“المسيرة” – ما هو نصيب لبنان من فتح معبر نصيب؟

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” العدد 1684:

ظل معبر «نصيب – جابر» الحدودي بين الأردن وسوريا، قضية إقتصادية وحياتية وسياسية بامتياز، منذ إقفاله في نيسان عام 2015 بعد سيطرة الجماعات المعارِضة عليه، وحتى إعادة فتحه بوجه العابرين في تشرين الأول الحالي. وإقفال الممر المعتبر الشريان الحيوي الأساسي لتصريف البضائع والمنتوجات اللبنانية إلى أسواق الإستهلاك في الخليج والدول المجاورة، شدّ حبلا على عنق المنتجين اللبنانيين من صناعيين ومزارعين وأصحاب شاحنات، راحوا يبحثون عن منفذ يرخي الحبل عن أعناقهم، فلم يجدوا إلا النصيب وراءهم والبحر أمامهم، فعبروا البحر ناحية مصر والخليج، ولكن بكلفة مرتفعة لم تجنبهم ضائقة إقفال طريق البر. اليوم وبعد ثلاث سنوات على الأزمة، وتراجع الصادرات الزراعية والصناعية والمؤشرات الإقتصادية، إلى أي مدى سينعكس فتح المعبر تحسنا في الوضع الإقتصادي، وما هو المرتقب للقطاعات المعنية في الآتي من الأيام؟

في 15 تشرين الأول الحالي، أعيد فتح معبر نصيب، بعد حل مسائل تقنية وأمنية تتعلق بأمن الجانب الأردني. وفَتْح المعبر الذي يسهّل حركة التنقل المضبوط بين البلدين، يُطلق في لبنان صفارة الإنطلاق لحركة إقتصادية منتظرة منذ سنوات، خصوصا بالنسبة إلى مزارعي التفاح الذين يعانون سنويا من أزمة التصدير، وهم الآن في عز هذا الموسم ويستسقون الفرج من كل باب. وكذلك ينتظر سائقو الشاحنات إعادة تشغيل خط النقل البرّي عبر سوريا، وإعادة تفعيل الصادرات اللبنانية إلى أسواق الخليج.

المهم في المسألة، أنها لم تقتصر على طابعها الإقتصادي فقط بل تعدته إلى البازار السياسي حيث النظام السوري جر لبنان إلى تطبيع العلاقات معه تحت ضغط حاجته للتصدير وإنعاش اقتصاده، في حين أن المسألة ليست لبنانية – سورية في الأساس، بل سورية مع عدد من الدول ذات الحدود المشتركة، وأبرزها الأردن. ومع ذلك لم توضع شروط على الأردن ولا على العراق ولا تركيا، ولا حتى على إسرائيل عند فتح معبر القنيطرة في الجولان، قبل يومين من فتح معبر نصيب.

والجدير ذكره أنه في 30 تموز الماضي اشترطت السلطات السورية إعادة لبنان العلاقات الطبيعية معها كبند أساسي لفتح معبر نصيب، لكن تبيّن أن المسألة أبعد من ذلك، وها قد حلّت من دون رضوخ لبنان لهذه الشروط.

تضاعف حركة الصادرات

ما يعني اللبنانيين هو كيف سيستفيد البلد والمواطنون من فتح هذا المعبر المُعتبَر حيويا للصادرات اللبنانية، لا سيما أن هناك من يقول إن إقفاله وتوقّف الصادرات اللبنانية عبر البر، شكّل عاملا أساسيا لتراجع الإقتصاد اللبناني خلال الأعوام الثلاثة الماضية؟

تقدر مصلحة الجمارك اللبنانية أن ترتفع حركة الصادرات بعد افتتاح معبر نصيب إلى الضعفين على الأقل. إذ مع إغلاقه، انخفضت كميّة التصدير إلى حوالى النصف، كما أن النقل عبر البحر تسبّب بخسائر كبيرة نظرا إلى كلفته المرتفعة.

فقبل إقفاله كان يمر عبر «نصيب» ما بين 200 و300 شاحنة لبنانية يوميا، تنقل ما مجموعه السنوي أكثر من 550 ألف طن من المنتجات الزراعية اللبنانية تصل قيمتها إلى 300 مليون دولار، ومنتجات صناعية تقدر قيمتها بأكثر من 500 مليون دولار. وهي تشكّل 73 في المئة من الصادرات الزراعية اللبنانية، و31 في المئة من الصناعات الغذائية، و19 في المئة من الصادرات الصناعية في شكل عام.

وإعادة افتتاح هذا المعبر ليست فقط حيوية للتجار والصناعيين، بل لأصحاب وسائقي الشاحنات ولأصحاب المؤسسات السياحية أيضاً، كونه يشجع حركة السياحة البريّة بين لبنان والأردن وسوريا والعراق. لذلك فإن المرتجى كبير، ولكن تبقى الخشية من أن يعتري التطبيق أية معوقات، كون الوضع الأمني في سوريا لم يعد إلى استتبابه الكامل بعد، والعلاقات اللبنانية السورية لم تبلغ مستوى الندّية والمصالح الصادقة والمتبادلة للبلدين.

وذكر بعض الإحصائيات أن مجموع ما يمكن للبنان أن يصدِّره عبر «نصيب» يصل إلى نحو 800 مليون دولار، أي ما يوازي 30 في المئة من مجمل الصادرات اللبنانية. لذلك فهو كان يشكل شريانا حيوياً هامّاً للصادرات اللبنانية نحو منطقة الخليج والدول العربية الأخرى. ومن المنتظر أن يسهم استئناف عبور الشاحنات عبره، في إنعاش الصادرات الزراعية والصناعية اللبنانية نحو دول الخليج. بعدما اضطر اللبنانيون إلى تصدير بضائعهم بحراً إلى ميناء العقبة وإلى مصر، قبل نقلها إلى أسواق الخليج.

ومعظم الصادرات عبر البرّ هو منتجات زراعية، كالعنب والتفاح والبصل والبطاطا وغيرها من المنتجات الثقيلة الوزن. وهناك أكثر من 60 في المئة من الصادرات الزراعية من هذه الأصناف، يمرّ عبر سوريا. ولذلك فإنه بنتيجة إقفال معبر نصيب، تراجعت طلبات شهادات المنشأ للمنتجات الزراعية نحو 50 في المئة في الأيام الأولى لإقفال المعبر. وشهادة المنشأ تُعد الوثيقة الأساسيّة لتصدير المنتجات، وهي تَصدُر عن 4 غرف تجارة وزراعة وصناعة موجودة في لبنان.

ترتيبات لوجستية وإجراءات

في السياق، وفي ظل الوضعين الأمني والسياسي في سوريا، يجدر السؤال عما إذا كان الإنسياب السهل للشاحنات اللبنانية، يستلزم اتفاقات محددة أو ترتيبات لوجستية وإدارية مع الجانب السوري؟

يُلح بهذا السؤال أن الحركة لم تعد فورا إلى طبيعتها عبر هذا المعبر. ومن ناحية أخرى، هناك مستوى التواصل مع الحكومة السورية والإبتزاز الذي تمارسه على لبنان، واغتنام حاجة لبنان إلى تحسين وضعه الإقتصادي، المتداعي أصلا بسبب الحرب في سوريا، لفتح قنوات معينة من العلاقات لا تتناسب مع قرار الحكومة اللبنانية النأي بالنفس، ولا مع الموقف العربي المشترك.

وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال رائد خوري، شدّد على أن «التفاصيل اللوجستية حول عبور الشاحنات والصادرات اللبنانية وغيرها، ستتم مناقشتها في الأيام المقبلة، وما يهمنا هو الشق الاقتصادي الذي يُجمِع عليه اللبنانيون». واعتبر أن «فتح معبر نصيب يؤدي خدمة هامّة لمصلحة لبنان الاقتصادية ولزيادة الصادرات اللبنانية إلى الخارج. وأن هناك جهة مخوّلة من قبل رئيس الجمهورية للتنسيق مع سوريا في هذا الشأن. كما أتابع أنا الموضوع مع وزير الاقتصاد السوري، والأمور محلولة».

وقال مصدر مسؤول في جمعية الصناعيين اللبنانيين «إن فتح معبر نصيب أمام الصادرات اللبنانية فيه مصلحة للصناعي اللبناني، لأنه يخفف عليه كلفة تصدير إنتاجه الذي يعاني أصلا من ارتفاع كلفة التصنيع محليا مقارنة مع العديد من الدول المجاورة والأسواق المنافسة. وأضاف أن الحرب السورية رفعت كلفة تصدير المنتجات الصناعية اللبنانية إلى الضعف، وهو أمر قاتل بالنسبة إلينا. من هنا فإن فتح المعبر يسهّل التواصل التجاري مع أسواق المنطقة ويخفّف الكلفة، ما يعطي الصناعة اللبنانية فسحة أمل وبعض الأوكسيجين للمستقبل».

أما بالنسبة إلى المزارعين فيقول مصدر في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في البقاع، «إن التصدير عبر «نصيب» يتطلّب بين خمسة أيام وسبعة أيام لوصول البضائع إلى مقاصدها، وهي أقل مدّة متاحة للمنتجين اللبنانيين للوصول إلى الأسواق المستهدفة في الخليج والعالم العربي. وإذا كان عامل الوقت غير أساسي بالنسبة إلى بعض الصادرات، إلا أنه أساسي جدا بالنسبة إلى المنتوجات الزراعية كالخضار والفاكهة، للمحافظة على جودتها عند بلوغها مقاصد التسويق النهائية.

لكن الملاحظ أن هناك اختلافاً في أرقام حجم الصادرات اللبنانيّة عبر البرّ إلى دول الخليج، إذ بلغت بحسب إحصاءات الموقع الرسمي للجمارك اللبنانيّة، في العام 2015 (أي عند إقفال معبر نصيب)، أكثر من 450 مليون دولار أميركي. وهو ما يُشكّل نحو 13 في المئة من الصادرات اللبنانيّة. في حين تذكر مصادر أخرى أن الصادرات اللبنانية عبر معبر نصيب الحدودي تراوح بين مليار و1.2 مليار دولار. وهذا الفارق الكبير في الأرقام يجعل الأمر ملتبسا، وهو ما يحجب المعرفة الدقيقة لمدى التحسن الإقتصادي بعد عودة التصدير عبر البر.

الجدوى الإقتصادية المنتظرة

كان نقل الشاحنات عبر عبارات خاصّة إلى قناة السويس أثناء إقفال معبر نصيب، يرفع الكلفة والوقت المفترض للتصدير. وكانت مؤسسة «إيدال» تتدخل لدفع فارق الكلفة بين التصدير البري والتصدير البحري، والتي ارتفعت عبر البحر بين 20 في المئة إلى 30 في المئة من كلفة النقل عبر البرّ. لكن تشكّل الخدمات معظم الصادرات اللبنانية بزيادة 3 أضعاف ما يصدّره لبنان من سلع صناعية وزراعية. (3 مليارات دولار سلع، مقابل 9 مليارات دولار خدمات). ولا يتخطّى مجموع السلع والخدمات المصدّرة من لبنان إلى الخارج الـ 23 في المئة من الناتج المحلي. لذلك، يتوقف الإقتصاديون عند حجم الإيجابية وتأثيرها على الإقتصاد.

من هنا، يقول خبراء الاقتصاد إن فتح المعبر، عدا عن أنه يسهّل ويزيد تصدير المنتوجات اللبنانية الصناعية والزراعية، ما يدعم الإقتصاد ويحسّن مؤشراته، فهو يوفّر على الخزينة اللبنانية ما بين 30 و40 مليار ليرة كانت تدفعها عبر «إيدال» دعما للمنتجين والمصدّرين ومنعا لانهيار هذه القطاعات. ويشيرون إلى الخسائر الكبيرة التي تكبّدها الاقتصاد اللبناني منذ إقفال معبر نصيب إلى اليوم كون التصدير البحري كان مكلفا والعقبات كانت كثيرة.

لكن، يرى الخبراء أن الإيجابيات لن تظهر قريبا، أو أن المنافع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الأحداث الأمنية وإقفال المعبر، لأن بعض أصحاب الشاحنات لن يكون متحمسا في البداية لخوض هذه «المغامرة»، كون الوضع لم يعد إلى طبيعته بالكامل، أقله من الناحية النفسية وبما يوحي بالثقة، وإن كان أمنيا وعمليا بات سالكاً أمام العابرين. وثانيا لأن بعض المنتجين اللبنانيين من صناعيين أو مزارعين، خفّفوا من إنتاجهم في السنوات الماضية، لأن سبل التصدير كانت متعثرة والكلفة عالية والمردود قليل، بما لم يشجّع على زيادة الإستثمار والإنتاج.

هذا لا يعني بحسب الخبراء، أن الاقتصاد اللبناني سيستفيد بنسبة كبيرة بعد افتتاح المعبر، إذ يرون أن الإستفادة ستكون بحجم اعتماد لبنان على التصدير، مع العلم أن لبنان يُعتبَر بلداً مستورداً لا مصدّرا. أما أهم العوامل التي تجعل من فتح المعبر أمرا جيدا للمصدِّر اللبناني من دون شك، ولكن بدرجة أقل مما هو منتظر، هي:

إنَّ سيادة بعض الهدوء الأمني الذي سمح بفتح معبر نصيب، ستسمح أيضا بارتفاع الإنتاج المحلي السوري والإستغناء عن بعض المستوردات من لبنان. بعدما كانت الحرب السورية أدت إلى تراجع الإنتاج الوطني، فكانت المنتجات اللبنانية تملأ هذا الفراغ.

تصدير البضائع عبر البر لم يكن متوقّفا بل متراجعا، وقد تكون الإيجابية الأبرز هي تخفيض كلفة النقل ولو قليلا. كذلك يقول الخبراء إن الميزان التجاري اللبناني لم يتراجع بسبب الأزمة السوريّة سوى 10 بالمئة تقريبا.

لا يتكل لبنان على الصناعات الضخمة، ولذلك سيكون هناك فائدة بمكان ما لبعض القطاعات الصناعية الخفيفة والمتوسطة، ولكن الفائدة الأكبر ستكون للقطاع الزراعي، إنما لن تكون تداعيات هذا الأمر كبيرة على الاقتصاد اللبناني كما يُصوّر. وذلك لأن هناك عدداً من الدول العربية وجدت مصدِّرين آخرين بدلاء عن المصدِّر اللبناني.

على الرغم من ذلك يميل أصحاب الإختصاص إلى القول إن فتح المعبر هو مؤشر إقتصادي وأمني ونفسي مهم، وهو حاجة للإقتصاد اللبناني بغض النظر عن حجم المردود المالي المتوقع منه، ونسبة النمو الإقتصادي المتأتية من جرائه. لكن يبقى على لبنان أن يعرف كيف يستفيد من الفرص وتوظيفها في صالح اقتصاده، والبناء عليها وعلى أمثالها لاستعادة بعض الأنتعاش الضائع والأمل المفقود.

 

معبر نصيب: محطات وأرقام

بدأ العمل بمعبر نصيب​ الحدودي بين سوريا والأردن عام 1997 لتستفيد منه ثلاث دول رئيسية، سوريا والأردن و​لبنان​ كطريق اقتصادي أساسي، تمر من خلاله السلع والخدمات والترانزيت، إضافة الى السيّاح. وقبل إقفال المعبر عام 2015 كانت تعبره حوالى 250 شاحنة لبنانية يوميا، محمّلة بالمنتوجات الزراعية والصناعيّة. وكانت تمرّ عبر هذا الخط، 70 في المئة من الصادرات الزراعية اللبنانية، و32 في المئة من الصناعات الغذائية اللبنانية، و22 في المئة من صادرات الصناعة بشكل عام، وقد تراجع تصدير المنتجات اللبنانية إلى الأسواق الخليجية بنسبة تتخطى الـ 50 في المئة منذ إقفال المعبر.

وبين الدول المستوردة من لبنان تتصدر السعودية لائحة المستوردين، بقيمته نحو 378 مليون دولار (نصفها عبر معبر نصيب)، تليها الإمارات بما قيمته 320 مليون دولار، غالبيتها عبر مطار بيروت الدولي، ثم جنوب إفريقيا بنحو 297 مليون دولار، والعراق بنحو 255 مليون دولار، وسوريا بنحو 242 مليون دولار، ثم تركيا بـ 145 مليون دولار.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل