#adsense

“المسيرة” – عضة كلب: هجم على الصبية وحطّم ذراعها

حجم الخط

كتبت نهاد طوباليان في مجلة “المسيرة” العدد 1684:

حتى بعد ظهر الأحد، 14 تشرين الأول الجاري، لم أكن أعي ما تعني عضة كلب، ومفاعيل تلك العضة السامة، إلى أن وقع ما ليس في الحسبان، لنعيش على مدى أيام متواصلة معاناة الوجع الجسدي والألم النفسي الكبير.

في ذلك اليوم، إستيقظت إبنة أخي، صبية بعمر الورود (23 عاماً)، وانطلقت برفقة صديقات لها إلى دير مار شربل – عنايا لزيارة القديس المحبب على قلبها. وبعدما حضرن القداس وزرن المحبسة، توجهن إلى دير شمرا المحاذي لبلدة حملايا وأبو ميزان في المتن على الطريق بين القليعات وبكفيا. إستدعى العطش توجه إبنة شقيقي إلى الدكان الوحيد في تلك البلدة الصغيرة لشراء قنينة مياه. وما أن عادت وهمّت بالصعود إلى السيارة، حتى باغتها كلب شارد وشرس، أسود اللون، وضخم. لم يمهلها حتى تفتح الباب وتدخل السيارة، إذ هجم عليها وأمسكت أنيابه الحادة معصم يدها اليسرى.

للوهلة الأولى، لم تستوعب ما يحصل، إلا أنها تسلحت بالقوة، وحاولت بيدها اليمنى رفع أنيابه عن معصمها، لكن من دون جدوى، لتتدخل العناية الإلهية، وتضع في طريقها شابًا سوريًا، هاله المشهد، فانهال على الكلب اللعين بالضرب على رأسه حتى فرّ هارباً، تاركاً وراءه يدًا ممزقة تنزف دماً. لم تثنِ هذه الجراح الصبية عن الطلب من صديقتها المرعوبة وراء المقود من نقلها إلى أقرب مستشفى، وطالبة منها محادثتها كي لا تفقد وعيها.

كانت الساعة الثالثة من بعد الظهر حين رن هاتف والدتها، وكنا نحتسي القهوة سوياً، لتجيب فقط بصوت مرتجف ووجه شاحب: في أي مستشفى؟ ولنسارع جميعنا في سباق مع الوقت للوصول إلى مستشفى بحنس، وننتظر خروجها من قسم التصوير الشعاعي، فيما العاملون في الطوارئ، من أطباء مناوبين وممرضين، يحاولون التخفيف عنا.

لحظات إنتظار طويلة وكأنها دهر مرت علينا، فيما الوقت الحقيقي لم يكن أكثر من نصف ساعة في قسم التصوير، ولتخرج ممددة على الشاريو بيد يسرى ملفوفة بشاش مكثف، عدا عن المصل والبنج للتخفيف من الوجع الحاد. حاولت بإبتسامة صغيرة التخفيف عنا بقولها «إنها عضة كلب، لن تؤذي يدي».

في التقرير الأولي الذي رفعه أطباء الطوارئ لنا أنهم أجروا لها إبرة كزاز، وعلينا تأمين طعم داء الكلب من مستشفى رفيق الحريري الحكومي، على أن يحضر جراح عظم لإجراء عملية جراحية لمعصم يدها بعدما بيّنت صور الأشعة والسكانر أن هذا الكلب اللعين طحن عظام معصمها.

وبإنتظار حضور الجراح الذي كان على تواصل مع أطباء الطوارئ، بدأت إتصالاتنا بفريق نائب رئيس الحكومة وزير الصحة غسان حاصباني، لتسهيل نقل طعم داء الكلب من مستشفى رفيق الحريري الحكومي .

وتولت المهمة مشكورة شقيقة وزير الإعلام الصديق ملحم الرياشي، نضال التي اتصلت بمستشار الوزير حاصباني السيد إيلي زيتوني، الذي بدوره، أجرى الإتصالات اللازمة، ليسهِّل لنا الحصول سريعًا على الطعم وإحضاره الى مستشفى بحنس لتلقيح إبنة أخي قبيل العملية. توجه أحد أشقائي إلى مستشفى الرئيس الحريري الحكومي ليفاجأ بوجود بعض الترتيبات الطبية المتعلقة بكمية الجرعة بحسب العمر والوزن والطول، وغيرها من التعقيدات، لتتدخل مديرة قسم الأوبئة في وزارة الصحة الدكتورة عاتكة بري مشكورة للحصول على الطعم.

وعلى خط آخر، كان شقيق زوجة أخي يجري إتصالاته بمخفر الدرك لتسجيل محضر بالحادث. ساعات مرت، ولم يحضر أحد، ما استدعى منه الإتصال بمدير عام أمن الدولة اللواء طوني صليبا، أسفر عن حضور دركيين دوّنا إفادتها.

الثامنة والنصف مساءً، حضر الطبيب الجراح وأبلغنا وجوب نقلها إلى مستشفى أوتيل ديو لحاجة إبنة أخي لعملية جراحية دقيقة على يد جراح يد، ولتبدأ هنا رحلة العذاب الإضافي، لإدراكنا أن كل دقيقة تأخير في إجراء العملية قد تؤثر سلبًا على إنقاذ هذه اليد الناعمة التي لا تعرف سوى قطف الورود.

غادرتُ مستشفى بحنس على عجل بعدما طلبت من شقيقي الموجود في مستشفى رفيق الحريري الحكومي ملاقاتي مع طعم داء الكلب في مستشفى أوتيل ديو. وباشرت على الطريق الإتصال بالجراح الذي أوصى به جراح مستشفى بحنس، لكن من دون جدوى، إذ كان هاتفه مغلقاً، وفي وقت كان أخي والد الفتاة يتصل بالصليب الأحمر اللبناني لتأمين سيارة إسعاف لنقلها إلى مستشفى أوتيل ديو، وكان الجواب أن الطلب يجب أن يأتي من الجراح الذي سيجري لها العملية.

بالتزامن، كان شقيقي قد وصل إلى طوارئ مستشفى أوتيل ديو حيث أودع الطعم في البراد، وباشر مع الطبيب المسؤول الإتصال بالجراح، ولكن دون جدوى أيضاً. وصلت الطوارئ لأفاجأ بإنه يتعذر عليهم إستقبال حالة إبنة أخي لوجود الجراحين خارج لبنان.

إلا أن الطبيب المسؤول في طوارئ أوتيل ديو، وبعد إطلاعه على صور يد إبنة أخي على الواتس أب، بادر بإجراء إتصالاته مع جراحين في مستشفيات أخرى، فيما شقيقي وأنا حوّلنا باحة الطوارئ الخارجية لغرفة عمليات، لم نوفر صديقاً إلا وإتصلنا به نسأله عن جراح. أرسلنا صور يدها لعدد من الجراحين، ولا جواب.

العاشرة والنصف ليلاً، أي بعد سبع ساعات على العضة، تواصل طبيب الطوارئ في مستشفى أوتيل ديو مع جراح اليد الدكتور إبراهيم قالوش في مستشفى رزق، الذي بعد إطلاعه على ما أرسلنا له من صور لحالة يدها، إستمهلنا لتوفير سرير لها في مستشفى رزق أو مستشفى سان جورج في عجلتون، ونجح في توفيره في مستشفى رزق. عندها، أبلغنا شقيقي بطلب الصليب الأحمر لنقل إبنته إلى مستشفى رزق، لكنه لم ينتظر أحد. حملها على وجه السرعة إلى المستشفى التي سبقناه إليه كما الجراح الذي حضّر فريقه لإجراء العملية، بعدما أبلغنا أن العملية دقيقة جدا.

وبعدما أعطيت جرعة من طعم داء الكلب، أُدخلت غرفة العمليات، ولتبقى فيها ست ساعات، من الحادية عشرة والنصف ليلاً حتى الخامسة والنصف من فجر الإثنين 15 تشرين الثاني. خرج  الجراح  من العملية موهولاً: لم نكن نتصور هذا الحجم من الضرر. العظم مفتت مثل الرمل، ولا حياة بالعظمة الرئيسية، وكل الأمل بالعمليات الأخرى.

مر يوم الإثنين ثقيلاً علينا، قطعه حضور الطبيب الشرعي إلى المستشفى لتدوين محضره وهو يردد أنه لم يسبق له أن عاين حالة كهذه ناتجة عن عضة كلب. أما الثلاثاء، فكانت إبنة شقيقي على موعد مع عملية ثانية إمتدت لأربع ساعات، خرجت منها كما الأولى بكمية كبيرة من البراغي وقضبان الفضة، ومع إبقاء جزء من الجرح في معصم يدها مفتوحًا لإخراج السموم، ولتبدأ مرحلة ما بعد العضة، أي ما يعرف بمضاعفاتها التي تظهر بعد أيام، كالإلتهابات وإرتفاع في الحرارة، ما استدعى بقاءها في المستشفى تحت المراقبة، مع ما يترتب عن ذلك من حقنها بالمضادات الحيوية والأدوية المسكنة للوجع.

حالة يد إبنة أخي، التي لم تستوعب بعد ما حصل معها كما مدى الضرر بيدها، مستقرة، وتنتظرها عمليات لا نعرف عددها، لكننا نعرف أن هذه الصبية التي رافقنا نموها لحظة بلحظة، تتحمل بصمت كبير الألم أمامنا وتحادثنا بفرح وضحكة، وتبكي في سرها وأمام تمثال السيدة العذراء وصورة حبيبها القديس شربل في كابيلا المستشفى، وتحاول إخفاء دموعها حين نباغتها .

عضة الكلب اللعين خلفت وراءها جرحاً بليغاً في يدها وفي نفسيتها كما في نفسية جميع أفراد العائلة والأصدقاء الذين رافقوها بصلواتهم ودعواتهم لها بالسلامة.

وبانتظار العملية الثالثة التي نتطلع لأن يضع القديس الطبيب شربل يده مع الجراح ليعيد الحياة والحركة ليدها فلا تعود تحتاج عمليات أخرى. وحتى لا يتكرر هذا الحادث مع الآخرين، ربما حان الوقت لأن تصدر وزارة الداخلية والبلديات تعميماً صارماً تلزم فيه جميع البلديات مكافحة الكلاب الشاردة، خصوصاً وأن إبنة أخي ليست الأولى التي تعرضت لعضة كلب شارد ولن تكون الأخيرة، لا سيما وأنه كثرت في الأونة الأخيرة الحوادث المماثلة التي تسبب أحدها قبل أشهر قليلة بوفاة شاب من البترون.

أما البلديات، فعليها وحفاظاً على أبنائها وزوارها، إطلاق حملة واسعة النطاق لملاحقة الكلاب الشاردة في نطاقها البلدي، والتي تخرج إلى الأحياء والشوارع بحثاً عن طعام بين النفايات المكدسة (والنفايات سبب رئيسي لظهور هذه الكلاب). كما ومطلوب من البلديات، لا سيما التي توجد في نطاقها البلدي مصانع ومعامل وكسارات، التشديد على أصحاب هذه المصانع عدم إحتضان الكلاب الشاردة وإطعامها اللحوم لأنها تزيد من شراستها، كما والتعاون مع الأجهزة الأمنية في ملاحقة هذه الكلاب، لا سيما بعد إفتراس أنيابها جسد إنسان. وقد جالت دورية من قوى الأمن في دير شمرا أكثر من مرة بحثاً عن الكلب المعتدي ولكن من دون نتيجة.

أما بالنسبة لجمعيات الرفق بالحيوان، وقد أتحفتنا معنية بإحداها بزيارة إبنة أخي في المستشفى حاملة باقة ورد قبل أن تسترسل في الدفاع عن الكلاب الشاردة ووجوب إحتضانها ورعايتها، مسقطة من بالها أنها في حضرة صبية صغيرة تتحامل على وجعها الجسدي والنفسي، وتسأل في قرارة نفسها عما إذا ستستعيد حركة يدها.

تُرى، لو أن كلباً شارداً عض أحد هؤلاء المدافعين عن الكلاب الشاردة المفترسة، ما سيكون لسان حالهم؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل