 أولاً في المجال الصحي في منطقة الشرق الأوسط، والـ32 عالمياً، متقدماً على بلدان مثل الولايات المتحدة.
قال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع يوماً تعليقًا على البطاقة الصحية: “وقت الصحة أيضاً قوات”، وهذا اكبر وسام يعلّق على صدر وزارة الصحة ووزيرها الذي قدمّ استراتيجيات صحية توازي ما هو معمول به في أكثر الدول تقدماً.
