#adsense

يا رايح ع رمحالا الكنيسة بدها حجارة…

حجم الخط

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1684

يروي المؤرخ سمعان الخازن عن كنيسة مار جريس إهدن، ان عندما تنادى الأهالي لبناء هذه الكنيسة، اصطفّ الإهدنيون رجالاً ونساء من ساحة الكنيسة إلى مقالع ضهور عينطورين، وأخذوا يناولون بعضهم البعض حجارة الدبش الصغيرة اللازمة للسقف، ولم يمضِ ذلك النهار حتى كانت أحجار العقد متراكمة كالجبال في تلك الساحة. جميل تاريخ العونة اللبنانية الأصيلة. صوب أول تشرين كتب الشيف فرنسوا معراوي «بدا تضل جراسنا تدقّ ساهموا بـ بناء كنيسة رمحالا»، ما القصة يا شيف؟ بداية كانت كنيسة عين درافيل، والآن كنيسة ضيعة «جورة الدهب» كما تلقّب، هل عادت إلينا تلك العادة اللبنانية المسيحية القديمة، العونة بالمال ونقل الحجارة تـ نبني كنايس ربنا؟!

 

حلوة هالضيعة المرمية بين الصنوبرات العتيقة، هذا شأن غالبية قرى قضاء عاليه، هي ليست بعيدة عن بيروت ولكنها قرية بكل ما للكلمة من معنى، هي ضيعة في قلب الجبل، جبل لبنان ما غيره، عاشت كل تواريخها اللبنانية العريقة، مارست كل تلك التقاليد الحلوة الحلوة التي ربي عليها أبناء الجبال العالية، كانت تعقد منديل الإويها وتخبز على الصاج، وتربي دود القز لمواسم الحرير، وتحضّر مؤونتها لشتاء طويل بارد دافئ بالمحبة واللقاءات، هي رمحالا تلك الضيعة من لبنان التي عصفت بها ذات تاريخ أسود ما عصف بكل لبنان، الحرب والتهجير، وما ان عادت الى حالها ووجدت أبناءها ووُجدوا معا من جديد على طرقات رمحالا وبيوتها المدمرة، قرروا ان يتصالحوا جميعا وان يعودوا ويبنوا بيوتهم وكنائسهم وحالهم المدمرة حروبا وفراقا. عادت رمحالا لتكون في قلب مصالحة الجبل ولما بنت بيوتها ورممت شوارعها كان لا بد لها ان تبني عرش إيمانها، الكنيسة، فعاد الحديث والعمل لبناء كنيسة مار مخايل، شفيع الضيعة منذ الزمن العتيق، وعادت لترتفع قبّتها الجميلة صوب السماء ولتطنطن أجراسها من جديد في قلب الضيعة معلنة لناسها وجيرانها ولوطنها، ان لا أجمل من الإيمان حين يكون متوجا بالعودة والمصالحة واللقاء.

«إطحشوا يا مباركين وساعدوا رمحالا، الهدف الأساسي من مساعدة كنيسة رمحالا هوي إنّو كلّ واحد منكن يعرف إنّو مش وحدو إنما في شعب كامل مبارك حدّو»، كتب الشيف من جديد على صفحته، طالبا التبرع ولو بعشرة آلاف ليرة، ومجندا القرى والمدن اللبنانية كافة والرفاق في كل البلاد والمهجر، في عونة وللمرة الثانية بعد كنيسة عين درافيل، قلّ نظيرها في التاريخ الكنسي الحديث، فماذا جرى ويجري فوق يا شباب؟

«الكنيسة هي الجماعة ومش مجرد حجر وحيطان، وكان لازم تلمنا كلنا وتواكب عودة الناس لأرضن، سنة 2003 استلموا الناس أراضيهن برمحالا وبلشت ورشة الإعمار، وفتحت مدرسة راهبات عبرين بوابها للتلاميذ وبقيت الكنيسة، أول مرحلة طلعنا بصالون الكنيسة وصرنا نقدّس هونيك وبلّشنا نحضّر للمرحلة الأصعب وهي بناء كنيسة مار مخايل وما كان ممكن تنطلق هالورشة لولا مساهمة كل أهل الضيعة، كل الأهالي من دون استثناء معنيين بشكل مباشر ويساهمون بطريقة رائعة» يقول ميشال سعد رئيس بلدية رمحالا. بداية تولى الأهالي دفع مبالغ شهرية لإنجاز الصالون الكبير، ومن بعدها قام شباب «القوات اللبنانية» في البلدة بحملة تبرعات واسعة وجمعوا مبلغ 16 ألف دولار «رجّعنا منطق العونة القديم لـ كان يصير بقرى لبنان وقت يتضافروا الأهالي ويزقوا حجار على ضهرن أو على ضهر الدواب تـ يعمروا الكنايس، شي رائع لـ عم يصير برمحالا والفرق إنو العونة ما اقتصرت على الضيعة إنما كل القرى المجاورة تتعاون بطريقة مذهلة وبقول لهالناس ألف شكر وربنا يرد عنكن وعن ولادكن» يقول الريّس الذي يحاول عبر البلدية الناشطة جدا في رمحالا والتي تتولى مساعدة الكنيسة ودعمها الى أقصى الحدود.

«انشقع دبش المصالب بكنيسة رمحالا» كتب أحد أبناء الضيعة على صفحته!! يا الله وكأن الزمن اخترق وقته ليتوغل مئات السنين الى الخلف، حين كان دبش المصالب تعبير قروي عتيق عتيق، وهي حجارة الدّبش المقطوعة من صخر غير مشغول أو غير «مهذّب»، حجارة عاديّة مختلفة الأحجام والأشكال توضع داخل الصبيّات في سقوف العقد الحجريّة، وهذه السقوف غالبا ما تأتي بشكل صلبان، فسميت دبش المصالب، وكنيسة مار مخايل رمحالا التي من المقدّر ان تتسع لـ600 مؤمن، ارتفعت قبتها عاليا لتخترق سماء الإيمان، وبدأت الآن تجمع أموالها لتبني سقفها الذي قدرت كلفته بنحو 70 ألف دولار وكسور، ومن هنا انطلقت حملة الشيف فرنسوا معراوي وشباب «القوات اللبنانية» للمساهمة قدر المستطاع بإنجاز سقف الكنيسة «سألنا الوقف إذا فينا نتدخل للمساعدة ورحبوا كثيرا ومتوقعين بعد شهرين نقدر نجمّع المبلغ ونبلش بالسقف، كأنها أيام زمان مشاركة من الكل وبكل البلدان حتى إنو وصلنا لأستراليا، شي رائع لـ عم يصير معنا، ناس ما بيعرفونا بيتبرعوا بالألف ليرة تصوري، وبس تخلص الحملة وإذا قدرنا جمّعنا المبلغ بتكون رمحالا بعد عين درافيل عملت إنجاز تاريخي وإن الله راد الهدف التالت هو كنيسة سبعل، كل ألف ليرة إلها قيمتها ومعناها الكبير» يقول منسق «القوات» في رمحالا ومهندس الكنيسة بيار نصار.

حتى الآن تبرعت «القوات اللبنانية» في رمحالا بما يقارب الثلاثين ألف دولار لإنجاز القبة وما شابه، وبلغت قيمة العونة عبر الفايسبوك، نحو 25 ألف دولار في أقل من شهر، «واذا استمرينا بهالوتيرة قد نجمع أربعين ألفا في خلال شهرين حينذاك ننطلق بالعمل» يقول نصار، علما ان أهل الضيعة جميعا ومن دون استثناء ينتظرون الإشارة للمشاركة في الورشة التي جعلت رمحالا يدا واحدة ومن مختلف الانتماءات متكاتفة لإنجاز كنيستها.

لم يكن موقع كنيسة مار مخايل شفيع رمحالا، حيث هو الآن، الحرب دمرت الكنيسة السابقة، والعودة فرضت مكانا آخر أوسع لاستيعاب عدد السكان المتزايد بطبيعة الحال، والذي يبلغ نحو 1200 مقيمين عدا عمن هم في الغربة، ما اضطر لجنة الوقف للبحث عن مساحة أوسع ووجدتها عند طرف رمحالا حيث انتصبت القبة المزينة بصليبها، تواجه الغيم والشمس، يحرسها ذاك الحارس الجبار الذي قاوم الشياطين والأشرار وتربّع على قلب الضيعة حارسا أمينا لأيامها ولياليها. «من ست سنين ونحنا عم نشتغل بالكنيسة بعدما اخترنا موقع أوسع، كل سنة منعمل سهرة يعود ريعها لبناء الكنيسة، ولما جمعنا خمسين ألف دولار بدأنا بحيطان الدعم وتبيّن إنو السقف بحاجة لنحو سبعين ألف دولار ولم نتمكن من تأمين المبلغ نظرا للوضع الاقتصادي الصعب، فقرر فرنسوا معراوي ان يبدا حملته عبر فايسبوك وتجاوبنا معه طبعا، والحمدلله المبلغ عم يتجمّع بسرعة ما توقعناها، شي حلو كتير لـ عم يصير عنا، ويبدو إنو مار مخايل راضي ويبارك هالعونة الاستثنائية وألف شكر لشباب «القوات اللبنانية» وللبلدية الناشطة جدا ولأهل الضيعة جميعا على تعاونهم» يقول شكري سعد عضو لجنة وقف رمحالا، الذي تصب عنده أموال المتبرعين من كل الاتجاهات، وحتى اللحظة لا يصدق ان ضيعته وكنيسته صارتا قبلة اللبنانيين في لبنان والمهجر، والكل يريد المساهمة وكأنها كنيسة ضيعته أو بلدته «كأن رمحالا ضيعة كل الناس لأن التجاوب مع دعوات التبرع بيكبّر القلب وبيخلينا نحس إنو عن جد نحنا مش وحدنا وإنو بس نتكاتف على هدف نبيل منقدر نحقق الكتير لضياعنا ولبلدنا» يقول سعد.

يخبرون ان الوالي العثملي قرر ذات مرة وضع يده على أملاك البطريركية المارونية في زغرتا، وما كانت الكنيسة تملك الأموال اللازمة لرشوته واسترداد الأملاك، وأخبر مطران إهدن آنذاك اسطفانوس الدويهي قبل ان يصبح بطريركا، رعيته بالأمر في خلال وعظة الأحد، فتأثر الأهالي كثيرا وخصوصا منتورة ابنة الشدياق أنطوان حنا الدويهي، فخطرت ببالها فكرة جهنمية وقررت تنفيذها، فتنادت النسوة من قاطع لآخر بناء على نداء منتورة، وذهبن يوم الأحد الى الكنيسة وخلعن طاساتهن أمام باحة كنيسة سيدة زغرتا، وكانت النساء في تلك الحقبة يعتمرن أيام الأحاد والأعياد طاسات من فضة يلف فوقها شال أو منديل حرير أو قطن، فخلعن الطاسات وأيضا كل ما يملكن من مجوهرات وتبرعن بها، وعلت أصوات زغاريد النساء مصحوبة بعبارة «لا تعتل الهمّ يا سيّدنا الحل عنّا ،»وبعدما أحصى المطران الدويهي الموجودات، تبيّن أنها تفوق المبلغ المطلوب بكثير، فسألهم عما يريدون ان يفعلوا بالمال المتبقي، وكان الجواب بالإجماع «شراء قطعة أرض يا سيّدنا وخلّيها تكون وقف للكنيسة» وهذا ما حصل. لا تختلف كثيرا حكاية رمحالا وقبلها بلدة عين درافيل عما جرى في ذاك الزمن الحافل بالمقاومة والعونة اللبنانية العريقة، حيث كان مسيحيو جبل لبنان يتنادون لنصرة بعضهم البعض في كل الظروف. الحكاية هي نفسها انما بزمن مختلف.

«إطحشوا يا مباركين الهدف مش بس لم المصاري لكنيسة رمحالا، الهدف إنو يعرف شعبنا إنو مش وحدو» كتب مرة أخرى الشيف فرنسوا معراوي، الذي يحضّر لمشروع عونة كبير يشمل كل قرى لبنان وكنائسها.

ويا رايح ع رمحالا لا تنسى ان تمر بتلك الكنيسة، فهناك ليس فقط سواعد تحفر الإيمان في عمق الجذور، ليس فقط سواعد تتنادى من قاطع لقاطع لتبني أسوار المحبة، مكان اللقاء تحت ثوب يسوع وأمه العذراء مريم وحارس السماء مار مخايل، هناك قلوب تتماسك بحبال العونة من كل لبنان الى ذاك المهجر، لتوجه للدنيا رسالة عميقة أننا عندما نصبح ساعدا واحدا في قلب واحد تعمر كنائسنا ويكبر بلدنا وبيصير الوطن كتير أحلا… يا رايح ع رمحالا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل