#adsense

حكومة معراب

حجم الخط

 

كتب نجم الهاشم في المسيرة العدد – 1685

كما في 18 كانون الثاني 2016 يوم تبنى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، كذلك في 29 تشرين الأول 2018 توجهت كل الأنظار إلى معراب لمعرفة القرار الذي ستتخذه «القوات اللبنانية» بالنسبة إلى موقفها من تشكيل الحكومة. هل ستشارك بأربعة وزراء يتولون نيابة رئاسة الحكومة وحقائب الشؤون الإجتماعية والعمل والثقافة؟ أم تفضل أن تبقى خارج الحكومة وتذهب إلى المعارضة الشاملة؟ ومرة جديدة كان الحدث في معراب وكان القرار في معراب وكانت «القوات» تثبت أنها القادرة على صناعة التحولات في المراحل الصعبة ولو اعتقد البعض أنها تمر في مرحلة صعبة.

في كانون الثاني 2016 كان هناك اعتقاد أن الفراغ سيبقى مسيطرًا على قصر بعبدا وأن لا انتخاب لرئيس الجمهورية وجاء قرار «القوات اللبنانية» ليكسر هذا الجدار وليكشف أن عقدة تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية في مكان آخر ولينقل الطابة إلى ملعب المعطّلين الحقيقيين الذين كانوا يحمِّلون المسؤولية للتزاحم الماروني على الرئاسة.

استغرقت العملية عشرة أشهر حتى تبنى الرئيس سعد الحريري خيار انتخاب العماد عون فكان 31 تشرين الأول 2016 ختامًا لتلك المرحلة من الفراغ الذي استمر منذ 25 أيار 2014 تاريخ مغادرة الرئيس السابق ميشال سليمان قصر بعبدا في نهاية ولايته الرئاسية.

بين 31 تشرين الأول 2016 و31 تشرين الأول 2018 عامان من عمر العهد انتقلت خلالهما المعادلة من معالجة الفراغ الرئاسي إلى معالجة الفراغ الحكومي. وفيما كان رهان «القوات» في كل هذه المرحلة على تثبيت قوة العهد واستعادة الجمهورية القوية كان البعض يعمل على إضعاف «القوات» وإبعادها عن الحكومة وعزلها حتى تفشل محاولة إعادة ترسيخ بناء الدولة والمؤسسات التي اتبعتها «القوات» في ممارستها الحكومية والنيابية التي ساعدتها في تخطي استحقاق الإنتخابات النيابية بنتيجة جيدة قياسًا أيضًا على تاريخها النضالي الذي كانت من خلاله تعمل دائمًا من أجل أن تكون الدولة دولة المؤسسات القوية صاحبة القرار خصوصًا من الناحية الأمنية تثبيتا لدور الجيش اللبناني.

الحضور التاريخي ل«القوات» مضافاً إليه الحضور السياسي والحزبي والشعبي ربما أخاف البعض ولذلك كانت الحرب على «القوات» وكان التركيز على أن «القوات» هي التي تعرقل تشكيل الحكومة وكان الحديث عن العقدة المسيحية خصوصًا في ظل المعايير التي كان يخرج بها كل مرة الوزير جبران باسيل.

مرة جديدة كان على «القوات» أن تأخذ القرار. يوم الإثنين 29 تشرين الأول كانت معراب محط الأنظار. فقد أعلن رئيس «القوات» سمير جعجع الموافقة على أن تكون حصة «القوات» في الحكومة أربعة وزراء يتولون نيابة رئاسة الحكومة ووزارات العمل والشؤون الإجتماعية والثقافة. ولم يتأخر الوقت حتى كانت «القوات» توزع السير الذاتية لوزرائها: دولة الرئيس غسان حاصباني، كميل أبو سليمان لوزارة العمل، ريشار قيومجيان لوزارة الشؤون الإجتماعية والدكتورة مي شدياق لوزارة الثقافة. كان من المفترض بعد ذلك أن تسير عملية التأليف إلى خط النهاية ولكن حصل ما لم يتوقعه البعض عندما كشف «حزب الله» أن العقدة الأساسية تكمن في توزير من يمثل النواب السنّة المحسوبين عليه.

كان من المفترض أن لا يمر يوم 31 تشرين الأول 2018 من دون تشكيل الحكومة لتكون هدية العهد إلى اللبنانيين بعد عامين على انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية. وإذا كانت «القوات» قد حسمت موقفها من أجل تسهيل هذه العملية، فإن العهد لم يكن ينتظر أن تأتيه المفاجأة والعرقلة من حارة حريك  حيث مقر قيادة «حزب الله».

وإذا كان من المفترض أيضًا أن هذه الذكرى كان يجب أن تتوّج بالصورة التذكارية للحكومة في قصر بعبدا، فإنه لم يكن من مفر أمام العهد إلا أن تعبر هذه الذكرى في ظل استمرار الفراغ الحكومي الذي بات يرزح تحته. في المقابل كانت هناك صورة تذكارية أخرى تلتقط مساء الثلاثاء 30 تشرين الأول في معراب لرئيس «القوات» سمير جعجع مع وزراء «القوات» وكأنها صورة حكومة «القوات» بعدما قالت كلمتها وتركت الآخرين يبحثون عن حل الأزمة التي افتعلها «حزب الله» على قاعدة ما أعلنه الدكتور جعجع من أن رأس الطاولة يكون حيث تجلس «القوات».

بين يومي الإثنين والثلاثاء لم تكن مسألة التقاط الصورة واللحظة تتطلب إلا قطع مسافة الطريق بين لندن وبيروت وبين واشنطن وبيروت وصولاً إلى معراب.

منذ العام 1985 خرج «الوزير» كميل شاكر أبو سليمان من لبنان ليتابع دراساته التخصصية ويبني أفقاً واسعاً لأعماله. صحيح أنه ابن رئيس الرابطة المارونية الأسبق المحامي شاكر أبو سليمان عضو الجبهة اللبنانية ورفيق كميل شمعون وبيار الجميل وشربل قسيس وبشير الجميل ولكنه أيضًا صاحب التجربة الرائدة والناجحة التي رسخ من خلالها مكاناً متقدماً في الأعمال الناجحة. صحيح أنه كان يعمل بعيدا من لبنان ولكنه في الواقع لم يكن بعيدًا. منذ العام 1996 تقريبًا دخل إلى دائرة المقربين من الرئيس رفيق الحريري وكان الوزير «الشهيد» باسل فليحان صلة الوصل بينهما. يحكي أبو سليمان عن كلام كبير ومسيء بحق الرئيس رفيق الحريري كان يسمعه خلال لقاءات مع فريق عمل الرئيس الأسبق إميل لحود خصوصا عندما كان الأمر يتعلق بالبحث في موضوع قطاع الإتصالات. ويحكي أن الرئيس الحريري كان مهتما منذ تلك المرحلة بقطاع النفط والغاز. وقد تولى أبو سليمان بحكم عمله وخبرته الإشراف على إصدارات اليوروبوند الخاصة بالحكومة اللبنانية. لم يكن بحاجة إلى وقت طويل ليصل إلى فتح قنوات اتصال مع «القوات اللبنانية» والدكتور سمير جعجع ولتبدأ سلسلة لقاءات بينهما قبل أن يفاتحه جعجع باحتمال أن يكون وزيرًا في الحكومة ممثلاً ل«القوات اللبنانية». شكل الأمر مفاجأة له وتحديًا خصوصًا لجهة أنه في حال قبوله سيكون مضطرًا إلى الإبتعاد عن أعماله في الخارج وعن الشركات التي يعمل فيها أو التي مثلها. كان من الأرجح أن يتولى حقيبة العدل لو بقيت من حصة «القوات» ولكن طالما حصلت «القوات» على وزارة العمل فسيكون وزير العمل. تلقى أبو سليمان إتصالات التهنئة بينما كان يحزم حقائبه للعودة إلى لبنان والوصول إلى معراب.

بدوره ريشار قيومجيان كان مضطرًا لحزم حقائبه والعودة. في 22 نيسان 1994 بعد يوم واحد على اعتقال الدكتور سمير جعجع توجه إلى مطار بيروت وغادر ولم يعد إلا بعد خروج الحكيم من المعتقل. كان يأتي باستمرار إلى لبنان ولكنه بقي يعمل في الخارج. بعدما طرح اسمه ليكون في الحكومة تلقى اتصالا من النائب هاغوب بقرادونيان أمين عام حزب الطاشناق الذي بارك له وتأكد من أن الحقيبة ستكون وزارة الشؤون الإجتماعية بينما كان في الجانب الآخر من عملية التشكيل يتم البحث في أن يكون للأرمن ممثل واحد في الحكومة. قيومجيان تلقى أيضًا اتصالات كثيرة مهنئة خصوصًا من القيادات الدينية والسياسية الأرمنية التي قدرت خطوة «القوات اللبنانية» باختياره ممثلاً عنها.

دولة الرئيس غسان حاصباني وصل إلى معراب كما اعتاد أن يفعل. هو العائد الوحيد من وزراء «القوات». وهو الحاضر الدائم في نقاشات الملفات التي سجلت السخونة الأعلى خصوصًا ما يتعلق منها بالصفقات وببواخر الكهرباء. سيبقى حضوره مميّزًا في جلسات الحكومة خصوصًا لجهة الخبرة التي اكتسبها من خلال الممارسة طيلة عامين تقريبًا والإنجازات التي حققها في طريقة العمل الوزاري وفي وزارة الصحة ليكون لاحقاً متابعًا دائمًا للملفات التي عمل عليها من موقعه كنائب رئيس الحكومة خصوصًا ما يتعلق منها بالتنيمة المستدامة على مستوى كل لبنان والتي ستكون أساس المشاريع التي سيتم تمويلها من خلال الأموال التي خصصت للبنان في مؤتمر «سيدر».

مي شدياق تبقى رمز التصدي لعهد الوصاية السورية وصورة دائمة عن 14 آذار التي كانت والتي ستبقى. لقد دفعت الثمن غاليًا ودخولها الحكومة مع حقيبة وزراة الثقافة ليس إلا ردًا على من حاول اغتيالها سعيًا إلى اغتيال 14 آذار. وهي لذلك ستبقى علامة فارقة داخل الحكومة وصوتاً للضمير الحي. وكما كانت الصوت الصارخ ضد عودة عهد الوصاية وضد مصادرة القرار اللبناني ستبقى كذلك.

ثمة صورة من معراب تختصر المشهد السياسي. إنها صورة مصغرة عن الحكومة التي يريدها اللبنانيون. حكومة تستلهم تجربة وزراء «القوات» في الحكومة السابقة. حكومة تكون على قياس الجمهورية القوية. حكومة تعمل من أجل استعادة سيادة لبنان. بانتظار أن تكتمل الصورة على أدراج قصر بعبدا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل