.jpg)
كتبت جومانا نصر في المسيرة العدد – 1685:
الصورة لا تزال ماثلة في ذاكرة أهالي شرق صيدا والدامور والعيشية، صورة المجازر والتنكيل والتهجير التي ارتكبتها الفصائل الفلسطينية المسلحة والمرتزقة. صور لم يمحها الزمن حتى بعد عودتهم إلى بيوتهم وأرزاقهم وترميم الحجر. لكن حتى هذه الحجارة التي أعادوا شقعها لترسيخ وجودهم في أرضهم بقيت مهددة بفعل الأجندات الخارجية التي تعود بعقارب الزمن إلى الوراء لتترجم بإشتباكات داخل المخيمات الفلسطينية وليس آخرها في مخيم المية ومية. فهل تكون حسابات الربح والخسارة داخل هذا المخيم الذي اندلعت فيه الإشتباكات منذ حوالى الأسبوعين بين مسلحين من حركة «فتح» و«أنصار الله» على حساب أهالي المية ومية وصيدا؟ ومن يضمن صمود الهدنة التي أُبرمت في الضاحية الجنوبية بين مسؤولين في حركتي «فتح» و«حماس» و«حزب الله» من دون وجود ممثل رسمي أو أمني عن الدولة اللبنانية؟ وهل يكون قطار التهجير هذه المرة طوعيا بعدما بات مفهوم العيش بكرامة وأمان في قرى شرقي صيدا رهن بأجندة الأمن في مخيم المية ومية؟
لم يعد خافيا على أحد أن سبب المواجهات التي اندلعت في مخيم المية ومية بين عناصر من حركتي «فتح» و«أنصار الله» هو وجود أجندة خاصة لمجموعات ترتبط بجهات خارجية وتتلقى الأوامر منها. وما اعتبار «حزب الله» أن الأمين العام لحركة «أنصار الله» جمال سليمان هو خط أحمر والقضاء عليه ممنوع إلا دليل على أن تجدد الإشتباكات في مخيم المية ومية وارد في كل لحظة وفقا للأجندة الخارجية. وبغض النظر عن التحليلات التي تربط بين أحداث «المية ومية» وقبله «عين الحلوة» ووجود نية لدفع لاجئي المخيمين إلى الهجرة أو التهجير والذوبان داخل المجتمع اللبناني على خلفية القرار الأميركي بوقف المساهمات ل«الأنروا»، وبعيدا من التوقيت غير البريء لإشعال فتيل الإشتباكات في المخيم، إلا أن المشهد الإنساني والإجتماعي على أرض الواقع في بلدات وقرى شرقي صيدا ومصير الأهالي الذين باتت حياتهم اليومية مرتبطة بعقارب الوضع الأمني داخل المخيم بات يطرح سؤالا حول ضرورة إعادة فتح ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات خصوصا بعدما تحولت إلى بؤر للهاربين من وجه العدالة والقانون والتنظيمات الإرهابية، وكذلك الحال خارج المخيمات.
ثمة من يقول إن الملف كان يطرح على كل طاولة حوار عقدت على مر العهود السابقة. وفي كل مرة كان يسحب الملف قبل إقفال ملف الحوار. وفي ظل الحديث عن «صفقة القرن» التي يحكى عنها والجولات التي تقوم بها وفود عسكرية أجنبية في محيط المخيمات الفلسطينية ومن بينها مخيمي المية ومية وعين الحلوة بات من الضروري القراءة وبتأن عن تداعيات «الصفقة» السلبية المحتملة على لبنان وإيجاد صيغة واقعية لنزع السلاح الفلسطيني من داخل وخارج المخيمات.
بعد المواجهات العسكرية في مخيم المية ومية بين عناصر من حركة فتح وآخرين من تنظيم «أنصار الله» أسقط القناع عن طبيعة التنظيم الذي يديره جمال سليمان وعلاقته ب«حزب الله». وبحسب المعلومات كان سليمان ضابطا في حركة فتح في مخيم عين الحلوة وانشق عنها منتصف الثمانينات وانضم إلى «حزب الله» خلال المواجهات العسكرية مع حركة أمل في إقليم التفاح. بعد ذلك انتقل إلى مخيم المية ومية واسس أنصار الله بدعم من الحزب وإيران. إذاً أسباب المواجهات مبررة في الظاهر. لكن هل يكون اعتبار جمال سليمان خطا أحمر بدلا من أن يكون أمن البلدات والأهالي الذين يسكنون في محيط المخيمات خطا أحمر؟ هل ثمة من يجرؤ على القول بأن لا «خطوط حمر» حول أي مخيم وحتى داخله، وأن حرية وكرامة وحق الأهالي الذين عاشوا ذل التهجير وذاقوا مرارة التنكيل في شرقي صيدا والبلدات المجاورة للمخيمات الفلسطينية وحصرية السلاح في يد الشرعية اللبنانية هي وحدها «خط أحمر»؟ أية هيبة تسطِّر وطناً تجرؤ فيه فصائل مسلحة على التلاعب بحياة أبنائه ومصيرهم وتزاحم لقمة عيشهم من دون أن يعلو صوت ليفاوض ويضع حدا لتلك «الحالة» التي تتفجر من وقت لآخر وفق أجندات خارجية؟
تبادل الرسائل بالنار وصلت شظاياها إلى أهالي المية ومية مما أدى إلى نزوح عدد منهم فيما أقفلت كليات الجامعات اللبنانية والخاصة وعلقت إدارات المدارس دروسها. واللافت أن الإشتباكات جاءت بعد ساعات من زيارة قام بها وفد من البلدة إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للمطالبة بإزالة التعديات عن أملاك أهالي البلدة وتحديدا الجزء الغربي من المخيم الذي نشأ بعد تسعينات القرن الماضي ودفع التعويضات وإزالة التعديات الحديثة وتحرير الأراضي والعقارات من رسوم الإنتقال وتحديد لجنة خبراء من الدولة اللبنانية لتخمين قيمة التعويضات لرفعها إلى المحافل الدولية.
الخطوة الأولى بدأت بتسلم الجيش اللبناني لحاجز الكفاح المسلح عند مدخل المخيم. لكنها ليست إلا «خطة علاجية»، والمطلوب ضمان أمنهم واستعادة حقهم في أراضيهم والعقارات المسلوبة منهم، أو على الأقل حقهم في دخول أراضيهم الزراعية المتاخمة للمخيم والتي يعتاشون من محاصيلها. في الموازاة رفع راعي أبرشية صيدا ودير القمر للروم الكاثوليك المطران إيلي حداد الصوت عاليا وقالها صراحة: «هناك قذائف سقطت في بلدة المية ومية والرصاص اخترق البيوت والمدارس مما أدى إلى حركة نزوح.. الوضع لا يحتمل، والمخيمات الفلسطينية باتت قنبلة موقوتة لا أحد يعلم متى تنفجر وهذا ما يجعل المواطن الذي يقطن في محاذاتها يعيش في حال من الهلع والقلق الدائمين».
ربما المطلوب تحرك جدي على المستوى الرسمي المحلي لا بل المطالبة بعقد مؤتمر دولي لمعالجة الوضع الفلسطيني في لبنان وتحريك الرأي العام الدولي. لكن المسألة لا تتوقف على تحريك ضمائر الرأي العام الدولي لأن القاعدة تنطلق من مسؤولية الدولة تجاه شعبها واتخاذها قرارا حاسما بسحب السلاح من كل المخيمات الفلسطينية وحصره بالشرعية اللبنانية. ومن هذه الروحية كان الموقف الذي أعلنه وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال ملحم الرياشي عقب زيارة قام بها إلى بلدة المية ومية يرافقه وفد من حزب «القوات اللبنانية» تقدمه منسق «القوات» في منطقة صيدا – الزهراني إدغار مارون والتقى في خلالها المطران حداد وعدد من رؤساء بلديات المنطقة ومخاتيرها، وقال: «على «الأنروا» أن تؤمن ما يجب تأمينه للفلسطينيين ولكن ليس على حساب أهل المية ومية» ووجه دعوة لرئيس الجمهورية والرئيس المكلف والمعنيين لتحمّل مسؤولياتهم ومنع ما يحدث في المية ومية لأن الحروب الصغيرة قد تؤدي في أي لحظة إلى حروب كبيرة».
صرخة الرياشي لم تخلُ من الرسائل الإنسانية هو الذي اعتبر أن دعم أهالي المية ومية والوقوف إلى جانبهم والمطالبة بالأمن والأمان من أقل الواجب بعدما عانوا ما عانوه من تهجير واستشهاد خلال الحرب، وقال: «ومن غير المقبول أن لا يأتي وزير عدل قادر على حل مشكلة المنطقة، والسلاح خارج الدولة والشرعية مرفوض».
مع عودة الهدوء إلى مخيم المية ومية عاد أهالي القرى المجاورة والمحيطة به إلى حياتهم اليومية، لكن من دون حقهم في العيش بأمان بعيدا من الخوف والقلق من اندلاع اشتباكات وفقا لحسابات ومصالح وأجندات خارجية واردة في كل لحظة. وما تختزنه ذاكرة الأهالي من تلك الأيام السوداء التي عاشوها خلال الحرب وحتى بعد عودتهم إلى قراهم لن يكون إلا دافعا لترتيب أجندة حياة جديدة منقحة من تلك الصور. فهل تكون هذه الإشتباكات المتنقلة من مخيم إلى آخر بمثابة أجندة جديدة ل»صفقة القرن»؟ وهل كتب على اللبنانيين أن يمشوا درب الجلجة ويُرفعوا على صليب الخوف والتهجير فداء لحسابات الأجندات الخارجية؟
الجواب لدى أهالي المية ومية واضح: «أرضنا وحقنا بالعيش بكرامة خط أحمر وعقارب الزمن لن تعود إلى الوراء». والتاريخ سيشهد حتما على تلك الخطوط الحمر الجديدة التي كتبها أهالي شرقي صيدا والقرى والبلدات المتاخمة للمخيمات الفلسطينية منذ «النكبة» بدماء الشهداء.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
